Navigation

الشراكة الأوروبية المتوسطية: إلى أين؟

الشراكة ندوات وخطب ولقاءات.. لكنها على أرض الواقع بعيدة عما يتطلع إليه سكان بلدان جنوب المتوسط Keystone

تمر يوم 28 نوفمبر الذكرى السابعة لمؤتمر برشلونة، الذي جمع الدول الـ 15 في الاتحاد الأوروبي و12 شريكا من دول الحوض الجنوبي للبحر الأبيض المتوسط.

هذا المحتوى تم نشره يوم 28 نوفمبر 2002 - 10:00 يوليو,

وقد أفرز هذا المؤتمر اتفاقية سُميّت بالشراكة الأوروبية المتوسطية، وهي عبارة عن اتفاقيات ثنائية بدأها الاتحاد مع تونس وشملت الدول المتوسطية الأخرى.

يعتبر الاتحاد الأوروبي جنوب وشرق البحر الأبيض المتوسط ومنطقة الشرق الأوسط والخليج، مناطق ذات أهمية استراتيجية حيوية بالنسبة له. وقد وصفها المجلس الأوروبي والمفوضية الأوروبية بأنها مناطق تمثل العلاقات معها أولوية قصوى بالنسبة للاتحاد.

وتحكم هذه العلاقة، الشراكة الأوروبية المتوسطية التي أقرها مؤتمر برشلونة عام 1995 بين الدول الـ 15 العضوة في الاتحاد و12 بلدا متوسطيا. كما شرع الاتحاد الأوروبي بعد مؤتمر برشلونة في مفاوضات شراكة مع دول مجلس التعاون الخليجي، التي تختلف خصوصيات علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي عن الدول المتوسطية.

لكن، وبعد مرور 7 سنوات على اتفاقية برشلونة (27 و28 نوفمبر 1995)، فإن ما تم تحقيقه من إنجازات بين ضفتي المتوسط يظل متواضعا، وربما هزيلا في بعض المجالات ولا يسمو إلى ما تضمنته اتفاقية الشراكة من طموح.

فعلى الرغم من توقيع الاتحاد الأوروبي اتفاقيات شراكة مع بلدان عديدة مثل تونس والمغرب والجزائر ومصر ولبنان والأراضي الفلسطينية...، فإن الانطباع الذي تركته هذه الاتفاقيات هو أن الاتحاد الأوروبي قدّم من خلالها مساعدات لهذه البلدان على تأهيل اقتصادها ومنشآتها، كي تكون قادرة على مواجهة المنافسة بعد رفع الحدود والقيود الجمركية في التواريخ المنصوص عليها في الاتفاقية مع كل بلد.

أما على الصعيد السياسي، فإن مسار برشلونة لم يُنجز شيئا يُذكر، لا في مساعدة الطرفين العربي والإسرائيلي على الاقتراب من السلام، ولا في دفع الدول المتوسطية على تعزيز الديموقراطية والحريات وحقوق الإنسان ودولة القانون والشفافية، وهي قيّم واردة في مسار برشلونة. لا بل يُمكن القول إن الأوضاع السياسية في بلدان جنوب المتوسط العربية قد زادت سوءا وتردّيا، ولم تستفد مما تضمنته الشراكة الأوروبية المتوسطية.

الحصيلة المُزرية

فقد كشف التقرير الذي أعدته الأمم المتحدة بالتعاون مع جامعة الدول العربية، حول التنمية البشرية في العالم العربي، وصدر في منتصف العام الجاري، حقائق مفجعة في نظر الكثير من العرب والخبراء الأوروبيين في الشؤون العربية.

ويعد التقرير أول مسح للواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي في المنطقة العربية من المحيط إلى الخليج. وقد تضمن إحصائيات مخيفة، مثل أن نحو 50 مليون امرأة (عدد سكان العالم العربي حوالي 300 مليون نسمة)، تعانين من الأمية، وأن ملايين الأطفال لا يزالون محرومين من التعليم، وأن 0،16% فقط من العرب بإمكانهم استخدام تكنولوجيا الإنترنت.

