تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

الصومال: ومن ضدّها تولــدُ الأشياء

شيخ شريف شيخ أحمد، رئيس المحاكم الإسلامية في الصومال يتحادث مع عبد الله مبارك، سفير جامعة الدول العربية إلى الصومال في مقديشو يوم 21 يونيو 2006

(swissinfo.ch)

وفقا للمنطق الهيجلي، فإن الأمور تولد من أضدادها. فالنظام يأتي بعد فوضى، والفوضى كذلك تولَـد من نظام. ومن بين الحالتين، تبدأ التفاعلات بسيطة ومحدودة لتنتشر وتفرض نفسها كظاهرة أولا، ثم كحالة دائمة ثانيا.

وما يجري في الصومال يؤكّـد كل هذا، ففوضى استمرت عقدا ونصف لابد لها من نهاية، ونظام جديد لابد أن يفرض نفسه بعضا من الزمن على الأقل.

وفقا للمنطق الهيجلي، فإن الأمور تولد من أضدادها. فالنظام يأتي بعد فوضى، والفوضى كذلك تولَـد من نظام.

ومن بين الحالتين، تبدأ التفاعلات بسيطة ومحدودة لتنتشر وتفرض نفسها كظاهرة أولا، ثم كحالة دائمة ثانيا.

وما يجري في الصومال يؤكّـد المنطق الهيجلي، ففوضى استمرت عقدا ونصف لابد لها من نهاية، ونظام جديد لابد أن يفرض نفسه بعضا من الزمن على الأقل.

حين تغيب الدولة

حين غابت شمس الدولة الصومالية عام 1990، التي أسسها الديكتاتور سياد برى، لم يتوقع كثيرون أن تدب الفوضى وتنتشر الحرب وتغيب الضوابط، ويولد بين يوم وآخر عدد من أمراء الحرب والخراب يسودون على مناطق بعينها، وفقا لخفلياتهم القبلية، وهو توقع كذّبته وقائع الصومال فى الأعوام الستة عشرة الماضية، والتي، بالرغم من تدخلات عدة، عربية وأثيوبية وكينية وإفريقية، بعضها حميد وأغلبه خبيث، لم يتحرك عقرب الساعة ناحية الاستقرار والثبات، بل ظل على تعثره.

وما تجربة الحكومة الانتقالية التي تشكلت في أكتوبر 2004، برعاية كينية خاصة، وإفريقية عامة، ومشاركة عربية أعلى قليلا من رمزية، إلا شاهد على محدودية نفوذ الخارج على أوضاع الصومال المتداخلة بين وشائج القبيلة وتأثير الدين الإسلامي، وسطوة أمراء الحرب، لاسيما في العاصمة، رغم كونهم وزراء في الحكومة، وتطلع الناس البسيطة إلى من يحميهم ويعيد لهم حقوقهم ويحترم كينونتهم.

المفارقة الأكبر.. الحكومة ضد نفسها

كانت المفارقة الأكبر أن أربعة من كبار وزراء الحكومة الانتقالية، هم الذين منعوا الحكومة من أن تطبق برنامجها في جمع السلاح وبناء قوات شرطة مركزية ونواة لقوات جيش، وبناء مؤسسات الحكم وفقا للدستور الذي تم التوصل إليه فعلا.

وتبدو غرابة المفارقة وحدّتها معا، حين نعرف أن أمراء الحرب هؤلاء كانوا وزراء يمسكون بعدد من وزارات العصب السياسي والأمني في الحكومة. فمحمد قانيري أفرح، وهو الأقوى، كان وزيرا للأمن القومي، وموسى سودي يلحو، كان وزيرا للتجارة، وعمر محمود فينيش، كان وزيرا للشؤون الدينية، وبوتان عيسى، كان وزيرا لتسريح الميليشيات وإعادة تأهليها.

