تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

حركة فتح الله غولن التركية.. نموذج إصلاحي غير قابل للاستِـنساخ

يموج العالم الإسلامي بكثير من تجارب الإصلاح، القليل النادر منها، تمكّـن من تحويل الأفكار إلى نموذج عمل يشهَـد به الواقع المُعاش، والغالب الأعم، ظلّ مجرّد دعوة نظرية أو رُؤية إيديولوجية لم تتمكّـن من التحوّل إلى خطّـة أو مِـنهاج عمل.

حركة فتح الله غولن التركية، هي من الصِّـنف الأول، إذ استطاعت أن تشكل رافِـدا مهمّـا من روافد التحوّل الاجتماعي والسياسي والتربوي، الذي تشهده تركيا منذ ثلاثة عقود على الأقل.

تركية المنشأ.. عالمِـية الهَـدف

لا تُعرف حركة غولن جيِّـدا في العالم العربي، ويرى القائِـمون عليها أنها حركة تُـركية المنشأ، ولكنها عالمِـية الهدف، إذ تسعى دائما إلى التمدّد خارج تركيا، عربيا وإسلاميا وأوروبيا، لا يحدّها شيء، بيْـد أن تمدّدها له طابَـع خاص. فهي لا تسعى إلى عمل سياسي أو فرض فِـكرة أو نموذج، كلّ ما تعمَـل على هديِـه، جُـملة أفكار تربوية وتعليمية، وضعها الشيخ فتح الله غولن، وتحوّلت على يَـد مريديه إلى مؤسسات مدنية، استطاعت أن تُـعيد الاعتِـبار مرة أخرى إلى منظومة قِـيم إسلامية في التربية والفِـكر والثقافة والتّـواصُـل مع الآخر.

ولا يرى أعضاء الحركة أنهم بصَـدَد تنظيم معيَّـن، بل هُـم حركة مدنية مُـجتمعية تُـراعي ظروف تركيا كما تراعي ظروف العالم الإسلامي في الخارج، إنهم شبكة من المؤسّـسات والمعارف والأنشطة، تترابط فيما بينها لتشكِّـل الحركة، التي يؤكِّـد منظرها وزعيمها الرّوحي على أنها ليست تنظيما له تَـراتبية في القيادة، بل مؤمنون بفِـكرة وقِـيم يحوِّلونها إلى سُـلوك جماعي ومجتمعي في آن. ولذا، فليس هدَفهم استِـنساخ حركتهم في أي بلد عربي أو إسلامي، وكل ما يهدِفون إليه، هو أن يتعرّف عليهم العالَـم الإسلامي كما هم.

الإصلاح وخِـبرات مُـقارنة

وهكذا، كان هدف المؤتمر الذي عُـقد في القاهرة قبل أسابيع بعنوان "مستقبل الإصلاح في العالم الإسلامي: خِـبرات مقارنة مع حركة فتح الله غولن التركية"، ونظّـمته ثلاث جهات: الأولى، مصرية وهي مركز الدِّراسات الحضارية وحِـوار الثقافات بجامعة القاهرة. والثانية والثالثة، تركيتان، وهما وقْـف أكاديمية العلوم والإنترنت ومجلة حراء التركية بإسطنبول، والتي تصدُر باللغة العربية وتوزّع في عدد من الأقطار العربية.

وأمام ما لا يقِـل عن خمس مائة مشارك، الكثير منهم قدِموا من بلاد عربية وإسلامية وإفريقية، انتظمت وقائِـع المؤتمر في إحدى القاعات الكبرى بالجامعة العربية بالقاهرة، والذي تحدّث فيه عدد من الباحثين والدّارسين المصريين والعرب والأتراك، وقدّمت فيه أوراق عدّة، بعضها قام على دراسة الأفكار الجامعة للشيخ فتح الله غولن، والآخر تعرّض لسيرته الشخصية وسعى إلى استخلاص دلالات تُـساعد على فهْـم التطوّر الفِـكري للشيخ الملهم. والثالث، احتوى على استِـخلاصات لعدد من الباحثين الذين زاروا تُـركيا لمرّة أو أكثر بدعوة من مؤسّـسات الحركة التعليمية أو الثقافية أو الخدمية، وحاولوا أن يتعرّفوا مُـباشرة على أسلوب الحركة في العمل وفي تنظيم العلاقة بين مؤسّـساتها، والتي يتحرّك كل منها كمؤسسة مستقلّـة، ولكنها ذات روابط مَـعنوية وفِـكرية مع باقي المؤسسات في آن واحد.