ولو كانت هذه الحقائق تتعلق بالبلدان الفقيرة تقليدا في إفريقيا وآسيا، لأثارت نوعا من الشفقة، لكنها تثير في شأن العالم العربي الاستغراب، وربما نوعا من الاحتقار للواقع المزري الذي يعيشه المواطن العربي على مدى العقود.

لا شك أن المجتمعات العربية تشهد ديناميكية اقتصادية تتركز حول تصدير المواد الخام، والمنتجات الزراعية، والمنتجات الصناعية نصف المحولة. ولا شك أيضا أن نسبة الفتيات في المدارس قد ارتفعت إلى معدلات مهمة في غالبية بلدان المنطقة العربية، وأن أجيال الشباب يستمعون ليلا نهارا لأغاني البوب والرّوك وآخر ما تنتجه صناعة الموسيقى الغربية. لكن التقرير يركز بشكل خاص في استنتاجاته على الضعف الفادح للديموقراطية،وللشفافية في الإدارة وعلى عدم المساواة بين الرجل والمرأة وضعف المعرفة.

ويجد العرب أنفسهم يعانون في مطلع القرن الحادي والعشرين من واقع سياسي جامد صقلته عقود الحرب الباردة، لكنه لم يزل مع زوالها. وينفرد العرب بالحرمان من فوائد السلام الذي حل بين المعسكرين الغربي والشرقي السابق، وموجات تحرير المبادلات وتكنولوجيا المعلومات. ولا شك أن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية قد أهدر فرص التغيير، ودفع الأنظمة العربية إلى استنزاف مواردها في التسلح وتأجيل أولويات التنمية.

وباستثناء حالات قليلة في المغرب، أو كما حدث أخيرا في البحرين، فإن الانتخابات العامة في البلدان العربية، تكون غالبا تدريبا (بروفه) يجدد فيه الحزب الحاكم شروط هيمنته الطولية على الحياة السياسية. ولعل النظام العربي سينفرد دون غيره في العالم بمفهوم جديد هو، "الجمهوريات الوراثية"، التي ابتدعها مع خلافة الرئيس السوري والده حافظ الأسد. ويتردد أن كلا من الرئيس العراقي، والرئيس المصري، والرئيس اليمني، والزعيم الليبي، يهيئ، كل على طريقته، نجله لتولي الحكم خلفا له.

ماذا فعل الشركاء الأوروبيون؟

ولئن يطول شرح الأسباب الداخلية لجُمود الوضع السياسي العربي، فإن من المهم التساؤُل في نظر بعض المُفكرين والمراقبين العرب والأوروبيين عن مسؤوليات الشركاء الأوروبيين، وكذلك الولايات المتحدة، "راعية" النظام العالمي الجديد، في استمرار الاستبداد السياسي الذي يسود المنطقة العربية دون غيرها من مناطق العالم النامي، والتعامل معه بعدم اكتراث.

ويبدو صمت الاتحاد الأوروبي مريبا بشأن أوضاع حقوق الإنسان، ونقص الحريات في العالم العربي، وبشكل خاص في البلدان العربية المتوسطية التي انخرطت في مسيرة الشراكة ووقعت معه على اتفاقات اقتصادية وسياسية تشمل أيضا التزامات احترام حقوق الإنسان ومبادئ التعددية السياسية والثقافية.

ويقسو بعض المراقبين على رصيد خطة الشراكة الأوروبية المتوسطية منذ إطلاقها عام 1995 في برشلونة. وتبدو الفوائد الاقتصادية محدودة بالنسبة لبلدان الجنوب التي تواجه صعوبات متزايدة ناجمة عن إزالة الرسوم الجمركية أمام المنتجات الأوروبية، وما يترتب عن ذلك من تقييد موارد الخزانة العامة. كما أن الاستثمارات المباشرة الموعودة قد تأخرت وطال انتظارها، حيث يفضل الأوروبيون حاليا الاستثمار في بلدان وسط وشرق أوروبا، التي سيلتحق 10 منها عام 2004 بالاتحاد، وهي تتوفر على استقرار سياسي وديموقراطية حقيقية وشفافية في الأداء.

