تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

تركيا تراهن على حل سياسي

هل تسعى تركيا إلى استعادة ماضيها ودورها في المنطقة العربية؟

تسعى تركيا إلى عقد قمة إقليمية في أنقرة بمشاركة بعض الدول العربية وإيران، لبحث وسائل إيجاد تسوية للأزمة في العراق.

يأتي ذلك على إثر الجولة التي قام بها رئيس الوزراء التركي عبد الله غول في دول المنطقة.

كشف الرئيس حسني مبارك يوم 12 يناير الجاري وجود أفكارا تركية لحل الأزمة العراقية عرضها رئيس الوزراء التركي عبد الله غوُل أثناء زيارته للقاهرة، ناصحا بأن تؤيدها الولايات المتحدة مسبقا منعا لأية مفاجآت، فيما يعكس قدرا من التحفظ العربي على هذه الأفكار دون أن يشير السيد غول إلى مضمونها أو تفاصيلها.

في الوقت نفسه، يبدو أن تلك الأفكار أرسلت إلى الرئيس صدام حسين بواسطة وزير التجارة التركي كرشات توزمان. كما عرضها غوُل على المسؤولين السعوديين أثناء زيارته للرياض يوم 11 يناير الجاري، قبل أن تستقبل الرئيس مبارك الذي تباحث مع ولي العهد الأمير عبد الله بن عبدالعزيز حول الأفكار التركية بشأن الأزمة العراقية وسبل منع عمل عسكري أمريكي.

وتشير هذه التطورات المتلاحقة إلى أن الأفكار التركية غير المعروف تفاصيلها بعد على وجه الدقة أفلحت في إطلاق حركة عربية إقليمية مشتركة قد تفضي إلى حل سياسي. وتعني أيضا أن تركيا في ظل حكومتها الجديدة بقيادة حزب العدالة والتنمية تُـعول على تنسيق إقليمي يمنع عنها التورط في حرب سوف يكون لها آثارها المدمرة على اقتصادها المنهك واللاهث وراء استعادة بعض التماسك المفقود.

بيد أن تفهم رغبة الحكومة التركية في حل سلمي يمكن قراءتها من زوايا كثيرة، منها ما يتعلق بمدى أصالة وصدق هذه الرغبة، ومنها ما يتعلق بالحوار مع الجانب الأمريكي بشأن الامتيازات أو التعويضات التي يمكن لتركيا الحصول عليها نظير المشاركة في عمل عسكري.

ويتوقف حسم أولوية أي من هاتين الزاويتين على مدى تفهم ما يجرى داخل تركيا، والصراع السياسي الخفي الذي يدور بين حكومة العدالة والتنمية، وبين المؤسسة العلمانية بشقيها السياسي والعسكري، والتي لم تستوعب بعد درس الانتصار السياسي الكبير الذي حققه الحزب الحاكم في انتخابات 3 نوفمبر الماضي.

قطيعة سياسية جزئية

بداية، يمكن القول أن السياسة التركية الآن تشهد نوعا من تعديل الأداء داخليا وخارجيا، وهو ما تمثل في:

أولا، مسعى تنشيط العلاقات التركية العربية من جانب، وصياغة إطار سياسي إستراتيجي جديد لها يتيح مساحة افضل من التواصل وبلورة مصالح مشتركة.

وثانيا، في عدم التعاطي مع المطالب الأمريكية الخاصة بالتعاون العسكري ضد العراق، وربط ذلك بعدد من الشروط، مثل إفساح المجال أمام عمل المفتشين الدوليين وطرق كل السبل الدبلوماسية أولا، ثم صدور قرار من مجلس الأمن يبيح عملا عسكريا ضد العراق، وعدم التباحث في شكل التعاون العسكري تفصيلا إلا بعد صدور هذا القرار الدولي، وبعد اتخاذ قرار من قبل البرلمان التركي نفسه يتيح المشاركة في أعمال عسكرية في العراق، ويعطي شرعية لاستقبال قوات أمريكية على الأرض التركية.

وكلا الأمرين يعبران عن قدر من القطيعة ـ ولو المحدودة ـ مع السياسة التركية التقليدية التي عرفت بها خلال العقدين الماضيين، والتي كانت تصوغها أحزاب وقوى سياسية معروف عنها نزوعها التلقائي إلى الابتعاد عن تنشيط العلاقة مع العالم العربي إلا في جوانب اقتصادية محدودة، وفي النظر إلى العلاقة مع الولايات المتحدة كعلاقة تحالف إستراتيجي تبرر كل أصناف التعاون بلا قيود، وتوظيف هذه العلاقة في خدمة الدور التركي الإقليمي، وفي الخروج من المآزق والأزمات الاقتصادية التي تعصف بالبلاد.

رؤية المؤسسة العلمانية

هذه القطيعة المحدودة ليست مقبولة بالطبع من قبل المؤسسة العلمانية. ويثير كثيرون من ممثلي هذه المؤسسة الغبار الكثيف في كل وسائل الإعلام التركي المقروء والمسموع حول جدوى تعديل السياسة التركية، ويتساءلون حول جدوى وضرورة التوجه ناحية الشرق المسلم والعرب تحديدا، ويرون أن رفض التعاون مع الأمريكيين عسكريا، يمثل تهديدا للمصالح التركية، وأن لا يمكن لتركيا التمسك بهذا الرفض أو تحمل تبعاته.

