Navigation

الحرب العربية الباردة الجديدة

أمين عام جامعة الدول العربية عمرو موسى يواجه مرة أخرى موجة جديدة من الخلافات بين دول عربية رئيسية... Keystone

يبدو أن قدر العرب أن يعيشوا دائما أجواء حرب، إن لم تكن على جبهات القتال، فهى على جبهات الإعلام والدبلوماسية.

هذا المحتوى تم نشره يوم 25 أغسطس 2006 - 21:00 يوليو,

وهذه المرة هى حرب بين العرب أنفسهم، يتراشق فيها فريق ضد أخر، وكل منهما يعتبر نفسه المنتصر والأكثر مقاومة وممانعة لضغوط الأعداء، أو الأكثر حكمة فى السياسة والأقل مغامرة فى شئون الحرب والقتال.

يبدو أن قدر العرب أن يعيشوا دائما أجواء حرب، إن لم تكن على جبهات القتال، فهى على جبهات الإعلام والدبلوماسية.

وهذه المرة هى حرب بين العرب أنفسهم، يتراشق فيها فريق ضد أخر، وكل منهما يعتبر نفسه المنتصر والأكثر مقاومة وممانعة لضغوط الأعداء، أو الأكثر حكمة فى السياسة والأقل مغامرة فى شئون الحرب والقتال.

خبرات سابقة

إنها حرب باردة، كتلك التى عاشها العالم لعقود ما بين نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى سقوط الاتحاد السوفياتى نهاية الثمانينات من القرن الماضى، وهى قريبة الشبه من حيث الانقسام الرأسى والأفقى بـ "الحرب العربية الباردة"، والتعبير هنا للباحث الأمريكى من أصول يونانية بنايوتى فاتيكيوتس، حين وصف انقسامات وخلافات العرب أنفسهم فى نهاية الخمسينات ومطلع الستينات، وكان قوامها الانقسام بين معسكرين، يقود كل منهما طرف عربى كبير، الأول وُصف بمعسكر الرجعية العربية والثانى وصف نفسه بالمعسكر الثورى التقدمى. أما الخلاف فشمل قضايا التحالفات الأجنبية والسياسات الاشتراكية والقومية العربية وإدارة الصراع مع إسرائيل.

الأمر نفسه تكرر بصورة أخرى بعد إقدام مصر على تحرير أرضها المحتلة وتسوية صراعها مع إسرائيل عبر المفاوضات السياسية والرعاية الأمريكية، فكانت المقاطعة العربية لمصر حتى نهاية الثمانينات، وكان أيضا الانقسام العربى حول قدرة العرب على تسوية صراعهم مع الكيان العبرى عسكريا بعد أن خرج اكبر جيش عربى من المواجهة معها.

إدارة الصراع مع إسرائيل

حرب اليوم العربية الباردة الجديدة ليست بعيدة فى مضمونها عن تلك القديمة، أو القريبة، لاسيما فيما يتعلق بإدارة الصراع مع إسرائيل، ومفردات هذا الصراع. ولذا فلا تمتد إلى السياسات الداخلية الاجتماعية والاقتصادية لهذا البلد أو ذاك كما كان فى السابق.

وفى كل السوابق يلاحظ المرء أن فلسطين وتوابعها هى مركز الانقسام القديم الجديد، وإدارة الصراع مع الكيان العبرى هو المحور الذى، رغم اتفاق العرب جميعا على استراتيجية سلام لتسوية هذا الصراع، ما زال يشكل مصدر التوافق النادر حينا ومصدر الخلاف الغالب أحيانا أخرى.

ونظرا لان بيئة اليوم الدولية بعيدة عن الاستقطاب الدولى الذى كان سائدا فى الخمسينات والستينات، ويسودها أحادية قطبية امريكية شديدة الوطأة على العالم العربى والاسلامى، فقد استبدلت تحالفات الأمس العربية الدولية بتحالفات إقليمية تتشارك مع بعض العرب فى مقاومة الهيمنة الأمريكية الجامحة وطموحات الكيان العبرى الإقليمية.

ومن هنا يظهر الحديث والخلاف حول الدور الإيرانى وتشيع عبارات "المحور السورى الإيرانى" ممتدة إلى حزب الله اللبنانى، الذى يمثل فى نظر معارضيه اللبنانيين والعرب أحد التعبيرات العملية لهذا المحور الذى يجمع بين طرف عربى وأخر إقليمي لا يخلو من طموحات قد تضر بالمصالح العربية، ويعد أكثر المستفيدين من تطورات عديدة كما هو الحال فى العراق مثلا.

