Navigation

الوضع الإجتماعي في الجزائر مرشح لمزيد من التأزم

صورة التقطت يوم 15 فبراير 2008 للمرتفعات المحيطة بالعاصمة الجزائرية ويظهر فيها نُـصب مقام الشهيد AFP

مَـثل الإضراب الذي شنه عمّـال القطاع العام في الجزائر، مقياسا غير متعوّد عليه لمعرفة مدى الشعبية التي تتمتع بها الحكومة والرئاسة في آن واحد.

هذا المحتوى تم نشره يوم 01 مارس 2008 - 10:01 يوليو,

وبما أن نسبة المشاركة قد بلغت 80%، لم يبق غير انتظار مَـراحل أخرى من الصِّـراع، كي تتكشّـف الصورة الدقيقة لمعطيات الوضع السياسي والاقتصادي بشكل عام.

يتفق المراقبون على أن أكبر خاسر في المشهد السياسي الحالي، هو عبد المجيد سيدي سعيد، الأمين العام للاتحاد العام للعمال الجزائريين، النقابة الوحيدة التي تتفاوض معها الحكومة باسم كل العمال، بالرّغم من أن اثني عشر نقابة مستقلة ترفض هذا التمثيل وتعتبره "مَـهزلة يجب أن تتغير في أسرع وقت ممكن".

بداية المشهد المُـتناقض، هو تمكّـن نقابة سيدي سعيد من الاتفاق مع رئيس الحكومة عبد العزيز بلخادم على شبكة الأجور الجديدة، والتي اعتبرها المؤيِّـدون لها نَـصرا كبيرا، في حين اعتبرتها النّـقابات المستقلة، مجرّد ذر للرّماد في العيون، لسبب بسيط، لكنه يكون وجيها لاعتبارات عدّة.

أولها، أن زيادة الأجور اقترنت بحذف شِـبه كامل لكل المكافآت المتعلّـقة بالساعات الإضافية والمردود الزائد، أي أن ما أعطي باليد اليمنى قد سُحب باليسرى، أما ثاني الأسباب، فهو الزيادة الضئيلة التي لا تَـفي بالغرض، نظرا لغلاء المعيشة وارتفاع نسبة التضخم.

وأخيرا، تماطل أصحاب القرار في تطبيق الشبكة الجديدة إلى غاية نهاية شهر فبراير الجاري، مما يعني، أن الدولة حرّرت الأجور الجديدة للعمال والموظفين، بمجرد أن شعرت بمدى ضخامة الإضراب، الذي لم يكن متوقعا بهذا الشكل، وعلى الأخص لدى رئاسة الجمهورية، التي اطمأنت، فيما يبدو، لقوة الاتحاد العام للعمال الجزائريين ورئيسه عبد المجيد سيدي سعيد.

ظروف معيشية سيئة

وفي تصريح خاص لسويس إنفو، يقول صالح خابر، الأمين العام لنقابة عمال التربية في ولاية سطيف 300 كلم شرق العاصمة: "ليس هناك من سبب لهذا التّـجاوب الهائل مع الإضراب، سوى الظروف المعيشية السيِّـئة التي يعيشها العمال. فظروفهم غير إنسانية، وإن كانت الحكومة تتوقع أن يكون ردّ الفعل غير هذا، فهي بعيدة عن الواقع بأتم معنى الكلمة".

ويضيف السيد صالح خابر: "لابد من تغيير السياسة الاقتصادية للبلد، لأن غناه في الظرف الحالي، لا يُترجم واقعيا في حياة الناس، وأنا أحذر من الانفجار في حالة الاستمرار في سياسة صمّ الآذان، التي تنتهجها الحكومة ضدّنا، وتفضل في المقابل، التفاوض والتحاور مع الاتحاد العام للعمال الجزائريين، الذي أضحى لا يمثل إلا نفسه".

من الناحية الواقعية، يتناقض الواقع المعيشي الصّعب لأغلبية الجزائريين مع مصاريف الحكومة في القطاعات الاجتماعية والتربوية، فعلى سبيل المثال، لا يقل ما يُصرف على الطالب الجامعي الواحد، عن حوالي مائتي يورو يوميا، ولتكوين طبيب، تدفع الدولة ما قيمته مائتي ألف يورو، ولكي يصبح مختصا، قرابة ضعف المبلغ، أي أن التكاليف الاجتماعية والصحية لا تختلف عن أي بلد أوروبي أو غربي من العالم المتمدّن.

في المقابل، لا يتمكّـن الطالب عند التخرج أو الطبيب عند إكمال تخصّـصه، من الحصول على أجر شهري يعادل ما كان يصرف عليهما، مما يعني أن خللا جديا يعانيه نظام الأجور في الجزائر، تتعامل معه وزارة المالية والسلطات عموما بأسلوب لم يفهمه الجزائريون لحدّ الآن.

يُـضاف إلى هذا، ميزانية الدولة التي بنتها على قيمة مرجعية لبرميل النفط، لا تتعدّى تسعة عشر دولارا أمريكيا، وقرار الرئيس عبد العزيز بوتفليقة وضع كميات هائلة من العُـملة الصّـعبة في بنوك أمريكية أو شراء كميات محدّدة من الذهب.

ولقد برزت خطورة هذا التوجّـه بعد الانهيار الهائل في سعر الدولار الأمريكي، لدرجة أن المحلل الاقتصادي عبد المالك سراي ذهب بعيدا في تحذيراته للدولة عندما قال: "إننا خسِـرنا نصف قيمة ودائعنا في الولايات المتحدة بسبب انخفاض قيمة الدولار، وبعد أن كان لدينا مائة مليار دولار كاحتياطي صرف، لم تعُـد قيمتها تتعدّى خمسين مليارا".

وأضاف عبد المالك سراي: "وتتمثل المشكلة الثانية، في أن 60% من مُـستورداتنا، ندفعها باليورو، في حين أن مداخيلنا هي بالدولار الأمريكي، وإن استمر وضع الاقتصاد الأمريكي كما نرى، ستتعرض الجزائر إلى أزمة جدّية بكل ما تحمله الكلمة من معنى".

من ناحية أخرى، تحاول بعض الأوساط السياسية المعارضة جرّ الإضرابات التي تشهدها البلاد إلى احتجاج سياسي يُـسقط الرئيس بوتفليقة، أي أن بعض الأطراف تسعى إلى تكرار حالة عام 1988، عندما تحوّل احتجاج اجتماعي محدود إلى ما يُـشبه المحاكمة لنظام الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد، الذي فقد منصِـبه الرئاسي بعد هذه الأحداث بثلاث سنوات.

ويبدو أن صِـراعا خفيا قد نشب بين طرفي نقيض هذا التوجّه، بسبب تشابك المصالح من جهة ولأن الراغبين في استمرار بوتفليقة لعُـهدة رئاسية ثالثة، يعملون بكل طاقتهم كي تبقى دار لُـقمان على حالها.

إصرار على مواصلة التحركات

في ظل هذه التخمينات، يبقى السؤال مطروحا: ماذا عن انشغالات العمال الحقيقيين الذين لا يعتبِـرون الخروج إلى الشارع خِـيانة حقيقية، ما دام الأمر يتعلّـق بحقوق فلذات أكبادهم؟

يقول كموش رابح، معلم في مدرسة ابتدائية بولاية سطيف: "يعتبر الاتحاد العام للعمّـال الجزائريين عميلا للنظام، وأنا سأضرب مرّة أخرى في حال عدم تحقّـق مطالبي، كما أنني لا أخشى إطلاقا قرار وزير التربية أبو بكر بن بوزيد، الذي يريد خصم ثلاثة أيام من أجرنا الشهري بسبب الإضراب".

وبالفعل، فقد نفذ وزير التربية تهديده، في حين لجأ وزير الصحة عمار تو إلى القضاء كي يتّـهم الأطباء والممرضين المضربين بخرق القانون وحرمان المواطنين من العلاج، ويبدو أن هذا هو قرار بوتفليقة، الذي يبدو عليه الانزعاج الشديد، مما يعتبره الآن عِـصيانا مدنيا، ولو أنه لم يصِـل إلى هذا الحدّ، غير أنه دليل على تراجع شعبيته دون أدنى شك.

ويري صالح خابر أن "عدم استجابة الحكومة لمطالبنا ورفض التحاور مع النقابات كشريك جدّي، من شأنه دفعنا إلى الإضراب ثلاثة أيام أخرى، ثم سنرفع من الوتيرة إلى سبعة أيام ثم خمسة عشر يوما".

عمليا، لو حدث ما يتوعّـد به صالح خابر، فإن الحكومة ستفقِـد صوابها وقد تضطر إلى استعمال العُـنف مع المضربين، وفي أندر الحالات، الرضوخ للأمر الواقع والتفاوض معهم، تجنّـبا لاختناق اجتماعي غير محمود العواقب.