كما ينصح بعض العلمانيين حكومة العدالة والتنمية بأن لا تتمسك بأي حل سلمي للازمة العراقية، بل وأن تتفاهم مع الولايات المتحدة من أجل الحصول على نصيب من "الكعكة العراقية" نظير المشاركة القوية في الهجوم على العراق. وهؤلاء هم الذين يثيرون ما يعتبرونه "حقوق تركيا التاريخية في شمال العراق"، لاسيما ما يتعلق بنفط منطقة الموصل.

وفى سياق الدعوة إلى التنسيق مع الولايات المتحدة عسكريا، تبرز اتجاهات عدة تؤيد، وإن بدرجات مختلفة، نوعا من المشاركة التركية العسكرية في أي عمل عسكري أمريكي مقبل. والقناعة التي يعبر عنها هؤلاء، تستند إلى أن التحالف التركي الأمريكي يَـفرض على تركيا من حيث المبدأ مساعدة الأمريكيين في تحقيق انتصار سريع وتخفيض حجم المشكلات اللوجيستية التي يواجهونها، والمساهمة في تقليل الخسائر البشرية التي يمكن أن تتعرض لها القوات الأمريكية.

ويدرك هؤلاء أن دور تركيا حاسم، وأن غيابه أو الامتناع عنه سيؤدى إلى تغيير كامل في الخطط الأمريكية الخاصة باجتياح العراق عبر تركيزها فقط من ناحية الجنوب، مما سيضيف أعباء كثيرة عليها. والمؤكد، أن ذلك سيؤدى إلى إطالة زمن الصراع العسكري، وهو ما لا يتوافق مع المصالح التركية إجمالا.

أما العسكريون أنفسهم، فيميلون إلى المشاركة في الحرب بصفة عامة، لكن بشروط يرونها مناسبة للمصالح التركية. ومن هذه الشروط، ألا يكون أي عمل عسكري تحت مظلة حلف الناتو، وعدم السماح بوجود قوات أمريكية برية على الأرض التركية، وفي حال الضرورة القصوى، يكون ذلك بأعداد محدودة جدا، وليس كما طلب الأمريكيون في حدود 90 ألف جندي ينتشرون على أجزاء من جنوب تركيا وشمال العراق معا.

أما الصيغة الأمثل، من وجهة نظر العسكريين الأتراك، فهي صيغة تنسيق تسمح بتقديم تسهيلات تركية واسعة للقوات الجوية الأمريكية للعمل بحرية في شمال العراق انطلاقا من القواعد العسكرية التركية نفسها كإنجرليك وباطمان وديار بكر وإيفون، من خلال ترتيبات خاصة يتم الاتفاق عليها تفصيلا، على أن يدخل الجيش التركي نفسه الأرض العراقية ليكون العنصر الحاسم والمانع لأية طموحات كردية عراقية لإعلان كيان مستقل، يتصادم مع أحد ثوابت السياسة التركية الرافضة أي شكل من أشكال الاستقلال للأكراد، سواء في العراق أو في غيرها من الدول المجاورة.

ويفسر ذلك الاتفاق الفني الذي تم التوصل إليه بعد مفاوضات مرهقة مع الجانب الأمريكي للسماح لـ 150 من التقنيين العسكريين الأمريكيين بتفقد القواعد العسكرية التركية لمعرفة مدى ما تحتاجه من تجهيزات وترتيبات إضافية إذا ما تقرر لاحقا استخدامها كجزء من الحملة العسكرية الأمريكية، وهو اتفاق جزئي يقل كثيرا عما طلبته واشنطن بالفعل، وقد تضمن الحصول على تسهيلات بحرية في عدد من الموانئ التركية كمرسين وإسكندرون وتازوكو لاستقبال المعدات الثقيلة والقوات البرية، إضافة إلى وضع عدد من القواعد التركية تحت التصرف الكامل للقوات الأمريكية.

لكن الأمر اللافت للنظر، أن العسكريين الأتراك يفضلون أن تحظى أي صيغة من التعاون العسكري مع الولايات المتحدة بقرار رسمي من البرلمان، وأن يكون ذلك خطوة تلتزم بها حكومة العدالة والتنمية.

معارضة متزايدة

على الجانب الآخر، فإن الحكومة ونواب حزب العدالة والتنمية وكذلك نسبة معتبرة من أعضاء حزب الشعب الجمهوري، "المعارض الوحيد" في البرلمان التركي، يرفضون مبدأ المشاركة في الحرب الأمريكية على العراق، ويرون أن الأولوية هي لمنعها. ويعبر هؤلاء عن قدر كبير من الحساسية تجاه فكرة تواجد قوات أمريكية برية على الأرض التركية، لأنها تمس سيادة بلادهم في الصميم.

