تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

تغيير الأهداف الأمريكية في العراق

بعد أشهر من التخبط، نقل الرئيس الأمريكي الملف العراقي من وزير الدفاع رامسفيلد إلى بول بريمر الحاكم المدني للعراق

(Keystone)

تتوالى التصريحات والخطوات الأمريكية الرامية إلى تهيئة الأجواء وتوفير الشروط الضرورية لتسليم المزيد من المسؤوليات للعراقيين.

ومع اقتراب موعد الإنتخابات الرئاسية تحرص الإدارة الأمريكية على تقليص خسائرها البشرية وتسعى إلى إقناع أعضاء مجلس الأمن بضرورة العودة إلى العراق. فهل ستنجح؟

مع تصاعد الخسائر الأمريكية بشكل يومي في العراق، وتنوع التكتيكات العسكرية للمقاومة العراقية بقدرتها على تدمير طائرات الهليكوبتر الأمريكية في الجو، وتزايد نسبة من يتشككون في وجود مبرر أصلا لشن الحرب على العراق، بدأ المواطن الأمريكي العادي يتشكك في جدوى إنفاق بلايين الدولارات على هدفين لم يتحققا في العراق، وهما العثور على أسلحة الدمار الشامل وإزالة خطر وصولها إلى أيدي الإرهابيين.

وفي وقت تركزت فيه حملات المرشحين لانتخابات الرئاسة من الحزب الديمقراطي على مدى إخفاق الرئيس بوش في الوفاء بما وعد به الشعب الأمريكي قبل مغامرة شن الحرب على العراق، وجدت الإدارة الأمريكية نفسها مضطرة لإعادة التفكير في استراتيجية مواصلة الانفراد بكل ما يتعلق بمستقبل العراق والقرارات المتعلقة بإعادة البناء السياسي وإعادة إعمار البلاد.

ومما ساهم في إقناع غلاة المحافظين الجدد داخل إدارة بوش بضرورة تغيير تلك الاستراتيجية الأيديولوجية، محنوى تقرير سري قدمته وكالة المخابرات الأمريكية من داخل العراق للرئيس بوش أفاد بأن الشعب العراقي بدأ يفقد الثقة في قدرة التحالف على إنجاز البناء السياسي أو توفير الأمن، ناهيك عن توفير الخدمات الأساسية بكفاءة وفعالية، مما زاد معه التعاطف الشعبي مع المقاومة العراقية.

فشل متعدد الأوجه

ومما زاد الطين بلة بالنسبة للخطة الأمريكية الأصلية التي قاومت حتى في الأمم المتحدة أن يكون للمجتمع الدولي دور رئيسي في عراق ما بعد الحرب، هو أن حجة واشنطن استندت آنذاك إلى أن إسناد مهام الإعمار إلى الوكالات المتخصصة التابعة للأمم المتحدة سيؤخر تحقيق إنجازات سريعة تمس إليها الحاجة في العراق. ولذلك، أُسنِـدت تلك المهام إلى شركات أمريكية، مُـعظمها قريب الصلة بنائب الرئيس ديك تشيني.

كما بررت واشنطن انفرادها بمهمة التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل العراقية، بأن مفتشي الأمم المتحدة لم يتمكنوا من العثور عليها، وبعد سبعة أشهر من انتهاء العمليات العسكرية الرئيسية وبسط سيطرة الاحتلال على العراق، تبين أن الشركات الأمريكية كانت أبطأ بكثير في استعادة الطاقة الكهربائية إلى ما كانت عليه قبل الحرب، مما أثار استياء الشعب العراقي.

كما أخفق المفتشون الأمريكيون في العثور على أي أثر لأسلحة الدمار الشامل في العراق، برغم كل ما في جعبتهم من تكنولوجيا وحرية في التفتيش لا يحول بينها وبين المواقع المزعومة لأسلحة الدمار الشامل العراقية أي عائق.

وفسر الدكتور توني كوردسمان، خبير الشؤون العسكرية بمركز الدراسات الاستراتيجية في واشنطن ذلك بقوله "إن ذلك يعكس حقيقة أن حكومة الرئيس بوش أخفقت في رسم خطة جادة أو فعالة لعملية بناء الدولة في عراق ما بعد الحرب"، غير أن سكوت ماكليلان، المتحدث باسم البيت الأبيض يري أن سيناريو الأحداث المتوقع على أرض العراق تغير. وبالتالي، يتعيّـن تغيير الخطة وقال: "كما أنه يتعين التكيّـف مع الوضع الأمني في العراق للتعامل مع العدو، يجب كذلك توفر الرغبة في التكيّـف مع الظروف على أرض الواقع، سواء بالنسبة لإعادة الإعمار أو بالنسبة للعملية السياسية في العراق".

في المقابل يعتقد السناتور جوزيف بايدن، العضو البارز في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي أن النموذج العقائدي الذي تصوره المحافظون الجدد في إدارة الرئيس بوش لضرورة الانفراد بالعراق بعيدا عن المجتمع الدولي، ثبت فشله وواجه أصحاب تلك الإيديولوجية أنفسهم وجها لوجه أمام الحقيقة.

التذبذب بين الخطط

في الفترة التي أعقبت احتلال العراق، كان لوزارة الدفاع الأمريكية الاحتكار الكامل لكل القرارات المتعلقة بالعراق، وتوارى دور الخارجية الأمريكية، وتعثرت إدارة الشؤون المدنية للعراق تحت إمرة الجنرال جي غارنر، واضطر الرئيس بوش للتدخل فاختار بديلا له هو السفير بول بريمر الذي يشاطره نظرته المحافظة، ولكنه لا ينتمي إلى المحافظين الجدد.

أتى بريمر بنظرية أنه لن يمكن تسليم السلطة إلى العراقيين قبل أن يتم صياغة دستور جديد، وأن مجلس الحكم العراقي لا يتمتع بالنضج السياسي الكافي لنقل السلطة إليه. ولكن تصاعد أرقام الخسائر الأمريكية ورفض المجتمع الدولي تقديم القوات أو الأموال لتخفيف الضغط البشري والمادي على الولايات المتحدة، وانهيار الوضع الأمني في العراق وتحوله إلى ساحة رئيسية للعنف والإرهاب قبل عام واحد من انتخابات الرئاسة الأمريكية التي أصبح العراق موضوعا رئيسيا فيها، أجبر الرئيس بوش ومجلس الأمن القومي الأمريكي على إعادة النظر في خطة الانفراد الأمريكي بالعراق، وتم استدعاء بول بريمر إلى محادثات طارئة مع الرئيس بوش وفريق الأمن القومي لمناقشة كيفية تحسين الوضع الأمني، والإسراع بنقل السلطة للعراقيين.

وتوصلت الإدارة الأمريكية إلى ضرورة التخلي عن خطة ربط نقل السلطة بوضع الدستور العراقي الجديد، والعمل بدلا من ذلك على إعداد ما وُصِـف بأنه قانون أساسي سيتفق عليه مجلس الحكم العراقي يمكن للشعب العراقي العمل من خلاله، بحيث يوجد صوتا لكل أقلية في الحكومة المستقبلية، وينطوي على الالتزام بحقوق الإنسان، ويتم العمل بذلك القانون الأساسي في فبراير القادم على أن يتم نقل السلطة للعراقيين بحلول يونيو القادم من خلال طريقتين: إما اختيار حكومة انتقالية مصغرة من بين أعضاء مجلس الحكم العراقي، أو اختيار أعضاء تلك الحكومة عن طريق إجراء انتخابات تتم في اجتماعات جماهيرية، وليس عن طريق انتخابات عامة.

وبذلك، تتكرر تجربة نقل السلطة على الطريقة الأفغانية، فيما يجري إعداد دستور جديد للعراق قبل نهاية عام 2005، غير أن مجلس الحكم العراقي لم يتوصل بعد إلى قرار حول كيفية تشكيل لجنة وضع الدستور.

عودة رابعة إلى الأمم المتحدة!

وكما تذبذب الموقف الأمريكي حول خطط نقل السلطة والجدول الزمني لها، تأرجح الموقف الأمريكي فيما يتعلق بالأمم المتحدة. فبعد أن اتسم خطاب بوش أمام مجلس الأمن قبل شهرين بالعنجهية والصلف، وطلب مساعدة المجتمع الدولي في العراق دون أن يكون للأمم المتحدة دور محدد ورئيسي فيما يحدث، تخطط الولايات المتحدة للعودة إلى مجلس الأمن للمرة الرابعة لتمرير قرار جديد يضمن اعتراف المجتمع الدولي بأول حكومة عراقية يتم تشكيلها بعد الحرب، ويفتح المجال أمام نشر قوات حفظ سلام تابعة للأمم المتحدة في العراق ولوكالات المنظمة العالمية بتقديم المساعدة في إعادة إعمار العراق. والجديد في الموقف الأمريكي، هو أنه يأمل في أن تشارك الأمم المتحدة في الإشراف على عملية اختيار الحكومة العراقية المؤقتة.

ومع أن وزير الخارجية كولن باول قال إنه من السابق لأوانه الحديث عن ذلك القرار، فإن مسؤولا كبيرا في الحكومة الأمريكية طلب عدم ذكر اسمه، أبلغ الصحفيين في واشنطن بأن إدارة الرئيس بوش تريد أن تمهد الطريق أمام توفير الشرعية للحكومة العراقية فور تشكيلها، حيث أن مباركة الأمم المتحدة لها ستشكل الخطوة الأولى في استراتيجية الخروج الأمريكي من العراق.

وقد التقى ستيفن هادلي، نائب مستشار الأمن القومي الأمريكي بأمين عام الأمم المتحدة كوفي عنان وبأعضاء مجلس الأمن لبحث الخطة الأمريكية. وقال المسؤولون في الأمم المتحدة، إن هناك ترحيبا بالاستراتيجية الأمريكية الجديدة مع استمرار التحفظات على الالتزام بإرسال قوات أو التعهد بتقديم المساعدات.

مصاعب ومخاطر جديدة

قد تبدو الخطة الأمريكية مخرجا سهلا ومنطقيا من الناحية النظرية، وخاصة أنها تستجيب للمطالب الدولية بسرعة نقل السلطة للعراقيين. لكن الدكتور توني كوردسمان، الخبير بمركز الدراسات الاستراتيجية في واشنطن يرى أن المحك الرئيس للفشل أو النجاح سيكون القدرة على تشكيل حكومة مؤقتة بدون زيادة حدة التوتر بين العرقيات المكونة لنسيج المجتمع العراقي، خاصة بين الشيعة والسنة مع الأخذ في الحسبان أنه، لا الزعماء العراقيون في عراق ما قبل الحرب، ولا زعماء المعارضة العراقية في المنفى مثل الدكتور أحمد الجلبي يتمتعون بخبرات عملية في شؤون الإدارة والحكم، وإنما تُـحرّكهم طموحاتهم الشخصية.

ويرى الدكتور كوردسمان أنه لو أتيحت الحرية لمناطق العراق المختلفة في اختيار حكومة مؤقتة، فمن الطبيعي أن تضغط بعضها باتجاه حكومة أكثر تمسكا بالإسلام، وهو هاجس يخيف الولايات المتحدة بالنظر إلى تجربة إيران المجاورة.

ولعل من بشائر تلك الصعوبة، إصرار الزعيم الروحي للشيعة في العراق آية الله علي حسين السيستاني على أن يتم اختيار أعضاء لجنة صياغة الدستور العراقي الجديد من خلال انتخابات عامة، ومن المرتقب أن يصر الشيعة الذين يشكلون حوالي 60% من الشعب العراقي على أن تكون الشريعة الإسلامية مصدر التشريع.

وإذا تمكنت الولايات المتحدة بالتعاون مع الأمم المتحدة من تشكيل الحكومة المؤقتة وتكليفها بمسؤولية حفظ الأمن والنظام، فمن أين ستأتي بقوات عراقية كافية، خاصة مع القرار المتسرع بتسريح كل أفراد الجيش العراقي؟ ومن الذي سيضمن عدم استخدام أي قوات عراقية شبه عسكرية يتم تدريبها في التخلص من المنافسين السياسيين تحت غطاء كبح جماح التمرد المتنامي في أنحاء العراق؟

ويركز بعض المحللين على مصاعب أخرى تتعلّـق بتشكيلة مجلس الحكم العراقي التي، وإن كانت تعكس الأغلبية الشيعية ممثلة بثلاثة عشر عضوا، والسنة بخمسة أعضاء، والأكراد بخمسة أعضاء، والمسيحيين بعضو واحد، والتركمان بعضو واحد، فإنها تظهر مدى صعوبة تلاقي الأهداف السياسية لكل من هذه المجموعات العرقية.

فبينما يسعى الأكراد إلى الحفاظ على ما يتمتعون به من حكم ذاتي وسيطرة على شمال العراق، يخشى السنّـة الذين حكموا العراق في ظل صدام حسين أن يشهد التشكيل الجديد للحكومة هيمنة شيعية، ولا يشعر المسيحيون بكثير من الاطمئنان لتحول في الحكم العراقي من العلمانية إلى حكم الشريعة الإسلامية.

هل يعيد التاريخ نفسه؟

ولعل تجربة الاحتلال الأمريكي للعراق تجسّـد المثل القائل "ما أشبه الليلة بالبارحة"، حيث تشهد بغداد المحتلة تكرارا لما حدث فيما بين عامي 1918 و1920 من عصيان مسلح ضد الحكم البريطاني، راح ضحيته حوالي 500 جندي بريطاني، واضطرت القوات البريطانية لمنح العراق استقلالا اسميا لتحكمه حكومة انتقالية بزعامة الملك فيصل الأول. وهاهو التاريخ يعيد نفسه.

فبعد 7 أشهر من الاحتلال العسكري الأمريكي للعراق، تكبّـدت قواته أكثر من 200 قتيل في عمليات العصيان أو المقاومة العراقية، واضطرت الولايات المتحدة للتخلي عن خططها الطموحة لاستمرار السيطرة على إدارة شؤون العراق لأجل غير مسمى، وأعلنت اعتزامها إنهاء سلطة الإدارة المدنية للاحتلال الأمريكي للعراق بحلول يونيو القادم.

ولكن، وكما لم تنسحب القوات البريطانية في الماضي بمجرد تشكيل حكومة مؤقتة بزعامة فيصل الأول، لا تعتزم الولايات المتحدة سحب قواتها من العراق في المستقبل القريب، ولم تُـخف واشنطن تلك النية. فقد صرح الرئيس بوش بأن هناك مساران مختلفان:

المسار السياسي، ويتعلق بعملية الانتقال بالعراق نحو الديمقراطية. والمسار الأمني، ويتطلب بقاء القوات الأمريكية في العراق إلى أن يتحول إلى مجتمع حر وقال "لن نغادر العراق قبل أن ننهي مهمتنا هناك".

أما وزير الخارجية كولن باول، فقد أوضح أن القوات الأمريكية ستبقى في العراق حتى يستطيع الشعب العراقي اختيار حكومة ديمقراطية تعيش بسلام مع جيرانها، وتستخدم عائدات نفطها لمنفعة الشعب.

وبطبيعة الحال، كرر صقر الحرب، دونالد رامسفلد وزير الدفاع الأمريكي القول بأنه "لا توجد خطة للانسحاب الأمريكي المبكر من العراق، وستبقى القوات الأمريكية طالما اقتضت الضرورة ذلك".

ولتوفير الشرعية للاستقلال الاسمي للعراق مع بقاء قوات الاحتلال الأمريكية، تطوع جلال الطالباني، رئيس الدورة الحالية لمجلس الحكم العراقي (لشهر نوفمبر) بالقول "إن الحكومة العراقية المؤقتة ستتولى لدى تشكيلها مهام ومسؤولية توفير الأمن، ولكنها ستتفاوض مع قوات التحالف للتحول من قوة احتلال إلى وجود عسكري في الأراضي العراقية".

وهو ما وصفه قائد في سلاح الطيران الأمريكي في تصريحات خاصة لسويس إنفو، أنه سيكون وجودا لمدة تتراوح بين 10 و15 عاما، كما حدث في تجارب بناء الدول بعد الحروب، سواء في ألمانيا أو اليابان بعد الحرب العالمية، أو في البوسنة وإقليم كوسوفو في السنوات الأخيرة.

محمد ماضي - واشنطن


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×