الدور التونسي في القرار الليبي

استثمرت ليبيا بشكل جيّـد علاقاتها الوطيدة مع تونس لفتح قناة الحوار مع واشنطن وتل ابيب Keystone

منذ أن فاجأ الليبيون العالم بالإعلان عن قرارهم بوقف برامجهم التسليحية واستعدادهم لفتح منشآتهم لفرق التفتيش الدولية، ظلت التساؤلات قائمة حول خلفية هذا القرار.

هذا المحتوى تم نشره يوم 12 يناير 2004 - 16:37 يوليو,

وفي انتظار معرفة المزيد من التفاصيل، تأكّـد أن تونس لعبت دورا أساسيا في التوصّـل إلى هذه النتيجة، وفي لعب دور الوسيط الفعّـال بين طرابلس وواشنطن.. وباريس.

استثمرت ليبيا 15 عاما من العلاقات الجيدة مع تونس لفتح قناة حوار مع واشنطن وتل أبيب، بعدما أيقنت أن هذا الخيار هو خشبة الخلاص الوحيدة لتفادي مصير شبيه بمآل الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين.

وسعى الليبيون منذ أواسط التسعينيات من القرن الماضي لتطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة، بسبب اعتقادهم أن موازين القوى الدولية باتت مختلّـة لغير صالحهم منذ انهيار الاتحاد السوفيتي السابق، ووجدوا تشجيعا من جيرانهم التونسيين الذين نسجوا تحالفا عسكريا واستراتيجيا متينا مع واشنطن.

وجسّـدت اللجنة العسكرية المشتركة بين تونس والولايات المتحدة التي تجتمع سنويا في إحدى العاصمتين، والتي أنشئت عام 1981 في أعقاب هجوم نفّـذه "كوماندوس" مسلح أتى من ليبيا على مدينة قفصة المنجمية في الجنوب، عُـمق التعاون الثنائي الذي توسّـع ليشمل قطاعات جديدة في التسعينيات، بعد جفوة مؤقّـتة تزامنت مع حرب الخليج الثانية.

الوساطة التونسية

في المقابل، يحتفظ التونسيين أيضا بعلاقات متينة مع ليبيا منذ عزل الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة عام 1987، بل إن تلك العلاقات أبصرت مُـنعطفا لافتا في العقد الماضي، جسّـده الاتفاق على الاستثمار المشترك للحقل النفطي المتنازع عليه بينهما، وإقامة سلسلة من المشاريع الصناعية، والسياحية، والمصارف، والشروع في مَـدّ طريق سريعة بين العاصمتين، إضافة إلى الزيارات الكثيرة التي أدّاها الزعيم الليبي العقيد معمر القذافي لجارته الشمالية.

ويقال أن ليبيا اتّـجهت لتوسيط تونس، بعدما عرفت أنها مُـحاور يحظى بالثقة لدى الأمريكيين، وأن التعويل على عواصم أوروبية قد لا يكون مفيدا بسبب خلافاتها مع الإدارة الأمريكية.

وعندما أشاد وزير الخارجية الأمريكي كولن باول لدى استقباله مؤخرا نظيره التونسي الحبيب بن يحيى في واشنطن بالدور الذي لعبه التونسيون في تليين الموقف الليبي، انكشف القسم العائم من جبل الثلج، الذي يبدو أن ما خفي منه، أكبر مما طفا على السطح.

وفي معلومات مصادر ليبية أن مُـنطلق التقارب الليبي - الأمريكي أتى في اللقاء الذي رتّـبه التونسيون، والذي جمع رئيس وكالة المخابرات المركزية الأمريكية جورج تينيت مع القذافي أثناء زيارة الأخير لتونس في تموز الماضي التي استمرّت أسبوعا والتي لم يفهم المراقبون الهدف منها في ذلك الوقت.

وأوضحت المصادر أن المحادثات التي أعقبت ذلك اللقاء تركّـزت على وضع إطار للمفاوضات المقبلة، والمتمثل في قبول ليبيا صرف تعويضات لأسر ضحايا لوكربي، وقطع المساعدات نهائيا عن أي تنظيم فلسطيني أو معارض للسياسات الأمريكية، والتعهد بالكشف عن ترسانتها من الأسلحة المحظورة دوليا.

