Navigation

حـركية خارجية وتكتيكات داخلية

عبدو ضيوف، الأمين العام للمنظمة الدولية للفرنكوفونية مستقبلا الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة لدى حلوله في مطار واغادوغو يوم 26 نوفمبر 2004 Keystone

عرفت الجزائر خلال الأسبوعين الأخيرين حـراكا سياسيا داخليا ونشاطا آخر دبلوماسيا، قلّما يجتمعان في فترة وجيزة كهذه.

هذا المحتوى تم نشره يوم 26 نوفمبر 2004 - 14:09 يوليو,

ومع أن هذه التطورات مهمة للغاية، إلا أن السؤال يظل قائما بشأن ماهيتها. أهي مجرد مصادفات وأقدار، أم أنها "تكتيكات" الرئيس عبد العزيز بوتفليقة؟

في خضم الحديث عن التغيّـرات الاقتصادية التي تشهدها الجزائر حاليا عن طريق برامج خصخصة شاملة، ترفع شعار بيع كل المؤسسات التابعة للقطاع العام إلى الخواص، فجّـر الرئيس عبد العزيز بوتفليقة مفاجأة من العيار الثقيل، لم يُـخرجها إلى العلن عن طريق خطابات وبيانات رنانة، بل عبر تسريبات لبعض الصحفيين والسياسيين تحدثت عن "قرب إصدار عفو شامل يَـطال كل قيادات الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة الموجودين حاليا في الخارج، ومن ضمنهم رابح كبير، المقيم حاليا في ألمانيا".

وفي أبجديات السياسة الداخلية الجزائرية، يُـعتبر العفو عن قيادات الجبهة (إن صح) مطية لعفو آخر يجب أن يقبلوا به في إطار ما يُعرف بـ "شرف المقاتلين"، ويتمثل في العفو أيضا عن رجال الأمن ومن ساندهم من المدنيين في عمليات القمع الواسعة التي تعرّض إليها الإسلاميون ما بين عامي 1993 و1998، وكان من نتائجها مقتل وجرح آلاف الأشخاص.

ويرى مراقبون أنه لا مفر لقيادات الجبهة المحظورة من القبول بعفو شامل يَـطالها ويَـطال غيرها، لأن المنتسبين إلى التيار الإسلامي بالحق أو بالباطل عُفي عنهم، وخاصة التابعين منهم إلى "الجماعة الإسلامية المسلحة" ذات التوجهات المماثلة لمجموعات التكفير والهجرة، التي ذبحت وقتلت الآلاف من الأبرياء باسم الإسلام، ثم عفا بوتفليقة عن المئات ممّـن تبقى منهم في إطار قانون الوئام المدني، بل وأمر بعمليات ترحيل واسعة النطاق تمثلت في تغيير مقرات إقامة المعفو عنهم، خوفا من انتقام عائلات الضحايا وأقاربهم.

من جهة أخرى، لا مفر للجبهة الإسلامية للإنقاذ من الاعتراف بأنها مُصابة هي الأخرى بنفس أعراض الطبقة السياسية الجزائرية، إذ لا أحد من قياداتها ربط صراحة بين العفو عنه شخصيا وبين التنازل التاريخي عن المطالبة بمعاقبة بعض قيادات الجيش، المتهمة بالمبالغة في الحرب التي شنتطيلة التسعينات على الجماعات المسلحة.

معاناة رئيس الحكومة..

مهما يكن من أمر، يُـعتبر بوتفليقة بإعلانه خطوة كهذه "فائزا" بكل المقاييس، لأنه حافظ على نظام الدولة الجزائرية كما يفهمها، ولأنه أوفى بوعوده لأولئك الذين ساعدوه عام 1999 في الوصول إلى سدّة الحكم، بإنهاء مشاكلهم، وضمان إكمالهم لحياتهم بهدوء وسط عائلاتهم، وليس في زنازين تابعة للمحكمة الجنائية الدولية.

في المقابل، يُـنتظر أن تتمرد منظمات عائلات ضحايا الإرهاب على هكذا قرار، لأنه يمثل ضربة قاسية لمصداقيتها السياسية القائمة على ما تعتبره "شرعية تاريخية"، أساسها الحرب على الجماعات المسلحة، علما أن كل هذه التنظيمات وقفت مع بوتفليقة خلال الانتخابات الرئاسية الماضية، بأمر من رئيس الحكومة أحمد أويحيى، الذي يملك "أثر السحر عليها" مثلما يقول البعض، لأنه من أشد المعارضين لكل ما يمكن أن يؤدي إلى قيام دولة دينية، ولأنه أظهر صلابة كبيرة في حربه ضد الجماعات المسلحة أواسط التسعينيات.

في الوقت ذاته، قد لا يُـجدي "التمرد" نفعا، بما أن أويحيى نفسه يعاني من سياسات الرئيس (الذي تزعم بعض المصادر أنه ورّط رئيس حكومته) بعدما أن أمره بإصدار قانون يمنع تعامل الشركات التابعة للدولة مع مؤسسات الإشهار الخاصة، كما أصدر أويحيى قانونا آخر يحظر تعامل المؤسسات التابعة للدولة مع البنوك الخاصة.

لقد عانى أويحيى من تبعات هذين القانونين، حيث تعرض لانتقادات الاتحاد الأوروبي ووزارة الخارجية الأمريكية، بالإضافة إلى كل سفارات الدول الأوروبية في الجزائر، التي اعتبرته قراراته "تراجعا فظيعا إلى الوراء، وتخليا عن تعهدات الجزائر بالمُـضي قُـدما في اقتصاد السوق".