حزب الله والدولة اللبنانية

حزب الله اللبنانى وإن شكل ابرز العناصر الجديدة فى الحرب العربية الباردة، فهو أيضا مصدر التباس شديد فى الحالة اللبنانية نفسها، وكما كان قبل المواجهة مع إسرائيل، وعلى طاولة الحوار الوطنى طارحا لرؤى غير مقبولة كلية من الأطراف اللبنانية الأخرى فيما يتعلق بسلاحه وتطبيق القرار 1559، وعلاقته بالدولة اللبنانية إزاء الحرب والسلام، وعلاقته بسوريا وإيران، فإنه فيما بعد المواجهة العسكرية يظل أيضا عنصرا مهما فى الجدل اللبنانى الداخلى، مضيفا إليه إشكالية جديدة عبر عنها السيد حسن نصر الله زعيم الحزب ، أيهما أولا بناء دولة لبنانية قوية أم المبادرة بنزع سلاح المقاومة قبل الوصول إلى هذه الدولة القوية، فى الوقت الذى تظل فيه المقاومة قادرة على مواجهة العدوان إن جرى مرة أخرى، لاسيما وان المعادلات الدولية الراهنة لا تمنع حدوث العدوان ولا تحد منه بل ربما تشجعه على جولة أخرى.

والمسألة على هذا النحو ليست مجرد لغز فكرى أو إشكالية نظرية، بقدر ما هى معضلة عملية تتعلق بمصير الوطن اللبنانى وبقدرة الجميع على تفهم التحديات الحقيقية التى تواجه هذا الوطن، خاصة وأن العدوان الإسرائيلى الوحشى والمشاركة الأمريكية فيه، كشفت بكل وضوح أن الولايات المتحدة فى ظل إدارة الرئيس بوش تقبل التضحية بكل أصدقائها وحلفائها بكل بساطة ويسر فى سبيل إرضاء إسرائيل والتغطية عليها وتوفير الحماية لها لكى تفعل ما يحلو لها دون محاسبة أو حتى كلمة لوم وعتاب دبلوماسية.

ومع ذلك فهناك لبنانيا من يصر على أن الأولوية هى لبناء الدولة القوية بما فى ذلك ذوبان المقاومة فى آليات الدولة نفسها، ربما بصيغ خاصة يجب ان تبحث وطنيا وتقبل جماعيا. وحتى الوصول إلى هذه الصيغة سيظل البحث عن الدولة القوية مشكلة كبرى. خاصة وان انتشار الجيش اللبنانى وحده فى الجنوب اللبنانى بقدراته المحدودة لا يعنى شيئا كثيرا، اللهم بعض الرمزيات.

إشكالية الدولة العربية أيضا

إشكالية دور الدولة اللبنانية وطبيعتها ومدى قوتها لا تبدو فى ظل الحرب الباردة العربية الجديدة كقضية لبنانية محلية وحسب، بل هى فى سياق الجدل العربى قضية عربية جامعة.

فإن قبل البعض وأيد أن تبقى المقاومة فى حالة لبنان بعيدة عن آليات الدولة ودستورها، فهل يقبل آخرون الشئ ذاته فى بلدانهم؟. وهنا يشار إلى سوريا، وهى الأكثر تعبيرا عن مساندة مقاومة حزب الله فى وضعيته الراهنة، فهل تقبل كيانا سياسيا عسكريا يواجه الاحتلال الإسرائيلى للجولان بعيد عن سطوة الدولة وهيمنتها؟.

ليس هناك صعوبة فى القول أن سوريا ترفض ذلك جملة وتفصيلا، رغم أنها سند كبير لحزب الله ولدوره، والأكثر تمسكا بصيغته ولكن فى لبنان. والتفسير بسيط لان سوريا تدير معركتها وفق منطق الدولة وحساباتها المعقدة داخليا ودوليا وليس وفق منطق المقاومة حسب الصيغة اللبنانية.

موقفان متناقضان

حرب اليوم العربية الباردة الجديدة وإن انطلقت مع اللحظات الأولى التى أعلن فيها حزب الله عن نجاحه فى أسر جنديين إسرائيليين وطالب مبادلتهما بأسرى لبنانيين وعرب عبر طرف ثالث، إلا إنها تجد قضاياها الأساسية فى زمن سابق.

كل ما هنالك أن حادثة اسر الجنديين الإسرائيليين واندفاع تل أبيب ناحية الحرب المفتوحة والتى وضعت لها أهدافا كبرى، اكبر من قدرة إسٍرائيل وآلتها العسكرية المتوحشة، مستفيدة من دعم أمريكى غير مسبوق عسكريا وسياسيا ودبلوماسيا، قد حفزت الخلافات القديمة تحت السطح وأعطتها فرصة الظهور والعلن.