أولويات واهتمامات طويلة

وحسب الدِّراسات التي قُـدِّمت، يتّـضح أن حركة فتح الله غولن، ذات قائمة اهتمامات طويلة، تبدأ بمكافحة الفقر وتمُـر على التربية والتعليم وتصِـل إلى تقديم الخدمات الإغاثية وتُـعيد الاعتبار إلى مبدإ الحوار والانفتاح على الآخر واحترام معتقَـداته، أيا كان لونُـها واتِّـجاهها.

والفكرة الجامعة لكلِّ هذه الأنشطة، هي بناء الإنسان المُسلم وإعادة الاعتِـبار للمفاهيم الإسلامية، ذات الطابع الإنساني الواسع بحجْـم الكرة الأرضية كلّـها، دُونَـما اعتبار لجِـنس أو موقع أو عِـرق.

في إحدى الدِّراسات لباحثَـيَْن مصريين، وهما أيمن عبد الله شحاتة وعبد الله عرفان، ركّـزت على مُـقارنة بين برامج مكافحة الفقر في كل من مصر وتركيا، أشارت إلى تجربتيْ الجمعية الشرعية في مصر ومنظمة "هل من أحد هُـناك" التركية، وهي منظمة إغاثية بالأساس، لاسيما في مناطق النّـكبات والنِّـزاعات. وانتهت الدِّراسة إلى أنه بتحديد أولويات الأمّـة وأهداف الحركة في محاربة الجهل والفقر والفرقة، تمّ الشروع عن طريق المبادرات المُـنسّقة في تأسيس منظومة تعليمية من مدارس ومراكِـز تعليمية ومراكز ثقافية وجامعات، ممّـا يوفِّـر العمالة المُـتميزة، وتؤدّي فكرة التعاون إلى حفز رجال الأعمال لتأسيس تجمّـع لهم، يُعرف باسم (توسكونTUSCON) لتبادل الخبرات والمعارف التجارية والعلمية وتوسيع دوائر التعامل من الأطُـر المحلية الضيِّـقة إلى العالمية، الأمر الذي أتاح إمكانية خلْـق فُـرص عمل هائلة تُـساعد في تخفيض معدّلات البطالة والفقر عن طريق المشروعات الناجِـمة عن هذه المنظمة.

معالم رئيسية في حياة الشيخ

ووفقا لإبراهيم البيومي غانم، الأستاذ بالمعهد القومي للبحوث الاجتماعية، وبعد أن تتبّـع معالم رئيسية في حياة الشيخ فتح الله غولن، انتهى إلى أن الأستاذ، كما يلقِّـبه محبُّـوه، هو أحد الرموز الدعوية والفكرية التركية والعالمية المُـعاصرة، التي تسهم بطريقة منهَـجية مُـبرمجة وعلى نحو فعّـال في تجديد الخِـطاب الإسلامي وفي التحوّلات الجديدة التي تشهدها تركيا ذاتها من جهة، وتسهم من جهة أخرى، في تغيير الصورة النَـمطية القديمة عن تركيا على المستوى العربي بصفة خاصة، وعلى المستوى العالمي بصفة عامة، وتسهم أيضاً في رسم صورة جديدة لها ـ ربما لأول مرة ـ من خلال "القوّة الناعمة"، استِـناداً إلى رُؤية معرِفية تركِّـز على قِـيم الحرية والعدالة والمُـساواة والسلام واحترام حقوق الإنسان، عبْـر منظومة من المشروعات والمؤسسات والبرامج التعليمية والصحية والإعلامية والفنية والخدمية والإغاثية.