من جهة أخرى اضطر أويحيى للتعاطي مع "تمرّد" وزراء المالية والاقتصاد والطاقة في حكومته على ذات القوانين التي أصدرها بأمر من الرئيس بوتفليقة، علما بأن الوزراء الثلاثة هم من أقرب المقربين لبوتفليقة. أما القشة التي قد تقصم ظهر البعير فهو الأمر الذي أصدره أويحيى (بأمر من الرئيس) بخصخصة كل مؤسسات الدولة وبيعها للقطاع الخاص، الأمر الذي يمثل تناقضا واضحا بين الأوامر التي أصدرها للمؤسسات العمومية، ورغبته في التفويت فيها.

هناك من اعتبر أن وراء هذه الهلوسة السياسية أمر دُبّـر بليلٍ، لأن بوتفليقة لا يمكنه ضمان نجاح سياساته القائمة على إرضاء الجميع بهدف الوصول إلى السلّـم الشامل إلا بتوريط أصحاب "الرؤوس الصلبة" في خطوات تُـحرجها وتجعلها تقبل بحلول الرئيس، كي تخرج من ورطتها. وهناك من قال إن على أويحيي (الذي يرغب في أن يُصبح الرئيس المقبل للبلاد)، أن يقبل بمجموعة من الشروط والتنازلات، من بينها إقرار العفو الشامل، وتهدئة منظمات عائلات ضحايا الإرهاب.

مساعدة غربية وشطب الديون!

وفي مثل هذه الظروف، لم يتردد الرئيس الجزائري في الإعراب عن افتخاره باحتضان الجزائر لحدثين اثنين ميّـزا الأيام الأخيرة، وهما لقاء "الشراكة من أجل تنمية إفريقيا" أو ما يُعرف بـ "النيباد" (NEPAD)، ولقاء خمسة زائد خمسة الذي يضم خمس دول من جنوب غرب أوروبا، و هي مالطا وإيطاليا وفرنسا وأسبانيا والبرتغال، والدول الخمس المشكلة لاتحاد المغرب العربي، وهي ليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا.

بالنسبة لمؤتمر "النيباد"، فقد حضره 20 رئيس دولة حكومة إفريقية، تناقشوا حول مسألة الحكم الراشد في القارة التي تعاني من أقسى أنواع الحكم الفاسد، كما تابع النقاش ممثلون عن أهم التكتلات السياسية والاقتصادية في العالم، واعتبر رؤساء الدول الإفريقية، ومن بينهم بوتفليقة، ورئيس نيجيريا أوباسانجو، أن القارة السمراء نجحت في جلب استثمارات دولية لا بأس بها، بلغت نسبة نموها 4% في الآونة الأخيرة.

هذا ما قيل في خطب قصيرة حضرتها الصحافة، وعندما غابت، اجتمع الزعماء الأفارقة في جلسة مغلقة، رشح منها أن بعضا منهم ممن يحكمون دولا تقع جنوب الصحراء، طالبوا بمساعدات غربية أكبر، وبمسح شامل لديونهم على غِـرار ما حدث للعراق، لأن مطالبتهم بالتنمية والحكم الراشد يجب أن يستند على ما هو منطقي.

الإرهاب والهجرة السرية

وبمجرد انتهاء لقاء النيباد، بدأت التحضيرات في مدينة وهران،(400 كلم غرب العاصمة)، لاحتضان لقاء وزراء خارجية مجموعة 5 زائد 5، الذي وضع نصب عينيه ثلاثة مسائل: أولها، الأمن في غرب المتوسط، وثانيها، تنمية منطقة المغرب العربي اقتصاديا، وثالثها محاربة الهجرة غير الشرعية.

عمليا، اتفق وزراء خارجية الدول العشرة، على شيئين اثنين: تدعيم وسائل مكافحة "الإرهاب والجريمة المنظمة"، بالإضافة إلى إقحام خمس دول من شرق أوروبا في هذا النظام.

في المقابل اختلفوا على وسائل محاربة الهجرة السرية من الضفة الجنوبية للمتوسط باتجاه أوروبا. فقد قوبل مقترح بعض الأورويين إقامة مراكز عبور فوق أراضي دول الإتحاد المغاربي برفض المغاربيين، وقالوا على لسان عبد العزيز بلخادم، زير خارجية الجزائر، إن هذا الطلب غير إنساني، وعلى هذا الأساس، تجب مطالبة دول القارة الإفريقية بمزيد من الجُـهد لمحاربة الظاهرة، الأمر الذي يُـعتبر فشلا ذريعا للمجتمعين في مدينة وهران.

التكامل الاقتصادي

أما بخصوص ملف التكامل الاقتصادي بين دول اتحاد المغرب العربي، فقد أضحى هذا الأمر صُـداعا مزمنا لا يمكن معالجته عبر اللقاءات البينية بين المسؤولين المغاربة والأوروبيين، مثلما كشفت عنه مجريات اجتماع وهران.

ومن الأهمية التذكير بالمدة الزمنية التي استغرقها لقاء واجتماع خمسة زائد خمسة. فالأول، لم يزد على أربع ساعات، والثاني على ساعتين لا غير، سبقهما صخب إعلامي ضخم، استفاد منه عبد العزيز بوتفليقة، الذي قال بأن الدبلوماسية الجزائرية بـ "ألف خير".

قد يكون هذا صحيحا، إذا ما اقتصر الأمر على إحصاء عدد الدبلوماسيين الأجانب الحاضرين في كلا اللقاءين. لكن هل يمكن لمشاكل القارة الإفريقية ومنطقة المغرب العربي أن تناقَـش في ست ساعات بحضور ثلاثين رئيس دولة وحكومة، ووزراء خارجية من أوروبا وإفريقيا والولايات المتحدة؟.

ربما ينطبق على وضع كهذا ذلك المثل الجزائري الشهير القائل: "المناحة عظيمة والميت فأر"!

هيثم رباني - الجزائر

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.