وعلى صعيد التنمية البشرية، فإن التعاون بين ممثلي المجتمع المدني في ضفتي البحر المتوسط بقي محدودا، بل إنه يتراجع في البلدان العربية التي تتذرع بمبررات الأمن، للحيلولة دون قيام تعاون بين المنظمات غير الحكومية يكون خارج رقابة الأجهزة الرسمية، وكثير ما يتم تجريم بعض المنظمات أو المفكرين الذين يحصلون على معونات مالية من الاتحاد الأوروبي.

تباين المصالح

وتقول مصادر دبلوماسية أوروبية، إن المفوضية لا يسعها التدخل بشكل حازم للتنبيه من عواقب انتهاك حقوق الإنسان في الجنوب لأنها، أي المفوضية، تحتاج إلى إجماع البلدان الأوروبية من حولها قبل القيام بأية مبادرة زجرية تجاه شركائها المتلكـّئـين.

وتتحرك البلدان الأوروبية، وبشكل خاص القوى الاستعمارية السابقة وفق مصالحها الاقتصادية والثقافية الموروثة في مستعمراتها السابقة. فلا تقبل فرنسا أو إسبانيا وإيطاليا، أن تمارس المفوضية ضغوطا على بلدان شمال إفريقيا، حول أوضاع حقوق الإنسان التي قد لا تعني ألمانيا وبريطانيا، فيما يظل الأمر حساسا لدى حكومات أوروبا الشمالية لانعدام علاقات تاريخية تربطها بالمنطقة العربية.

وانعدام تدخل أوروبا للدفاع عن حقوق الإنسان في شمال إفريقيا، لا يوانيه سوى انعدام تأثيرها على الأوضاع المأساوية التي يعيشها المواطن الفلسطيني تحت الاحتلال الإسرائيلي، لكن هذا الأمر يعود أيضا إلى ضعف السياسة الخارجية الأوروبية الموحدة، وعدم جرأة الاتحاد الأوروبي في التعامل مع النزاعات الإقليمية.

وتختلف رؤى المثقفين والمسؤولين حول الموقف الذي يفترض أن تلتزمه أوروبا في المرحلة المقبلة، خاصة بعد الحقائق المفجعة التي كشفها تقرير الأمم المتحدة، والنوايا التي كشفت عنها وزارة الخارجية الأمريكية واهتمامها بإحداث تغيير سياسي في المنطقة العربية.

ويرى مدير صحيفة "الحياة" اللندنية، عبد الوهاب بدرخان، أن المثقف العربي "لا يثق في نوايا وأهداف السياسة الأمريكية، لكنه يتطلع لأن تتحرك أوروبا من أجل دعم المثقفين والمفكرين العرب"، من خلال برامج الشراكة الأوروبية المتوسطية، وبرامج التعاون بين هيئات المجتمع المدني. ولا يتردد المثقفون في الرد على اتهامات بعض الحكومات العربية بتخوين بعضهم. ويقول المثقفون إن الحكومات العربية نفسها تمد يدها للتعاون مع الاتحاد الأوروبي في مختلف المجالات السياسة والأمنية والاقتصادية.

ويخشى المسؤولون الأوروبيون من ردود فعل العواصم العربية، ويرغبون تفادي اتهامات بمحاولة التدخل أو فرض وصاية من نوع جديد على المنطقة العربية، لكنهم يعترفون بان استمرار جمود الوضع السياسي في المنطقة العربية هو أحد أسباب تنامي التطرف والتزمت، وقد يؤدي في مرحلة ما إلى انفجار المنطقة.

وتعكف الدوائر المتخصصة في بروكسل على دراسة توصيات تقرير الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية حول التنمية البشرية في العالم العربي. ولا يُستبعد أن تنتهي الدراسة إلى إقرار مبدأ توزيع المعونات الأوروبية، بعد مراجعتها عام 2004، بشكل متفاوت بين دول جنوب المتوسط، وذلك وفق مؤشرات تحسن الأوضاع السياسية والاجتماعية والبشرية.

نور الدين الفريضي - بروكسل

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.