وكان طبيعيا أن يظهر الانقسام إزاء سؤال محورى فرض نفسه على الجميع: هل هناك جدوى من المقاومة المسلحة ضد إسرائيل، وهل يتطلب أن يقف العرب جميعا مع قرار المقاومة بالمواجهة سوءا فرضتها هى أم فرضت عليها قسرا؟.

من يملك قرار الحرب ؟

الحديث عن جدوى المقاومة من حيث المبدأ استدعى بدوره الحديث عن من يملك قرار الحرب، الحكومات أم الحركات المقاومة، وجدوى السلام والتسويات مع عدو لا يعرف سوى لغة القوة والبطش فى ظل اختلال توازن القوى العسكرى، وفى ظل اختلال السياسات الدولية على نحو منع المنظمة الدولية من أن تقوم بدورها الأصلى وحسب ميثاقها بحماية الأمن والسلم الدوليين وحماية أى من أعضائها الذين يتعرضون لعدوان مسلح أو حتى حماية قواتها التى تتعرض للقصف المدبر.

وفى كل القضايا كانت النقطة المركزية الحاضرة الغائبة هى: هل من الحكمة أن يعلن العرب جميعا الحرب على إسرائيل، أم أن هناك أدوات أخرى يجب استنفاذها أولا، سواء لوقف العدوان وحماية لبنان ثم استعادة الحقوق العربية المسلوبة فى فلسطين وفى الجولان وفى غيرهما.

هذه القضايا المحورية التى طُرحت عربيا مع استمرار العدوان الإسرائيلى وقسوته الشديدة على لبنان وشعبه وبنيته الأساسية، ارتبطت بمواقف عربية عبرت عن استراتيجيتين متناقضتين.

الأولى حملت المقاومة وزر العدوان الإسرائيلى وتوقعت فى البداية هزيمة منكرة لها، وعبرت عن رفض جازم للمشاركة فيا سمى بمغامرة غير محسوبة. أما الثانية فرأت أن المقاومة خيار استراتيجى طالما أن هناك غيابا للسلام وأرضا عربية محتلة وأسرى فى المعتقلات الإسرائيلية، وعدوانا غاصبا وانحيازا دوليا للعدوان، بل تغطيته دبلوماسيا ومنحه شرعية لا يستحقها وتوفير الوقت له لاستكمال أهدافه المعلنة والمضمرة.

الثمن الباهظ يمنع الاعتذار

ومع قدرة حزب الله على صد العدوان الإسرائيلى وفق أداء عسكرى رفيع المستوى لم يكن متوقعا، ومثل اكبر مفاجأة للذين راهنوا على سقوطه أو هزيمته أو تداعى قدرته، بدت الاستراتيجية الثانية كمن أحرز النصر، وأن الأولى عليها أن تعتذر أو تتوارى، أو على الأقل أن تشعر بقدر من الخجل الشديد، وتلك كانت رسالة الرئيس بشار الاسد فى خطابه الحاد 15 أغسطس الجارى إلى القادة العرب الذين تمسكوا بالاستراتيجية الاولى.

بيد أن هذا النصر لم يكن ساحقا، أما ثمنه فبدا باهظا جدا، إن فى عدد الضحايا والشهداء والجرحى والمدن والقرى والأحياء المدمرة بالكامل ومعاناة النازحين من الجنوب اللبنانى والثمن الاقتصادى الذى يحمله وسيتحمله لبنان ككل لفترة مقبلة، فضلا عن كلفة إعادة الإعمار والعودة إلى حلبة الجدل السياسى الساخن لبنانيا حول جدوى الدولة وسلاح المقاومة وإعادة بناء الجيش اللبنانى ودوره فى رد العدوان وهو الأقل عتادا وقدرة مقارنة بآلة الجار الجنوبى العسكرية المتوحشة.

هذا الثمن الباهظ للنصر النسبى الذى أحرزته المقاومة مثل رافعة نسبية لأنصار الاستراتيجية الأولى، بحيث تمسكت بعدم الاعتذار أو الشعور بالخجل، وقدمت نفسها على أنها ما زالت صالحة للفترة المقبلة، ودللت على ذلك بأن الجميع ، سواء ادعى النصر أو اعترف بالهزيمة أو القصور النسبى، قد قبل العودة مرة أخرى إلى الحلول السياسية ممثلة فى قرار دولى أعطى لكل طرف بعضا مما طالب به.

وفى ظل عدم قابلية الادعاء بالانتصار الساحق، تصبح المسألة مطروحة فى انتظار جولة أخرى من اجل الحسم، ويظل معها العرب منغمسون فى حرب باردة جديدة، بكل ما فيها من تراشقات إعلامية ودبلوماسية، يدرك الجميع انهم بغنى عنها إن أرادوا جميعا ومعا قهر العدو المشترك.

د. حسن أبوطالب - القاهرة

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.