مفكِّـرون إصلاحيون وقادة حركيون

أما د. أماني صالح، وفي مداخلة لها على أفكار الشيخ غولن، رأت أن هناك فَـرقا بين المفكِّـرين الإصلاحيين وقادة حركات الإصلاح. فكثيرون ممّـن عاصرناهم، هم من مفكِّـري الإصلاح، وليسوا قادة لحركات إصلاحية وشتان بين المفهومين. فالتيارات الفِـكرية الإصلاحية، تظَـلّ في المَـقام الأول حركات نُـخبوية قاصِـرة، من حيث تأثيرها على شريحة محدودة من المثقّـفين.

أما الحركات الإصلاحية، فهي تنقل الفِـكر بنفسها ـ لا تنتظر مَـن يُـترجمه ـ إلى القاعدة العريضة من الناس لتغيِّـر المجتمع. وهكذا، يمكن وصف حركة الشيخ غولن أنها حركة نقلت الفِـكر إلى الواقِـع.

وتضيف د. أمانى صالح، أن سيرة الأستاذ غولن تؤكِّـد بما لا يَـدَع مجالاً للشكّ، قضية مِـحورية في المنظور الإسلامي، وهي الصِّـلة الوطيدة بين صلاح الفرد وصلاح الأمة، ذلك أن صلاح الأمة يبدأ بصلاح الفرد قائدا وينتهي بصلاح الأفراد من أحاد الناس، وأن أهَـم ما يميِّـز خطاب غولن الإصلاحي، هو مركزية قضية الإيمان فيه على نحو لا نجده في أي خطاب آخر لأي من المُـصلحين. فالإيمان في خطاب غولن، هو قيمة نهائية وهدف في حدِّ ذاته، وهو المُـكافأة التي يحصُـل عليها الإنسان، وليس الوسيلة المؤدِّية للمُـكافأة.

التربية الشمولية

وتحت عنوان "مفهوم التربية الشمولية لغولن وانعكاسه على المدارس"، قدّم الباحث التركي د. رجب قايماقجان تحليلا لرُؤية الشيخ غولن لمفهوم التعليم من منظور شمولي، إذ يرى أن مشكلة التعليم مشكِـلة جوهرية في العالم الحديث، وليس في تركيا فحسب. ويرى أن أساس أزمة المجتمع الحديث، هو تحطيم تكامُـل القلب والعقل في التعليم والفِـكر العلمي. ويقول، إن الفكر العلمي الحديث والنظام التعليمي، قطع الرابطة بين جميع العلاقات الإنسانية والاجتماعية والفِـكرية، وبين المقدّسات بطريقة وضعية في عدّة عصور. ويرى أنها المصادر المهمّـة للأزمات الأخلاقية والمعنوية والفكرية، التي تتعرّض لها المُـجتمعات الحالية. ويرى غولن أيضا أن الحلّ لهذه المشكلة يكمُـن في تحقيق تكامُـل القلب والعقل في التعليم، بنظرة شمولية إلى العلاقة بين الإنسان والكَـوْن والله.

وأحد المحاور الأساسية لفلسفة غولن التربوية، هو انتِـقاد مفهوم التعليم الجُـزئي الذي أفرزته الحداثة والذي كان السّـبب في الأزمة، كما كان السبب في اغتراب الإنسان عن ذاته.

إن غولن، وِفقا للدّكتور قايماقجان، رغم تلقِّـيه تعليمه في المدرسة الدِّينية، ولكنه ينتقِـد بشدة المدرسة الدِّينية وعقليتها بنظرة مخلصة. انتقاداته موجّـهة إلى برنامج المدرسة الدِّينية ومناهِـجها التعليمية من ناحية، وإلى عجْـز هذه المؤسسة عن استيعاب العقلية العِـلمية الموجودة في عصرنا من ناحية أخرى. علاوة على ذلك، فإنه لا يرى المدرسة الدِّينية عاجِـزة عن إدراك أهمية العلوم الوضعية فحسب، بل ينتقِـدها في الوقت نفسه من ناحية تجاهُـلها للتصوّف، الذي يُـمكن أن يطلق عليه روح الإسلام.