وفي الوقت الذي يعمل فيه أنصار بوتفليقة للوصول به إلى عُـهدة رئاسية ثالثة تمر عبر تعديل دستوري، لا يتم لا بالاستفتاء ولا بواسطة البرلمان، يعيش الأغلبية الساحقة من الجزائريين واقعا مختلفا ولا يهمّهم - برأي مصدر دبلوماسي فرنسي - مَـن يحكُـمهم ما دام عيشهم كريما وقيمتهم محفوظة.

وبالرغم من مرور تسعة أعوام على حكم الرئيس بوتفليقة وستة وأربعين عاما على استقلال البلاد، لا زالت الحكومات المتعاقبة عاجِـزة عن وضع إطار واضح للدولة، التي يعيش فيها الجزائريون، أهي دولة الرّفاه أم دولة الاقتصاد الاجتماعي؟ لأن الشكل الحالي للدولة والبلد، هو خير تصوير لمجتمع يعيش واقع اقتصاد ريعي بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى.

هيثم رباني - الجزائر

النقابات الجزائرية: الإضراب المفتوح خيار وارد

الجزائر (رويترز) - قال اتحاد لنقابات العمال الجزائرية يوم الأربعاء 27 فبراير، إن العاملين بالقطاع العام في هذه الدولة العضو في أوبك قد يبدؤون إضرابا مفتوحا غير مسبوق، إذا تجاهلت الحكومة مطالبهم من أجل حصة أكبر من إيرادات النفط الاستثنائية.

وأغلقت تنسيقية النقابات المستقلة لقطاع التوظيف العمومي، قطاعات من الجهاز الحكومي عن طريق تنظيم إضرابات تستمر يومين أو ثلاثة، شملت إداريين وأطباء وممرضات ومدرسين وعاملين في الإدارات المحلية، يرفضون زيادة مقرّرة في الأجور بنسبب تتراوح بين 20 و25%.

وشجبت الحكومة الإضرابات غير المعتادة وغير المشروعة، التي شملت عشرات الألوف من العاملين، باعتبارها "إزعاجا غير مبرر"، ورفضت الاعتراف بالاتحاد المعروف باسم تنسيقية النقابات المستقلة لقطاع التوظيف العمومي.

وقال مزيان مريان، المتحدث باسم الاتحاد في حديث لرويترز "العاملون في القطاع العام يحصلون على رواتب ضئيلة"، وأضاف المتحدث باسم الاتحاد، الذي لا يضم عاملين في قطاعات النفط والغاز، "الأزمة الاجتماعية حادّة، لذلك، يتعيّـن اتخاذ إجراء سريع للتوصل إلى حل... القمع لن يحلّ أي شيء".

وعلى الرغم من ازدهار إيرادات النفط، فإن نحو 75% من الجزائريين تحت سن 30 عاما، يعانون من البطالة والشكوى من ارتفاع الأسعار أصبحت تُـسمع يوميا. وزاد من حدّة المشكلة، سلسلة من التفجيرات الانتحارية التي نفّـذها متشدّدون إسلاميون على مدى عام.

والعمل النقابي موضوع حسّاس في دولة، رغم تاريخها الطويل في التمرد السياسي، لم تشهد من قبل إضرابا مفتوحا إلى أجل غير مسمى، احتجاجا على الأجور في عدّة قطاعات من الاقتصاد.

وكان أحدث إضراب إلى أجل غير مُـسمى في عام 1991 لأسباب سياسية، عندما نظم الإسلاميون إضرابا في إطار محاولة فاشلة للاستيلاء على السلطة. ولاقت حملة الاتحاد تعاطُـفا بين الجزائريين الذين أرهقتهم الحرب ويحلمون بالعمل والسّـكن والمستقبل.

وفي خطوة، يقول المحللون إنها تظهر البُـعد السياسي للموضوع، تحقق الدولة مع أحد أعضاء الاتحاد من القطاع الصحّي بسبب تنظيم إضراب غير مشروع.

وقال مريان، وهو مدرس "نريد فتح أبواب للحوار، لكن إذا حدث العكس، اعتقد أن النقابات المستقلة ستُـقرر بلوغ أقصى حدٍّ لتحقيق مطالبها"، وأضاف "بعد التشاور مع أعضاء النقابات المختلفة، يمكننا أن نقرر إضرابا مفتوحا"، ولم يحدّد مريان حجم مطالبات النقابات بزيادات الأجور، لكنه قال إنها ضرورية، مشيرا إلى أن متوسط الأجر الشهري في التسعينات من القرن الماضي كان يعادل 500 دولار، أما الآن، فهو لا يصل إلى 250 دولارا.

(المصدر: وكالة رويترز بتاريخ 27 فبراير 2008)

End of insertion

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.