تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

الـــعـــام الأســـــوأ

يعتبر الفلسطينيون عام 2002 الأسوأ في تاريخهم منذ تقسيم فلسطين

(Keystone)

ليس ثمة نهاية لينفض الفلسطينيون عنهم غبار المعركة ولا حتى إشارة هدنة ليأخذ المقاومون استراحة المحارب.

فالحرب تدخل عاما جديدا مخلفة وراءها سجلا مخيفا من الدمار والانتهاكات

على مدار الاثني عشر شهرا الأخيرة، لم تهدأ آلة الحرب في المناطق الفلسطينية، بل زادت ضراوة من خلال الاجتياحات وإعادة الاحتلال التي دفعت المراقبين إلى وصف محنة الفلسطينيين الحالية بأنها الأصعب والأقسى منذ نكبة عام 48.

ولا تنحصر جردة حساب العام المنقضي في عدد القتلى الذي ارتفع إلى أكثر من 2000 ولا في عدد المنازل المهدمة، والبنى التحتية التي استحالت دمارا، بل تعداه ليشمل نسيج الحياة الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية الفلسطينية بأكمله.

حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي ارييل شارون التي وصلت إلى سدة الحكم حاملة شعار "القضاء على الانتفاضة وإعادة الأمن للإسرائيليين"، لم تتأخر في تحويل الأشهر الأولى من العام إلى حملة لحصار الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، وتصعيد مطاردة واغتيال النشطين في الضفة الغربية وقطاع غزة.

ولم تلبث الحملة أن فجّرت سلسلة من العمليات الانتحارية الفلسطينية، التي استهدفت المدنيين الإسرائيليين داخل الخط الأخضر، وشاركت فيها مجموعات من فتح إلى جانب حركتي حماس والجهاد الإسلاميتين. ولم تتردد حكومة شارون في إعادة احتلال وتدمير المدن الرئيسية في الضفة الغربية، لاسيما رام الله حيث مقر الرئيس الفلسطيني المحاصر.

إعادة الاحتلال

إعادة احتلال المدن الرئيسية التي امتدت على مراحل متفرقة ابتداء من نهاية شهر مارس وحتى بداية الصيف الماضي انتهت بسيطرة كاملة على الضفة الغربية لتمهد طريق الجيش الإسرائيلي أمام حملة اعتقال شملت كافة شرائح النشطين الفلسطينيين.

ولم تنته عملية الاعتقال عند حد، ولم تتوقف عند شريحة نشطي الانتفاضة، بل شملت أيضا اعتقال مئات من قادة المجتمع الفلسطيني المحلي، إضافة إلى مختلف عناصر القوى والحركات الوطنية والإسلامية.

ولعل اعتقال مروان البرغوثي، أمين سر حركة فتح في الضفة الغربية شكّـل إحدى أقوى الضربات التي سددها الجيش الإسرائيلي للمقاومة الفلسطينية. فباعتقال البرغوثي، تمكنت إسرائيل من إسكات المتحدث الرئيسي باسم الانتفاضة وأحد ابرز قادتها.

وباعتقال مجموعة من قادة حركة "كتائب شهداء الأقصى"، واغتيال عدد آخر منهم في مختلف أنحاء الضفة الغربية، تراجعت نوعية الهجمات المسلحة التي نفذتها هذه المجموعات ضد أهداف الجيش والمستوطنين داخل المناطق المحتلة.

أمام هذا التراجع، ومع مواصلة سياسة الاغتيالات والاعتقالات التي شملت معظم قادة وكوادر الحركات الإسلامية أيضا، تقدمت العمليات الانتحارية التي تنفذها حركتا حماس والجهاد، وراحت إسرائيل تُـضَـيّـق الخناق أكثر فأكثر على الرئيس الفلسطيني، وأركان قيادته.

وترافق تضييق الحصار على الرئيس الفلسطيني في الميدان، لاسيما إثر تدمير المقاطعة حيث مقره في رام الله، وتدمير مقرات الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية، مع حملة الضغوط التي قادتها إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش للإطاحة بعرفات وقيادته، ودعوة الشعب الفلسطيني إلى انتخاب قيادة بديلة.

ما تبقى لكم

ومع حلول الخريف الماضي، كانت الحملة المناهضة لقيادة عرفات قد بلغت ذِروَتها وأخذت تداعياتها تظهر داخل أركان القيادة الفلسطينية، لاسيما في أوساط نخبة حركة فتح مع ظهور دعوات داخلية راحت تُروج للنظر في مرحلة ما بعد عرفات.

وفي حين لم تنجح حملة الضغوط الداخلية والخارجية في إسقاط عرفات، فإنها استطاعت أن تترك شرخا داخليا، وقيادة منقسمة على نفسها إزاء تقييم تجربة الانتفاضة، وسؤال الاستمرار فيها أو التوقف.

وأصبح على الرئيس الفلسطيني المحاصر في مقره المدمر في رام الله أن يحارب على أكثر من جبهة: مقاومة الحصار الإسرائيلي، والضغوط الأمريكية والدولية، ومواجهة الانتقادات المتزايدة داخل حركة فتح، إضافة إلى الصعود الكبير الذي حققته حركة حماس المعارضة.

لكن الجبهة الداخلية ظلت مصدر القلق الأكبر. فإعادة الاحتلال الإسرائيلي لجميع مدن الضفة الغربية، وتضييق الخناق على قطاع غزة، لم تترك أثرا ولا رمزا من رموز السيادة الفلسطينية إلا ودمرته، ولم تبق لسلطة عرفات من هذه الرموز سوى تحويلات رواتب الموظفين وإدارة عجلة الاقتصاد الهش في الأراضي المحتلة.

في المقابل، صعّدت الإدارة الأمريكية ومعها المجموعة الدولية من ضغوطها على عرفات وواصلت عزله، لكنها أيضا واصلت الاتصال بمجموعة من المقربين منه في مستوى محمود عباس أبو مازن، الرجل الثاني في منظمة التحرير الفلسطينية، وزميله احمد قريع أبو علا رئيس المجلس التشريعي.

واستنادا إلى أكثر من مسؤول ظل على اتصال مع الإدارة الأمريكية، فإن واشنطن لازالت تُـصـِر على قيام الفلسطينيين بتلبية أربعة مطالب: تحقيق الأمن، وتعيين رئيس وزراء، وإعداد دستور، والمضي في الإصلاحات الهيكلية والسياسية.

أما إسرائيل، فان رئيس وزرائها ووزير دفاعه ورئيس أركان جيشه، استمروا في التأكيد على أن العام المقبل سيكون "عام الحسم"، أو عام القضاء على الانتفاضة.

وفي أوساط المحافل السياسية الفلسطينية، وحتى في صفوف المقربين من عرفات، يجري الحديث أن الرئيس الفلسطيني بات أكثر تقبلا لنقاش فكرة رئيس وزراء، الأمر الذي اعتبر بمثابة المحرمات قبل وقت قريب جدا.

وعلى الأرض، يمضي الفلسطينيون نحو العام الجديد دون أي أفق لانسحاب الجيش الإسرائيلي وتوقف الاغتيالات وتدمير المساكن والبنية التحتية، كل ذلك وقد غدت فكرة "الكانتونات" التي طالما حذر الجميع من تطبيقها، أمرا فلسطينيا واقعا.

هشام عبد الله - رام الله


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×