واستمر دور التونسيين بعد انطلاق المفاوضات بين خبراء أمريكيين وليبيين في سبتمبر الماضي، إذ كانوا يتدخّـلون كلّـما وصلت المحادثات إلى طريق مسدود. وفي هذا الإطار، أعطت زيارة وزير الخارجية التونسي الحبيب بن يحيى لواشنطن في الخريف الماضي، بعد مُـشاركته في الاجتماعات نصف السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة، دُفعة للمفاوضات.

دور حــاســـم

من جهة أخرى، لعب دبلوماسيون ليبيون، وفي مقدمتهم السفير الليبي لدى إيطاليا عبد العاطي العبيدي، والسفير لدى بريطانيا محمد بلقاسم الزوي دورا رئيسيا في الجولة الأولى من المفاوضات مع الأمريكيين التي تمّـت في سبتمبر الماضي.

وكان العبيدي الذي رأس الدبلوماسية الليبية في الثمانينيات من القرن الماضي عمِـل بعد ذلك سفيرا في تونس أكثر من عشر أعوام، وقاد من هناك الاتصالات الأولى مع العواصم الغربية لتسوية قضية لوكربي. أما الزوي، الذي كان وزيرا للعدل والأمن العام، فقاد مسار التطبيع مع بريطانيا، والذي تُـوّج بمعاودة العلاقات الثنائية قبل ثلاث سنوات من الآن.

وعاد التونسيون للِـعب دور حاسم في المفاوضات الأمريكية الليبية في شهري نوفمبر وديسمبر الأخيرين لدى زيارة كل من مساعد وزير الخارجية الأمريكي وليام بيرنز لتونس، ثم الوزير باول نفسه في مطلع الشهر الماضي.

وقال مصدر تونسي لسويس انفو إن سير المفاوضات بين طرابلس وواشنطن استأثر بقسم مُـهِـم من محادثات المسؤولين الأمريكيين مع الرئيس التونسي زين العابدين بن علي، ووزير خارجيته بن يحيى، مما مهّـد للجولة الثانية من المفاوضات التي كشف الأمريكيون أنها تمّـت في ديسمبر الماضي، والتي شملت زيارة خبراء أمريكيين للمواقع النووية، ومصانع الأسلحة الجرثومية وقواعد صواريخ سكاد - بي طويلة المدى في ليبيا.

خـطـوات باتجاه التطبيــع

على صعيد آخر، كشف مصدر ليبي لسويس انفو عن وجود وساطة مصرية بين ليبيا والولايات المتحدة، استهدفت تليين موقف طرابلس من إسرائيل، والذي اعتبره الأمريكيون شرطا لتطبيع العلاقات الثنائية.

وأوضح المصدر أن ليبيا أطلقت إشارات حُـسن نوايا تُـجاه الدولة العبرية منذ أفهمها الغربيون أن التطبيع مع الإسرائيليين ممَـر إجباري للسماح لها بالعودة إلى المجتمع الدولي.

وأكّـد عضو في اللجنة المركزية لحركة فتح، رفَـض الكشف عن هويته، أن لقاءين بين مسؤولين ليبيين وإسرائيليين، لم يذكر أسماءهم، تمّـا في جزيرة جربة التونسية عام 1994 برعاية أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية السيد محمود عباس.

كما استهدف اللقاءان بحث خطوات التطبيع الممكنة في سياق المبادرات التي اتخذتها عواصم عربية، من بينها تونس، والرباط، ونواكشوط، والدوحة، ومسقط في هذا الاتجاه، بعد التوقيع على اتفاقيات أوسلو – واشنطن، لكنهما لم يثمرا بسبب تباعد المواقف. وأظهر ذلك الفشل أن السّـير على طريق التطبيع مع أمريكا تمهيدا لرفع العقوبات الدولية على ليبيا، مازال مؤجّـلا.

وتُـشير معلومات مُـتقاطعة أن التونسيين ساعدوا في إحياء تلك الاتصالات في الفترة الأخيرة، اعتمادا على العلاقات التي تجمع مسؤولين تونسيين مع كل من وزير الخارجية الإسرائيلي شالوم كوهين، والسفير الإسرائيلي لدى فرنسا نسيم زفيلي، المنحدرين من أصول تونسية.

ويُـذكر أن الحبيب بن يحيى أجرى محادثات مع شالوم في سبتمبر الماضي على هامش مشاركتهما في مداولات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، ويُـرجّـح أن موضوع التقارب الليبي – الإسرائيلي كان ضمن المسائل التي بحثاها.

وساطة أخرى مع فرنسا

غير أن الدور التونسي لم يقتصر على "تليين" الموقف الليبي من أسلحة الدمار الشامل، والذي توج بإعلان طرابلس في 19 ديسمبر الماضي، التزامها بالتخلّـص من العناصر والمُـكوّنات الخاصة ببرامج الأسلحة النووية، ومخزون الأسلحة الكيماوية والصواريخ التي يَـزيد مداها عن 300 كيلومتر، وإنما امتَـد أيضا إلى الملف الفرنسي – الليبي.

وأكّـد مصدر مُـطّـلع لسويس انفو أن التونسيين استثمروا علاقاتهم الجيدة مع باريس منذ ابتعاد الاشتراكيين عن سـدّة الحكم للوساطة بين فرنسا وليبيا لإيجاد تسوية لملف طائرة "يوتا" الفرنسية التي تفجّـرت فوق صحراء النيجر عام 1989 وأوقعت 170 قتيلا، من بينهم 54 فرنسيا.

وأوضح المصدر أن التونسيين مهّـدوا لجولات المفاوضات بين جمعية أسَـر الضحايا، ومؤسسة القذافي التي يرأسها نجل العقيد، سيف الإسلام معمر القذافي. وعندما تعطّـلت المفاوضات بسبب الخلاف على تقدير قيمة التعويضات، حرِص الرئيس التونسي زين العابدين بن علي على جمع الرئيسين الليبي والفرنسي على هامش مُـشاركتهما في قمة 5+5 في مطلع ديسمبر الماضي في تونس، ممّـا عبد الطريق لاستئناف المفاوضات التي أسفرت عن الوصول إلى الاتفاق النهائي الذي أُعلِـن عنه يوم الجمعة 9 يناير 2004.

رســـالـــة

لكن مصادر عليمة أكّـدت أن المغرب لعب أيضا دورا مماثلا، وإن بدرجة أقَـل، في تسهيل المفاوضات الفرنسية - الليبية. وأفادت هذه المصادر أن الليبيين طلبوا من العاهل المغربي الملك محمد السادس التوسّـط لدى شيراك استنادا للعلاقات الحميمة التي تربط بينهما لكسر "التشدد" الذي أبداه المفاوضون الفرنسيون، والذين اشترطوا منح ضحايا طائرة "يوتا" تعويضات قريبة من تلك التي حصُـل عليها ضحايا "لوكربي".

وإجمالا، اعتبر دبلوماسي أمريكي أن النتائج التي حصدتها إدارة الرئيس بوش من استخدام وسائل الضغط الدبلوماسي مع ليبيا، ما كانت لتكون بهذا المستوى لولا الدور الذي لعبته البلدان التي تحتفظ بعلاقات جيدة مع الجانبين، وهي مصر، والمغرب، وخصوصا تونس.

وأشار الدبلوماسي إلى أن مسؤولا في البيت الأبيض، لم يكشف عن اسمه، صرّح للصحفيين يوم 22 ديسمبر الماضي أن الولايات المتحدة "تشاورت مع حلفائها بشأن كل خطوة من الخطوات التي تحقّـقت مع ليبيا"، واعتبرها "رسالة موجّـهة إلى الأنظمة التي تسعى للحصول على أسلحة الدمار الشامل أو تملكها"، مفادها أنها لا تخدم أمنها، وإنما "تجلُـب لها العزلة والعواقب الوخيمة".

رشيد خشانة - تونس

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة