العنف العشوائي في مصر .. لماذا؟

الأمن المصري يضرب طوقا على مكان وقوع الهجوم الإرهابي الذي نفذته فتاتان على حافلة للسياح قرب المتحف المصري وسط القاهرة يوم 30 أبريل 2005 Keystone

أسئلة كثيرة تطرحها العمليات الإرهابية المحدودة الثلاث التي شهدتها القاهرة في أبريل الماضي بفاصل زمني لا يزيد عن عشرة أيام.

هذا المحتوى تم نشره يوم 10 مايو 2005 - 08:27 يوليو,

ومع أن البعض يتحدث عن فرضية مواجهة مصر لخطر موجة إرهاب عشوائية جديدة إلا أن التمعن في الظاهرة يؤدي إلى استنتاجات أخرى.

أسئلة كثيرة تطرحها العمليات الإرهابية المحدودة الثلاث التي شهدتها القاهرة في أبريل الماضي بفاصل زمني عشرة أيام وحسب، وخاصة بعد أن ثبت أن هناك جماعة محدودة وراء تلك العمليات الثلاث، وبما أنهى فرضية أن الحادث الأول الذي شهده حي الأزهر في 7 أبريل كان فرديا، وهي التي سادت على ألسنة مسؤولي الأمن في الأيام الأولى.

ومع حدوث العمليتين الأخيرتين في مكانين منفصلين، ولكن في وقت واحد تقريبا، ومشاركة عنصرين نسائيين لأول مرة بأسلوب انتحاري فريد، أطلت فرضية أن مصر تواجه خطر موجة إرهاب عشوائية جديدة.

هذه الفرضية خطيرة، لأن المعنى المقصود أن تلك الموجة الجديدة قد تضرب في أي وقت وفي أي مكان، والأخطر، أنه قد ينفذها أي شخص أو جماعة محدودة غير معروفين من قبل، ولا علاقة لهم بأي جماعات إسلامية كبيرة معروفة على الساحة المصرية، ولما كانت هذه الموجة نتاج جماعات صغيرة محدودة الإمكانيات، فإن قدرتها على ضرب النظام الحاكم ككل، تبدو مستبعدة، أما إقلاقه والتأثير عليه وإزعاجه والكشف عن عوراته، فتبدو هي الغالبة.

اجتهادات ثلاثة

هذه الفرضية على هذا النحو أثارت بدورها اجتهادات شتى حول دوافع نشوئها، والمدى الذي يمكن أن تصل إليه في المدى الزمني المنظور. وهنا تبلورت ثلاثة اجتهادات كبرى.

أولها، أن تلك الموجة نتاج حالة الفوضى الخلاقة التي تبشر بها الولايات المتحدة في المنطقة، ومن ثم، فهي مسؤولة عنها، حسب تعبير أحد الباحثين المختصين في شؤون الجماعات الإسلامية، وأن هؤلاء الذين قاموا بهذه العمليات تأثروا بما يجري في فلسطين والعراق، ووجدوا أنفسهم مدفوعين للتعبير عن غضبهم وثورتهم بمثل هذه الأعمال، ولما كان عدد الغاضبين والرافضين لما يجري في الإقليم المحيط في تزايد مستمر، فإن هذه الموجة مرشحة للتزايد.

الاجتهاد الثاني ربط هذه الموجة بحالة فكرية عقيدية بالأساس، خاصة انتشار الأفكار الأصولية عبر الشبكة الدولية للمعلومات، وأعتبر منفذي هذه العمليات بأنهم ضحايا القاعدة وإيديولوجيتها الفاسدة والمتناقضة مع روح وجوهر الدين الإسلامي، واعتمد هؤلاء على أن منفذ حادثة الأزهر الأولى كان من المتابعين للإنترنت، ووجدت على حاسبه الشخصي معلومات مستقاة من مواقع أصولية وجهادية تعكس فكر القاعدة.

الاجتهاد الثالث، انتهى إلى أن هناك من يريد الشر لمصر، وأن أيادي خارجية هي التي حركت هؤلاء بهدف ضرب الاستقرار في البلاد، وثمة إشارات رسمية قيلت، ولكن على استحياء، حول تورط جهة خليجية في تمويل هذا التنظيم، ولكن لم تُـنشر أي معلومات مؤكدة تثبت هذه المقولة.

نظرة للداخل

الاجتهادات الثلاث على هذا النحو نظرت إلى العوامل الخارجية السياسية والفكرية والإقليمية، واعتبرتها الأساس في نشوء هذه الظاهرة. وبالرغم من أن كل منها يُصيب، ولو بنسبة محدودة في تفسير الظاهرة، فجميعها تعد قاصرة عن الإحاطة بما حدث بالفعل وما قد يحدث في المستقبل، لأنها ببساطة تنكر دور الداخل في تحول البعض إلى انتحاريين أو فاقدين الأمل في الغد، أو ناقمين على المجتمع، أو راغبين في إثارة فوضى بلا قدرة على التغيير الحقيقي في مجتمعهم، الذي بات لهم بمثابة سجن كبير.

البحث في دور الداخل، بمعنى مجمل الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تمر بها البلاد حاليا، والتي هي نتاج تراكمات العقود الثلاثة الماضية، ليس أمرا غريبا أو عصيا على الفهم، فلا يمكن لظاهرة معقدة بحجم الإرهاب المنظم أو العشوائي أن تكون فاقدة لجذورها الذاتية في المجتمع الذي نشأت في ظله.

فأعضاء هذه الجماعة، حسب التحقيقات الأولية وما تسرب من معلومات فحصت نشأتهم وظروف حياتهم، مرتبطون أسريا بدرجة ما، ويعيشون في واحدة من المناطق العشوائية المحيطة بالقاهرة الكبرى، والفقر المدقع هو السمة الغالبة عليهم، وبعضهم أصاب تعليما متوسطا ولكنه لا يعمل، والذين يعملون منهم، يعملون في أعمال لا علاقة لها بما تعلموه أو في أعمال غير مناسبة.

وقد ظهرت على بعضهم أعراض التطرف الديني منذ فترة، في حدود العام، ولكنهم منعزلون تماما عن البيئة المحيطة بهم، فلا الجيران يتعاملون معم إلا في الحدود الدنيا جدا، ولا إطّـلاع لهم على ما يجري في الدنيا. فالهاتف والتلفاز والصحف محرّمة، وفقا لقناعاتهم الدينية، وبالتالي، فلا مصدر لهم بما يجري في الخارج إلا ما يتناثر لهم من معرفة غير منضبطة.

والأهم من كل ذلك، أنهم لا علاقة لهم بالسياسة بمعناها العام، فلا هم قادرون على الانضمام إلى أحزاب مُـعلنة أو المشاركة في أنشطة أو عضوية جمعيات أهلية وغير حكومية، لعدم قناعتهم بجدوى هذه المؤسسات، أو لعجزهم عن الوصول إليها، كما أنهم غير مهتمين بما يجري أو يقال أو يتم الوعد به على صعيد إصلاح السياسة والاقتصاد.

عزلة مركبة

ومن مجمل الخصائص الاجتماعية وتداعياتها السياسية، يمكن القول أننا أمام جماعات أنتجتها حالة عُـزلة اجتماعية وسياسية وثقافية مركّـبة عن المجتمع بمستوييه، المباشر أي الحي الذي يعيشون فيه، والعام الأكبر، أي مصر بقدها وقديدها.

وبالتالي، فهي نتاج سياسات متراكمة ومتتالية لاستبعاد الناس من المشاركة السياسية، والنظر إليهم كموضوع وليس كفاعل له حق الحركة والتأثير والمشاركة، ونتيجة أيضا لتجاهل تحسين أوضاعهم والتمسك بمقولة أن الفقر ليس عيبا في حد ذاته، وأن العيش في مناطق فقيرة أو مهمّـشة لا يعني بالضرورة أن يخرج منها إرهابيون، رغم أن خبرة المواجهة مع الجماعات الإسلامية العنيفة الكبيرة في التسعينيات قد أثبتت علاقة مباشرة بين انتشار أنصار هذه الجماعات وبين معيشتهم على هامش المجتمع بكل المعاني.

وقد يقال هنا، أن الكثير من المصريين يعيشون بالفعل في مناطق عشوائية (حسب الإحصاءات الرسمية، هناك ما يقرُب من عشرين مليون مصري يعيشون في 1100 منطقة عشوائية في كل محافظات مصر)، وهم فقراء بدرجة أو بأخرى، والبعض منهم محروم من أي مصدر دخل، ومع ذلك، فهم ليسوا إرهابيين أو متطرفين أو معزولين عن المجتمع، وهذا صحيح إجمالا، لأن المقصود ليس كل من يعيش في هذه المناطق قد يتحوّل إلى إرهابي بصورة تلقائية، ولكن المقصود أن الكثير ممّـن يعانون في هذه البيئات المتواضعة ويفقدون الأمل في تحسّـن أحوالهم، يُـصبحون مشروعات لعناصر إرهابية بامتياز.

مستويان للعشوائية

وفقا لهذا المدخل السياسي - الاجتماعي، فإن الظاهرة الإرهابية العشوائية الجديدة لها مستويان.

أولهما، أنها وثيقة الصّـلة بالوضع السياسي العام القائم على التضييق على حركة الأحزاب والجمعيات الأهلية والمنظمات غير الحكومية، وبما يترك قطاعات كبيرة من المواطنين في مهب الريح. وكذلك، فهي وثيقة الصّـلة بالأحوال المعيشية المُـتدهورة لقطاعات متزايدة من الشعب المصري، ويكفي أن نذكر هنا أن بعض المصادر الدولية ترى أن نسبة من يعيشون تحت خط الفقر في مصر، باتوا يمثلون 40% من إجمالي عدد السكان (72 مليون نسمة)، أما المصادر الرسمية، فترى أنهم في حدود 20% وحسب.

أما المستوى الثاني، فيعنى بالعشوائية أن الإرهاب الجديد هو انتقائي ومبعثر، ويعكس تشرذم القائمين عليه، وتواضع خبراتهم التنظيمية والفكرية، وارتباطهم بأفكار متطرفة وسلفية وجهادية ذات بريق، دون أن يكون ذلك نتاج تعمق فقهي أو ديني، بل نتيجة ضحالة فكرية ودينية بالأساس.

وكلا المستويان يقولان أن الحل الأمني وحده ليس كافيا، فإذا كان الأمن قادر على كشف أبعاد جريمة إرهابية ما بعد وقوعها، لكنه وحده ليس بقادر على محاصرة كل جماعات الإرهاب العشوائي قبل تبلورها.

كما يعكس المستويان أن قادم الأيام قد يكون صعبا ما لم تكن هناك إستراتيجية مواجهة شاملة معلنة وشفافة، تبدأ بالإصلاح السياسي الحقيقي، وتنتهي بمحاصرة كل عوامل الفقر والحرمان ومواجهة الفساد.

د. حسن أبوطالب - القاهرة

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة