تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

المفترق الصعب للاتحاد الاشتراكي

آن الأوان لعبد الرحمن اليوسفي كي ينسحب من الحياة السياسية رغم الدعوات المتعاقبة لعدوله عن ذلك.

(Keystone)

رغم أن استقالة زعيم حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية المغربي عبد الرحمن اليوسفي كانت مُنتظرة ومتوقّـعة منذ مدة، فإن إعلانها فجّـر أزمة داخل الحزب.

ويبدو أن اختيار خلف لليوسفي لن يتم في كنف الهدوء مثلما كان مرسوما، حيث أن المواجهة على أشدها بين جناحين: اليازغي والراضي.

ختم الزعيم الاشتراكي عبد الرحمن اليوسفي حياته السياسية بتأجيج أزمة تكاد تعصف بحزبه، الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وتضعف بلا شك أقوى الأحزاب المغربية، دون أن يعرف أحد إلى أين ستودي به.

كانت الليلة الثانية من رمضان، ليلة عبد الرحمن اليوسفي. فرسالة استقالته من الاتحاد الاشتراكي واعتزاله العمل السياسي التي تصدرت الصفحة الأولى من صحيفة الحزب، انتشرت كالنار في الهشيم. الاتصالات الهاتفية قبل بداية السهر لم تهدأ، والأحاديث في المقاهي أو المنازل انشغلت في قراءة الرسالة ومغزاها في هذا الوقت بالذات.

وكان عبد الرحمن اليوسفي زعيما غير عادي لحزب له حضوره الفاعل والمؤثر في الحياة السياسية والاجتماعية المغربية منذ نهاية الخمسينات. فإذا كان تحت زعامة المهدي بن بركة (1959 -1965) قد قاد معارضة دموية شرسة ضد نظام الملك الحسن الثاني استمرت حتى منتصف السبعينات، وتحت زعامة عبد الرحيم بوعبيد (1972– 1992) خلق معارضة ديمقراطية قاسية، فإنه تحت قيادة اليوسفي طوال عقد التسعينات والسنوات الثلاث من القرن الحادي والعشرين هيّـأ نفسه للعمل العام وتدبير شؤون الدولة وقيادته لأول حكومة تناوب في البلاد.

حكومة التناوب برئاسة اليوسفي والتي تشكّـلت من حزبه الذي احتل ثلث مقاعدها وثلثا لحلفائه، كانت حدثا آثار اهتمام مختلف الأوساط السياسية الإقليمية والعالمية، إذ لم يكن طبيعيا أن يصل مغربي محكوم عليه بالإعدام ومعارض تولى تحريض العالم ضد النظام السياسي في بلاده ومنفي لأكثر من 15 عاما، إلى أهم منصب خارج القصر الملكي.

لكن الحسن الثاني الذي كان يقرأ جيدا الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي في بلاده والتحولات العالمية، وأيضا ما ينتظره من قدر، بدأ مع بداية التسعينات يمهد لجديد مفاجئ. وكان القدر الذي غيب عبد الرحيم بوعبيد، يضع عبد الرحمن اليوسفي على زعامة الاتحاد الاشتراكي الذي كانت الأطراف الدولية العالمية تُـمارس تأثيرها من أجل تولي الحزب قيادة تحولات تضمـن للنظام السياسي الاستمرار، وللبلاد الاستقرار.

الاتحاد الاشتراكي أم اليوسفي؟

كان وجود الاتحاد الاشتراكي في الحكومة ضامنا لانتقال سلمي سلس للعرش. فقد تولى محمد السادس المُـلك خلفا لوالده الحسن الثاني الذي وافاه الآجل في 23 يوليو 1999، بعيد سبعة عشر شهرا من تولي اليوسفي رئاسة الحكومة وانخراط الاتحاد الاشتراكي وحلفائه اليساريين في ورش إصلاحي للقوانين والأوضاع.

وكشف عبد الرحمن اليوسفي، وزيرا أولا، عن قدرات فائقة في قيادة السفينة الحكومية التي شارك حزبه فيها إلى جانب 6 أحزاب ووزراء للقصر، لكن هذه القدرات خذلته في تدبير شؤون حزبه. فما كان الحزب يعرفه من صراعات سياسية، لعب اليوسفي دورا هاما في بلورته وتصعيده، تبلور في تيارات، حتى وإن طبعت في الشخصانية أو الساسوية، لتأجج قبيل المؤتمر الوطني السادس في مارس 2001 وتؤدي لخروج العشرات من الأطر والقيادات الحزبية، ليشكلوا هياكل جديدة مشاكسة للحزب.

رفض اليوسفي أن يكون أسير تيار محدد مهيمن وقوي، فاستغل بمهارة مكانته كأحد القادة التاريخيين وموقعه ككاتب أول ومنصبه كوزير أول، ليخلق لنفسه كيانية تحميه وتخفف عنه ضغوط الأقوياء في الحزب. ورغم مهامه كوزير أول بقي متحكما بمالية الحزب وصحيفته التي يتابع يوميا ما تنشره، وأحيانا يختار مكان الخبر وحجمه حتى لو كان خارج البلاد.

كانت الاستحقاقات الانتخابية مقياس نجاح اليوسفي وزيرا أولا، وأيضا زعيما للاتحاد الاشتراكي. فنزاهة الانتخابات وشفافيتها وإفراز مؤسسات ذات مصداقية، كان الوسام الذي يتمنى تعليقه على صدره كوزير أول، وتحقيق الحزب لفوز بين كان أمله بأن يختتم به حياته الحزبية.

الخروج من السلطة

وإذا كان الفصل الأول من الاستحقاقات، الانتخابات التشريعية في سبتمبر 2002 قد مرت بما يشتهي اليوسفي الوزير الأول، ونسبيا بما يشتهي السكرتير الأول، فإن حسابات القصر لم تسمح له باستكمال بقية المسلسل الانتخابي، فأبعده محمد السادس عن الوزارة الأولى وكلف بدلا عنه التكنوقراطي إدريس جطو، ليصاب اليوسفي بصدمة كادت أن تتحول إلى أزمة بين حزبه والقصر بعد وئام وتوافق.

وكانت الصدمة الأكبر لليوسفي كاتبا أولا مع استكمال الاستحقاقات بالانتخابات البلدية في سبتمبر 2003 حين تبنى ودعم مرشحين لم يحظون بتأييد ودعم قيادات الحزب ولا قواعده، ومني مرشحو اليوسفي بخسارات فادحة، وافقدوا الحزب مواقع ذات بعد سياسي كانت تحسب تقليديا للاتحاد الاشتراكي، وتعالت الأصوات داخل الحزب تطالب لأول مرة بمحاسبة الكاتب الأول، وهو ما لم يجرؤ اتحادي في زمن المهدي بن بركة أو عبد الرحيم بوعبيد أو السنوات الأولى لليوسفي بالحديث عنه أو المطالبة به. لذلك، لم يكن أمام اليوسفي سوى استباق المحاسبة والاعتزال ومعاقبة حزبه بتركه يتخبط في أزمة الخلافة.

حسابات الحزب وحسابات القصر!

فالمأزق الذي يعيشه المكتب السياسي منذ استقالة اليوسفي يحمل بصماته، وكان أكثر مفاجأة من قرار اليوسفي بالاعتزال. فمحمد اليازغي، نائب الكاتب الأول للحزب منذ الثمانينات، يعتبر عراب الحزب وصانع قراراته وتحولاته الاستراتيجية والعارف لكل أعضائه وتفاصيلهم، وكان في أول اجتماع للمكتب السياسي بعد قبول استقالة اليوسفي مرشحا وحيدا لخلافته. لكن في الاجتماع الثاني تبين أن معارضي اليازغي استطاعوا أن يجمعوا قواهم ويخلقوا تحالفا يرشح عبد الواحد الراضي للكتابة الأولى لينفض الاجتماع ويترك الاختيار لوقت لاحق.

الخيارات أمام الاتحاديين للخروج من مأزقهم متعددة، تتراوح بين حسم المسألة وما قد يعكسه ذلك من أزمة قد تعصف بالحزب أو استمرار اليازغي بتدبير الحزب بصفته كاتبا أولا بالنيابة تمهيدا لعقد المؤتمر الوطني السابع في مارس القادم أو دعوة اللجنة الإدارية لانتخاب مكتب سياسي جديد، وبالتالي، كاتب أول.

ولئن كان من المؤكد أن اليوسفي لن يعود إلى ممارسة العمل الحزبي، فإنه في لقائه الأخير مع المكتب السياسي بعد استقالته، قال إنه لا يستطيع أن يعمل أي شيء سوى السياسة، والملك محمد السادس بعث له برسالة مفتوحة يطلب منه ألا يعتزل العمل السياسي، وأن يواصل نضاله من أجل بلاده. وقبل أن يذهب إلى مدينة "كان" الفرنسية، حيث إقامته الدائمة، قد يفاجئ اليوسفي ويأخذ قرارا ثوريا جديدا يوجه به صدمة للفاعلين السياسيين في بلاده.

محمود معروف - الرباط


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×