مئات من المدارس

لقد بدأ غولن في ثمانينات القرن الماضي فتْـح المدارس الخاصة ومعاهِـد الدروس الخاصة في تركيا. واليوم، تدير حركة غولن مدارس خاصة في مرحلة التعليم الابتدائي والإعدادي تتخطّـى أعدادها المئات. بعد تسعينات القرن الماضي، في فترة ما بعد الحرب الباردة، صار فتح المدارس نشاطاً في جميع أنحاء العالم، متجاوزاً حدود تركيا. وتوجد اليوم المدارس الخاصة التي يُطلَـق عليها "المدارس التركية" المفتوحة من قِـبل حركة غولن فيما يزيد عن 100 دولة في العالم. وبلا شك، أن الفهم التربوي والإنساني لغولن، المهندس المعماري للحركة، سيكون له تأثير داخِـل البرنامج الصريح والضّـمني في المفاهيم التربوية لهذه المدارس.

وتُرى المدارس كوسيلة في تنشِـئة جيل يُـطلَق عليه بتعبير غولن "الإنسان النموذجي"، "ورثة الأرض"، "الجيل الذهبي".

سباحة في المجال الحيوي

وما دامت هناك مدارس، فهناك فلسفة للتعليم يقول عنها د.سمير بوينار، إنها السباحة في المجال الحيوي، وخاصة مع حركة الأستاذ فتح الله غولن والتي يبدو من خلال دراسة طبيعة بِـنيَـتها وخصائصها الفِـكرية والتنظيمية، إنها نموذج جديد للعمل الإصلاحي العام. فهي ليست في الواقع حركة مركزية عُـضوية ولا تنظيما ولا جماعة أو طريقة، حيث يفسِّـر الأستاذ غولن نفسه، المسار الذي مضت عليه دعوته وتأسيس المؤسسات الكثيرة بتأثير من تلك الدعوة، بأن ما فعله هو أنه اقترح على الناس فكرة وأنهم يطبِّـقونها، بناءً على "معقولية الفِـكرة"، والدليل الواقعي على ذلك، هو أن الرابط بين كافة مؤسسات تلك الحركة ـ بما فيها مؤسسات التعليم ـ هو الفكرة وحدها مع استقلال كل مؤسسة منها بشكل كامل. وكما يقول غولن نفسه "نحن نلخِّـص خطّ كِـفاحنا، كورثـة الأرض بكلمتَـيْ الحركية والفِـكر، وإن وجودنا الحقيقي، لا يتم إلا عبْـر الحركية والفِـكر... حركية وفِـكر قادران على تغيير الذّات والآخرين.

الدّين يُـغيِّـر تركيا

وعن الدِّين في تركيا والتغيّـرات الاجتماعية وفتح الله غولن، قدم الكاتب التركي علي بولاج رُؤيته معتبِـرا أن حركة غولن، هي مؤشر مهِـم للتغير الاجتماعي الأساسي، الذي يحدُث فى تركيا. فقد تَـمركَـزت الحركة في البداية في أرضروم، وحينذاك، اتّـسمت بالمحلية. فلمّـا ارتحل الأستاذ فتح الله غولن إلى إزمير وإسطنبول، اتّـسمت بالقومية، ثمّ اتّـسعت رُقعتها بعد ذلك منذ بداية التسعينات واصطبغت بالصّـبغة العالمية، وهذه الأمور جميعها تدُل دلالة واضِـحة على التغير السياسي والاجتماعي، الذي حلّ بتركيا في تلك الآونة.

ويؤكِّـد بولاج على أن حركة الأستاذ غولن قد أسهمت في الاتِّـجاه إلى العولمة، نظرا لاستفادتها من إمكانيات ومميِّـزات العولمة في تركيا وفتحها للمدارس وسعيِـها إلى إقامة جُـسور من الحِـوار، لم تؤثر تركيا في أي مجال في ظل العولمة، سوى هذيْـن المجاليْـن اللذين أشرنا إليهما.

أما السِّـمة الرئيسية الأخرى واللاّفتة للنظر في حركة فتح الله غولن، فهي اعتماد الحركة وسط المدينة الحديثة على ما ورثته من أعراف وتقاليد، وقِـيامها بإنشاء جماعة مدنية، مع الاستِـفادة من إمكانيات الدِّين، كما أنها أسهَـمت في ترسيخ المدنية وتوطِـيد الديمقراطية في تركيا وزيادة الدّخل القومي عن طريق الحضّ على زيادة الإنتاج الاقتصادي.

فى الآن نفسه، تعتمد الحركة في مرجِـعيتها على الفِـكر والقائد معا. وأهمّ ما تتّـسم به هذه الجماعة، أنها اجتماعية وقومية ومنظمة، لديها استِـعداد للانفِـتاح على العالم، وبذلك، فهي ليست طريقة صُـوفية. فغالِـبا ما يتِـم الخلْـط بين الجماعة والطريقة، وقائد الجماعة كذلك، ليس بشيخ.

فالنّـمط التنظيمي للجماعات، نمط تاريخي يضُـم بين جوانِـحه عددا كبيرا من التجّـار والصنّـاع وأرباب الحِـرف، كما تستمدّ الجماعة إطارها الشرعي من أصول الفِـقه المُـستقاة من الإسلام السُـني، والتي يقرّها علماء الإسلام. وترغِّـب التّـناغم والتّـوافق مع المدينة، والاشتراك في الحياة الحديثة وتسعى إلى أن تتبوّأ مكانتها بين الناس وتؤثِّـر فيهم، كما أن لديها استعدادا كاملا في الانسجام مع العولمة، ولذلك، ظهرت قاعدتان بشريتان: إحداهما، الطبقة المتوسطة التي ترتقي بالتّـدريج وتتضمن التجار والصناع وأرباب الحِـرف المُـتديِّـنين في الأناضول. وثانيهما، طوائف حصلت قدرا معيّـنا من التعليم، وكِـلا الجناحيْـن يقودان الحركة وتركيا معاً نحْـو العالمية.

د. حسن أبوطالب - القاهرة – swissinfo.ch

نبذة عن حياة الأستاذ فتح الله كولن
ولد الأستاذ محمد فتح الله كولن في 27 نيسان عام 1941 في قرية صغيرة تابعة لقضاء (حسن قلعة) ‏المرتبطة بمحافظة أرضروم، وهي قرية كوروجك ونشأ في عائلة متدينة، وكان والده (رامز أفندي) شخصاً ‏مشهوداً لـه بالعلم والأدب والدين، وكانت والدته (رفيعة خانم) سيدة معروفة بتدينها وبإيمانها العميق بالله، ‏وقامت بتعليم القرآن لابنها محمد ولما يتجاوز بعد الرابعة من عمره، حيث ختم القرآن في شهر واحد. وكانت ‏أمه توقظ ابنها وسط الليل وتعلمه القرآن.¶

كان بيت والده مضيفاً لجميع العلماء والمتصوفين المعروفين في تلك المنطقة لذا تعود محمد فتح الله مجالسة ‏الكبار والاستماع إلى أحاديثهم. وقام والده بتعليمه اللغة العربية والفارسية.¶

درس في المدرسة الدينية في طفولته وصباه، وكان يتردد إلى (التكية) أيضاً، أي تلقى تربية روحية إلى ‏جانب العلوم الدينية التي بدأ يتلقاها أيضاً من علماء معروفين من أبرزهم (عثمان بكتاش) الذي كان من أبرز ‏فقهاء عهده، حيث درس عليه النحو والبلاغة والفقه وأصول الفقه والعقائد. ولم يهمل دراسة العلوم الوضعية ‏والفلسفة أيضاً. في أثناء أعوام دراسته تعرف برسائل النور وتأثر بها كثيراً، فقد كانت حركة تجديدية وإحيائية ‏شاملة بدأها وقادها العلامة بديع الزمان سعيد النورسي مؤلف (رسائل النور).‏¶

وبتقدمه في العمر ازدادت مطالعاته وتنوعت ثقافته وتوسعت فاطلع على الثقافة الغربية وأفكارها وفلسفاتها ‏وعلى الفلسفة الشرقية أيضاً وتابع قراءة العلوم الوضعية كالفيزياء والكيمياء وعلم الفلك وعلم الأحياء...إلخ.¶

عندما بلغ محمد فتح الله العشرين من عمره عيّن إماماً في جامع (أُوجْ شرفلي) في مدينة (أدرنة) حيث ‏قضى فيها مدة سنتين ونصف سنة في جو من الزهد ورياضة النفس. وقرر المبيت في الجامع وعدم الخروج إلى ‏الشارع إلا لضرورة.‏¶

بدأ عمله الدعوي في أزمير في جامع (كستانه بازاري) في مدرسة تحفيظ القرآن التابعة للجامع. ثم عمل ‏واعظاً متجولاً، فطاف في جميع أنحاء غربي الأناضول. وفي خطبه ومواعظه كان يربي النفوس ويطهرها من ‏أدرانها، ويذكرها بخالقها وربها ويرجعها إليه. كانت النفوس عطشى، والأرواح ظمآى إلى مثل هذا المرشد ‏الذي ينير أمامها الطريق إلى الله تعالى وإلى رسوله الكريم صلى الله عليه و سلم‏.‏¶

وكان يجوب البلاد طولاً وعرضاً كواعظ متجول يلقي خطبه ومواعظه على الناس في الجوامع. كما كان ‏يرتب المحاضرات العلمية والدينية والاجتماعية والفلسفية والفكرية.‏¶

ويعقد الندوات والمجالس واللقاءات الخاصة يجيب فيها على الأسئلة الحائرة التي تجول في أذهان الناس ‏والشباب خاصة ولا يعرفون لها أي جواب مما كان يلقي بهم في مهالك الشبهة والإلحاد. فكانت أجوبته هذه ‏بلسماً شافياً لعقول وقلوب هؤلاء الشباب والناس مما جعلهم يلتفون حوله ويطلبون إرشاداته. كما حثّ أهل ‏الهمة والغيرة على الاهتمام بمجال التعليم. ونتيجة لذلك قام هؤلاء الذين استفادوا من أفكاره - دون انتظار ‏أي نفع مادي أو دنيوي - وضمن إطار القوانين المرعية في تركيا بإنشاء العديد من المدارس والأقسام الداخلية، ‏وبإصدار الجرائد والمجلات وإنشاء المطابع وتأليف الكتب ومحطة إذاعة وقناة تلفزيونية. وبعد انهيار الاتحاد ‏السوفيتي انتشرت هذه المدارس في العالم بأسره، وخاصة في دول آسيا الوسطى التي عانت من الاحتلال ‏الروسي ومن الإلحاد الشيوعي سبعين عاماً تقريباً.¶

التسامح والحوار

بدأ الأستاذ فتح الله - ولا سيما بعد عام 1990 - بحركة رائدة في الحوار والتفاهم بين الأديان وبين ‏الأفكار الأخرى متسمة بالمرونة والبعد عن التعصب والتشنج، ووجدت هذه الحركة صداها في تركيا ثم في ‏خارجها. ووصلت هذه الحركة إلى ذروتها في الاجتماع الذي تم عقده في الفاتيكان بين الشيخ فتح الله وبين ‏البابا إثر دعوة البابا لـه. لقد آمن بان العالم أصبح -بعد تقدم وسائل الاتصالات- قرية عالمية لذا فان أي ‏حركة قائمة على الخصومة والعداء لن تؤدي إلى أي نتيجة إيجابية، وأنه يجب الانفتاح على العالم بأسره، ‏وابلاغ العالم كله بان الإسلام ليس قائماً على الإرهاب -كما يصوره أعداؤه- وان هناك مجالات واسعة ‏للتعاون بين الإسلام وبين الأديان الأخرى.¶

(المصدر: موقع الأستاذ محمد فتح الله غولن)

نهاية الإطار التوضيحي


وصلات

Neuer Inhalt

Horizontal Line


subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

swissinfo en arabic en Facebook

دعوة للإشتراك في صفحتنا بالعربية على فايسبوك

تفضّلوا بالإنضمام إلى صفحتنا العربية على فايسبوك

×