ومن التطورات اللافتة للنظر هنا، رفض الأحزاب التركية خارج البرلمان مبدأ الحرب، كما أن النقابات المهنية وكثيرا من المنظمات الأهلية أصدرت بيانات تدين الحرب الأمريكية وتدعو الحكومة إلى التمسك بعدم التعاون العسكري مع الولايات المتحدة.

وتمثلت الخطوة الأهم في القرار الذي اتخذته لجنة حقوق الإنسان في البرلمان التركي برفض الحرب بالإجماع، الأمر الذي يعبر عن الاتجاه الغالب لدى النواب من جهة، ويضع صعوبات كبيرة أمام أي قرار يمكن أن يصدر عن البرلمان يتيح المشاركة في الحرب ضد العراق من جهة ثانية، وأيضا يقدم مساندة سياسية كبيرة للموقف الحكومي الساعي إلى حل سلمي وفق تصور دولي إقليمي مشترك.

في مثل هذه الساحة السياسية التي تتنازعها اتجاهات متنافرة أو متناقضة تماما، يمكن النظر إلى التحرك السياسي النشيط الذي قام به رئيس الوزراء غوُل عربيا بهدف بلورة حل سياسي للازمة العراقية باعتباره انعكاسا صادقا لرفض الحرب أو المشاركة فيها، وامتدادا للرؤية الأساسية التي يؤمن بها أعضاء الحزب ونوابه في البرلمان، وتعبيرا عن التوجه السائد لدى الرأي العام التركي، وأيضا محاولة للالتفاف على الضغوط الأمريكية المتصاعدة لسرعة البت في الاستجابة لما تطلبه واشنطن.

ويلفت النظر هنا، تأكيدات غوُل في أكثر من بلد عربي بأن لا أطماع إقليمية لتركيا في العراق، وأن بلاده حريصة على الوحدة الإقليمية لهذا البلد الجار، ولا توافق على تقسيمه، وذلك على عكس كثير من التقارير والتحليلات التي نشرت في الصحافة التركية نفسها، وألمحت إلى خطط تركية عسكرية للحصول على مزايا إقليمية ونفطية في الشمال العراقي حال اندلاع الحرب، الأمر الذي يعكس الضغوط التي تمارسها العناصر العلمانية القريبة من المؤسسة العسكرية، والراغبة في إفساد التوجهات الجديدة في السياسة التركية بقيادة حزب العدالة والتنمية.

مظلة حماية مسبقة

هذا الموقف الرسمي الساعي ناحية الحل السلمي والرافض التورط في الحرب، يشكل أيضا مظلة حماية مسبقة إذا ما تطورت الأمور ناحية هذه الحرب المرفوضة، وصار على تركيا أن تشارك فيها كجزء من الحملة الأمريكية أو اتخذت قرارا بالتدخل العسكري في شمال العراق، تحت مبرر منع استقلال الأكراد.

ففي هذه الحالة، يمكن الاستناد إلى أن فشل الحل الذي سعت إليه تركيا، هو الذي يبرر المشاركة العسكرية، وهو تبرير مرجح وسيكون هدفه الأول احتواءُ الضغوط الداخلية الرافضة للحرب، والتي عبرت عن نفسها حسب استطلاع للرأي نُـشر الأسبوع الأول من يناير الجاري بأن 87% من الشعب التركي يعارضون الحرب، وأن 65% يعارضون تقديم أي دعم عسكري للولايات المتحدة. أما هدفه الثاني، فسيكون استيعاب اللوم العربي المتوقع، إذا ما احتلت القوات التركية أجزاء من العراق. ولكن يظل الرهان التركي الأساسي مرتبطا ببلورة حل سياسي، وهو ما لا يأتي إلا عبر بوابة عربية - عراقية، وأخرى أمريكية.

وحتى هذه اللحظة، فإن الجهد التركي مر عبر البوابة العربية بما فيها العراقية، وبقيت البوابة الأمريكية، التي يبدو أنها ستكون المرحلة التالية في التحركات التركية، وذلك إذا ما نضج تصور مناسب ومعقول يؤيده العرب من جانب ويأخذونه مأخذ الجد، ويقبله العراق كأرضية للتفاوض والتغيير الذاتي، ثم بعد ذلك يوضع أمام واشنطن للنظر فيه كمدخل لتحقيق هدفها الرئيسي بتغيير النظام العراقي، وضمان نزع أي أسلحة دمار شامل قد يتم اكتشافها مستقبلا، مقابل وقف أي عمل عسكري يدمر العراق ويخل بتوازنات المنطقة.

د. حسن أبوطالب - القاهرة

معطيات أساسية

تركيا
المساحة 780،580 كلم2
عدد السكان: 67،309.000 نسمة
يمثل الأتراك 80% والأكراد 20% من عدد السكان
اللغات: التركية (رسمية)، الكردية، العربية، الارمنية، اليونانية
الناتج القومي الإجمالي: 443 مليار دولار
معدل الدخل الفردي السنوي: 6700 دولار
نسبة الإنفاق العسكري من الناتج القومي: 4،5%

نهاية الإطار التوضيحي

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×