وجميع هؤلاء شكّـلوا معا ما سُـمي بـ "تحالف السلام ومكافحة الإرهاب" بمساعدة أمريكية بارزة، وفقا لما يُـعرف بالحرب على الإرهاب الدولي، وهو تحالف لم يكن بعلم الحكومة ولا بمشاركتها، وإنما غصبا عنها. وحين فشل هذا التحالف وانهار عسكريا على يد المحاكم الشرعية، اتضح لواشنطن أن خياراتها الصومالية ليست موفقة دائما، وغالبا ما تقع فريسة للنصب السياسي.

المحاكم الشرعية تسد الفراغ

كانت طبيعة هذه المفارقة بكل ملابساتها تعني أن مصالح الأشخاص الأقوياء ونفوذهم وسطوتهم على عباد الله، لها الأولوية على صالح الوطن والجماعة، ولم يكن ذلك إلا امتدادا لحال الفوضى التي استمرت أكثر من عقد سابق، دون أن تجد من يقف أمامها.

الأمر أيضا تضمّـن حقيقة أن الصومال تعيش في فراغ قانوني وأمني لا سقف له، وهي حقيقة لم تعد تُـناسب طبيعة العصر ولا حاجات الصوماليين أنفسهم، والذين وجدوا البديل في سلوك المحاكم الإسلامية، التي بدأت كنظام تشريعي قانوني بسيط ومباشر، يُـقر الحقوق ويضبط الانفلات الأمني، ويحدّ من نفوذ الأقوياء ويرفع من شأن حاجة الضعفاء إلى الأمن والحماية من قبل من ينوب عن المجتمع ككل.

كان رجال الدين والتجّـار الباحثون عن حد أدنى من الانضباط القائم على تطبيق الشريعة، كنظام قانوني ديني لا خلاف عليه بين جموع الصوماليين، هو الوقود الذي شكّـل لاحقا ظاهرة المحاكم الإسلامية.

فرجال الدين بنفوذهم المعنوي والروحي شكّـلوا عماد النظام التشريعي، أما رجال الأعمال، فشكلوا مصدر الذراع المادي الذي يعيّـن رجال الدين على تطبيق أحكامهم، ومتمثلا في تنظيم المقاتلين وتدريبهم وإمدادهم بالسلاح، مع ضبط وظيفتهم في الالتزام بما تقره المحاكم من حقوق وواجبات.

نجاح ثم انتشار

مع نجاح التجربة في مناطق محدودة، ثم انتشارها في ربوع العاصمة، ثم اتحادها معا، تشكّـلت في الواقع قوة أمر واقع تستند إلى دعامتين: الأولى، دينية معنوية لا مراجعة لها من قبل عموم الصوماليين. والثانية، قوة مادية متمثلة في رجال وسلاح يأتمرون بأمر القضاة الشرعيين.

وكأي جديد يعمل على الامتداد في الفراغ الموجود بالفعل في الصومال، بدأت حالة الزحف لوقف سطوة أمراء الحرب في العاصمة، ثم ما حولها ثم في اتجاه الشمال والغرب وغير ذلك من مواقع مختلفة.

الامتداد والانتشار يمثل المرحلة الثانية، ولكنه لن يكون يسيرا كمرحلة النشأة الأولى وتأسيس النفوذ. فمجرد وجود وصف الإسلامية يثير لدى قوى عديدة في داخل الصومال الممزّق وحوله هواجس وقلق، كما أن المستفيدين الإقليميين من حال الفوضى الصومالية، والذين يرون أن كل ما هو إسلامي يمثل خصما من نفوذهم ومصالحهم، لن يتركوا الأمور على سيرورتها الذاتية، لاسيما وأن الحكومة الانتقالية هي في جزء منها مستهدف، وفي جزء آخر هي امتداد لنفوذ إقليمي، لاسيما إثيوبي وكيني، وهذا بدوره ليس مصدر فخر لكثير من الصوماليين، بل مصدر للرفض والغضب.

شروط وشروط مضادة

تؤسس الصورة على هذا النحو لمجابهة قوامها الاختلاف على بعض من أصول الأشياء الجارية، وهو ما رأينا مقدماته في الشروط والشروط المضادة التي وضعها الطرفان للحوار.

