تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

العراق والمُواجهة القادمة

(swissinfo.ch)

لم يعد الأمريكيون يطرحون السؤال الشيكسبيري أن تكون الحرب على العراق أو لا تكون، بل انهم يلمحون بوتيرة متصاعدة إلى أن السؤال أصبح: متى؟ وكيف تكون؟

إذا كان الرئيس الامريكي جورج بوش يلعب دور الشرطي الشرير ويتخذ مواقف متشددة، فإن وزير خارجيته كولين باول يرتدي احيانا بزة الشرطي الطيب ويبدي شيئا من المرونة مشيرا إلى أن القرار النهائي لم يتخذ بعد.

والأغلب أن ما يبدو تناقضا ليس سوى توزيع ادوار، إذ يجمع المحللون على أن البراكين السياسية التي انطلقت بعد الحادي عشر من سبتمبر – أيلول اكتسبت مفاهيم عديدة ومنها الحظر المفروض سابقا على تغيير حكومات أو استخدام القوة ضد دول دون غطاء يوفره ميثاق الامم المتحدة.

الراجح الآن أن واشنطن توصلت إلى استنتاج استراتيجي بأن تبديل نظام الحكم في العراق صار مطلبا أمريكيا، يحتاج إلى آليات لتنفيذ قرارها، وتريد أن تطمئن إلى البديل القادم الذي سيحكم العراق.

في هذا السياق فإن الحديث عن عمل عسكري ضد العراق لا يعني أن الضربات ستبدأ غدا، بل نوع من التهيئة النفسية وجس نبض الفرقاء الدوليين، ريثما تكتمل الاستعدادات العسكرية والديبلوماسية، ولتوفير ذريعة ما للعمل العسكري تحدثت الولايات المتحدة عن تورط بغداد في دعم الإرهاب، إلا أنها لم تتمكن حتى الآن من توفير أي براهين تدعم أقوالها.

ولذا فإن المراقبين يتوقعون أن تركز ديبلوماسية واشنطن على قضية أسلحة الدمار الشامل التي يزعم أن العراق ما برح يمتلكها، ولذا فهو يرفض عودة المفتشين الدوليين المكلفين باعداد تقارير عن خلو الاراضي العراقية منها.

الرفض العراقي ونصائح الأصدقاء

والعراقيون بدورهم يبررون رفضهم بعدة أسباب منها أن لجان التفتيش السابقة دمرت زهاء سبعة وتسعين في المائة من الاسلحة الممنوعة وعملت لأكثر من سبع سنوات بحثا عن البقية إلا أنها لم تتمكن من اثبات وجود أي منها.

فبغداد تؤكد أن عمليات التفتيش لم تكن سوى عمليات تجسس لحساب الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وإسرائيل، وإلى ذلك كله فان العراقيين يرون أن الهدف النهائي هو إسقاط النظام الحاكم، لذا يبقى ملف الأسلحة في المربع الذرائعي.

إلا أن دولا عربية وأجنبية صديقة لبغداد تنصح الحكومة العراقية بالمرونة وتدعوها إلى إسقاط ورقة مهمة من يد واشنطن، ولهذا فقد قدمت روسيا مقترحات تقضي بموافقة بغداد على عودة مفتشي الأسلحة على أن ترفع العقوبات المفروضة عليها خلال مدة زمنية محددة بعد تقديم تقرير يؤكد خلو العراق من أسلحة الدمار الشامل.

وجرت محاولات لاقناع نائب رئيس الوزراء العراقي طارق عزيز خلال زيارته الأخيرة إلى روسيا للقبول ما عرف بـ"السلة الروسية" إلا أنه رفض وغادر موسكو غاضبا احتجاجا على عدم ترتيب موعد له مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وبعد أيام أدلى نائب الرئيس العراقي طه ياسين رمضان بتصريحات إلى صحيفة روسية حمل فيه بشدة غير معهودة على الخارجية الروسية، واعتبر الاقتراح جزءا من اللعبة السياسية الدولية وحذر من أن العراق سيرفضه إذا وافق عليه مجلس الامن الدولي.

والأرجح أن مجلس الأمن سينظر فعلا في مجموعة من المقترحات البديلة التي تعد صيغة معدلة لما وصف بالعقوبات الذكية التي سبق وأن رفضتها موسكو ، وذلك من خلال اجتماع سيعقد بعد انتهاء الدورة الحالية لبرنامج النفط مقابل الغذاء في موفى مايو –آيار المقبل، والارجح أن المشروع الجديد سيحصل على موافقة جميع الاعضاء الدائمين وبالتالي يوفر غطاءا شرعيا لعمل عسكري ضد بغداد في حال رفضها لتنفيذ هذا المشروع الذي سيتحول إلى قرار.

ولذا فإن الخبراء يستبعدون أن يفكر الامريكيون في الشروع في هجوم قبل هذا التاريخ، اما بعد ذلك فأن عوامل عديده سوف تؤثر في تحديد الموعد بدءا من الغربة في تحاشي الخوف في عمليات حربية أثناء موسم الصيف وانتهاءا باحتمالات تفاقم الوضعية في أفغانستان وما حولها او على الحدود الهندية الباكستانية، وهو ما يمكن أن يرجئ النظر في الملف العراقي.

تكرار سيناريو افغانستان غير وارد

لكن التحضيرات الأمريكية مستمرة بالتأكيد، ويعتقد الخبراء أن استهداف العراق يمكن أن يتم بعدة أساليب من بينها القيام بعمليات خاصة ضد الرئيس صدام حسين وأركان حكومته، وبينها تنظيم هجوم بري من الجنوب أو من الأراضي التركية بالتحالف مع الأكراد، والمح مسؤول إسرائيلي إلى أن بلاده قد تساند الولايات المتحدة في تنظيم عمليات كوماندوز على غرار ما يحدث ضد الناشطين والقادة الفلسطينيين في الأراضي المحتلة.

إلا أن السيناريو الأفغاني من الصعب أن يتكرر في العراق، حيث لا توجد قوة مؤهلة لها دور "تحالف الشمال" فالأكراد لا يمكن أن يشاركوا في عمليات في وسط العراق وهم في كل الاحوال لن يهبطوا أكثر من خط كركوك – الموصل، ومن المستبعد أن يقوم في الجنوب تحالف بين الشيعة الذين تربطهم علاقات قوية مع ايران من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى، علاوة على أن تحركا في وسط العراق أي في بغداد وما حولها هو أمر مستبعد جدا.

وحتى إذا تفتقت أذهان الجنرالات الامريكيين عن خطط غير مسبوقة فأن العمل العسكري لن ينهي مشاكل واشنطن بل سيكون بداية لها، إذ أن ايجاد البديل سيكون مهمة أصعب من التغيير ذاته، فالولايات المتحدة لا تبدوا راغبة في أن تحكم العراق قيادة شيعية أو يسارية أو قومية عربية، بل أنها لا تريد أن تكون القيادة العراقية القادمة قوية إلى حد يمكنها من أن ترد في المستقبل الإملاءات الأمريكية.

من هذا المنطلق فإن تكرار التجربة الأفغانية وتنصيب "كارزاي عراقي" في بغداد يبدو مهمة في غاية الصعوبة والتعقيد، وإلى ذلك فإن العمل العسكري ضد العراق سوف تترتب عليه مضاعفات إقليمية ودولية متعددة، فالكثيرون من العرب سوف يتحدثون عن معايير مزدوجة أمريكية وعن استخدام القوة لاجبار العراق على تطبيق قرارات الأمم المتحدة من جهة، بينما هي تشجع اسرائيل على تجاهل مثل هذه القرارات من جهة اخرى.

ودول المنطقة تبحث عن حصتها

الدول الإقليمية المتنفذة ستطالب بحصتها في التغيير القادم وبالتالي فأنها يمكن أن تدخل في مزايدات أو حتى اشتباكات مع الأمريكيين فلا شك أن الإيرانيين يرفضون استبعادهم عن مخططات تمس مصير العراق، والأتراك من ناحيتهم لا يرغبون في ظهور تحالف قوي في شمال العراق وهم قد يطمعون في الوقت نفسه إلى تحقيق آمال تركية قديمة بالسيطرة على ولايتي الموصل وكركوك.

وعلى الصعيد الدولي، فان روسيا والاتحاد الاوربي اعلنا مرارا رفضهما استهداف العراق عسكريا ودعيا إلى حل سياسي للمشكلة، إلا أن نشوة الانتصار السريع والسهل نسبيا في افغانستان قد جعلت الولايات المتحدة تضرب عرض الحائط بآراء اصدقائها وحلفائها وهي تبدو مصممة على تصفية حسابات قديمة ورسم خريطة العالم بما يتفق مع التصور الامريكي للخير والشر.

جلال الماشطة - موسكو

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×