فالحكومة الانتقالية تريد الاعتراف بها، وتريد أن تنزع المحاكم أسلحة أفرادها، وتريد أيضا أن تتوقف المحاكم عن الامتداد إلى مناطق أخرى، لاسيما العاصمة المؤقتة بيداوه، في أقصى جنوب غرب، وأخيرا أن تدخل الحكومة الانتقالية العاصمة مقديشو دون جدل، بل بترحاب كبير، فضلا عن أن تقبل المحاكم قرار البرلمان الانتقالي دعوة قوات إفريقية للبلاد للمساعدة في بناء مؤسساتها واستعادة الدولة من جديد.

بداية لم يكن للمحاكم شروط محدّدة، فالحوار كان دعوة منها، بيد أن الشروط التي وضعها الرئيس عبد الله يوسف، دفعت بدورها أن يكون للمحاكم شروطها، وأهمهما اثنان: رفض قرار البرلمان بدعوة قوات إفريقية، والثاني أن يكون هناك حوار بلا شروط من أي نوع.

والشرطان معا، يعنيان أن المحاكم تريد بدورها أن تعترف الحكومة الانتقالية بها كقوة أمر واقع، ولها حساباتها المختلفة التي يجب أن تؤخذ في الاعتبار عند تقرير الخطوات التالية لمصير الصومال.

احتمالان متساويان

ربما جاز القول هنا أن إطلاق الشروط والشروط المضادة، هو جزء من مقدمات حوار يطلب من يرعاه أو هو مقدمات لطلاق بين الطرفين، ومن ثم مدخل لمواجهة مسلحة، والأمران متساويان في الاحتمالات، خاصة عند وجود أطراف إقليمية ذات مصلحة واضحة، كإثيوبيا، تدفع إلى المجابهة، وهي التي لها دلالها على الحكومة الانتقالية، لاسيما رئيسها الذي يرى في أديس أبابا حليفا قويا. لذا، فإن شائعات دخول قوات أثيوبية إلى الأراضى الصومالية، تبدو صحيحة، لاسيما في ضوء تحذير الولايات المتحدة لأديس أبابا بعدم تخطي الحدود الصومالية.

أما احتمال استكمال الحوار، فيبدو أيضا مؤهلا للنجاح، لاسيما بعد أن دخلت السودان نيابة عن القمة العربية والجامعة العربية على خط الحوار الصومالي، وهي الخطوة التي اعتبرتها المحاكم جيدة، وفرصة من أجل أمن واستقرار البلاد، في الوقت نفسه الذي رأت فيه أن أية رعاية غير عربية لا ضرورة لها.

وتبدو الحكومة الانتقالية في وضع حرج، فهي عضو في الجامعة، وإن رفضت التجاوب الجدي مع مسعى الجامعة، فسيكون ذلك دليلا دامغا على أنها ليست في وارد الحفاظ على دورها، عربيا على الأقل، وإن هي دخلت في الحوار، فلا بد لها من أن تتعامل مع حقيقة أن المحاكم قوة على الأرض، ولها مطالبها التي يجب أن تؤخذ في الاعتبار.

وإن كان من المبكّـر جدا الحكم على مسار الدور العربي في الأزمة الصومالية، فمن اليقين أن تدخلات إفريقية لن تعدم الوسيلة للتأثير على مُـجريات الأحداث هناك.

وفي الأحوال كلها، فقد عاد الصومال إلى الأضواء مرة أخرى، أو بالأحرى أعادت المحاكم الإسلامية الصومال إلى واجهة الأحداث، لعل ذلك يكون بداية بناء الدولة الوطنية مرة أخرى.

د. حسن أبوطالب - القاهرة


وصلات

Neuer Inhalt

Horizontal Line


subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

swissinfo en arabic en Facebook

دعوة للإشتراك في صفحتنا بالعربية على فايسبوك

تفضّلوا بالإنضمام إلى صفحتنا العربية على فايسبوك

×