تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

خاتمي في بيروت: بين الممكن والمتاح!

حظي الرئيس الإيراني في لبنان باستقبال لم يسبق له مثيل لأي رئيس أجنبي

(Keystone)

هل كانت زيارة الرئيس محمد خاتمي إلى لبنان بمثابة توديع للحياة السياسية، أم كانت هجوما إستراتيجيا لإثبات الوجود الإصلاحي داخل إيران وخارجها؟

هذا السؤال الهاجس طغى على كل تفاصيل زيارة خاتمي للبنان، رغم الأهمية التي حظيت بها هذه الزيارة.

في جانب، وقف بعض المقربين من "حزب لله" اللبناني (والذي يتبع إيديولوجيا مرشد الثورة الإيرانية على خامنئي) يقول لسويس أنفو "إنه لا يجب تحميل خطوة خاتمي أكثر مما تحتمل. فالرئيس بلغ نصف ولايته الثانية، ووفق الدستور الإيراني، لا يحق له الترشّح لولاية رئاسية ثالثة".

إلى ذلك، يضيف المقربّون، أن خاتمي ليس هو الرجل القوي أو الحاكم الحقيقي في إيران، إنه يلي مرجعيتين كبيرتين. أولهما، خامنئي نفسه. وثانيهما، رئيس السلطة القضائية شهروردي.

هذا ناهيك عن أن ولي الفقيه يتقدم الرئيس، والحرس الثوري يتقدم الجيش النظامي، ومجلس تشخيص مصلحة النظام يتقدم مجلس النواب، والمستشارية الثقافية تتقدم وزارة الثقافة.

وأعاد المقرّبون من حزب الله إلى الأذهان أن كل هذه المناصب المتقدمة هي في قبضة "الثوريين" الإيرانيين (أي المحافظين)، هذا إضافة إلى أن الإصلاحيين خسروا مؤخرا الانتخابات البلدية.

في المقابل، يقول رجل ديني شيعي بارز لصحيفة "الزمن" إن زيارة خاتمي للبنان كانت مقررة في شهر ديسمبر الماضي، لكنه أرجأها بسبب الأوضاع المتدهورة في المنطقة، كما قيل آنذاك. لكن الأوضاع الآن لا تقل تدهورا، ومع ذلك، قرر الرئيس الإيراني القيام بها.

لماذا؟ لأنه، برأي رجل الدين، يريد تأكيد رغبته في المشاركة في اللعبة الاستراتيجية الكبرى التي تجري في الشرق الأوسط هذه الأيام.

وكانت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية ذكرت يوم الأربعاء أن مستشاري خاتمي نصحوه بتأجيل الزيارة، كي لا يتورط بمواقف إقليمية قد تنعكس عليه سلبا في الداخل الإيراني، لكنه رفض.

التماسك

أي وجهتي النظر على حق؟ يبدو أن الرياح تهب في أشرعة الرأي الثاني. فخاتمي في بيروت تصّرف وكأنه الرئيس الفعلي في إيران، وهذا بدا واضحا أساسا من خلال مواقفه العلنية ومحادثاته الخاصة مع زعيم حزب الله الشيخ حسن نصر الله.

وينقل الكاتب اللبناني إبراهيم الأمين المقّرب من نصر الله عن خاتمي المواقف الآتية خلال لقائه به:

. أدعو إلى تماسك لبنان وسوريا وإيران "في وجه الضغوط الأمريكية القوية والجّدية هذه الأيام". وما دام هناك حق، فعلينا الدفاع عنه.

. ما يقوم به حزب الله، مصدر اعتزاز إيران قيادة وشعبا. وقد سمعت من المسؤولين اللبنانيين إشادات بسياساتكم وسلوكياتكم وتقديرا لدوركم، ولم أسمع من أي طرف إلا الكلام الحسن عنكم.

. المخاطر الراهنة في المنطقة توجب الانتباه.

هذا ما قيل أنه جرى بين محمد خاتمي وحسن نصر الله. بيد أن الرئيس الإيراني كان أطلق في حشد جماهيري في المدينة الرياضية ببيروت، بلغ نحو 50 ألف شخص، كلاما يدور حول ضرورة العمل على الحفاظ على الاستقرار في الشرق الأوسط، وعدم إعطاء إسرائيل فرصة لاستخدام القوة".

وفسر البعض هذا بأنه دعوة صريحة إلى "حزب الله" بعدم القيام بعمليات عسكرية عبر الحدود اللبنانية. لكن مساعدي خاتمي كانوا يبلغون رؤساء تحرير الصحف اللبنانية بأن رسالة خاتمي هذه موجّهة إلى الجميع في التحالف اللبناني – السوري- الإيراني، وليس فقط إلى حزب الله.

العصا من وسطها

بدا واضحا أن الرئيس الإيراني كان حريصا على أن يمسك بالعصا من الوسط حيال كل القضايا، وليس فقط حيال قضية حزب الله.

فقد أدان التعريف الأمريكي للإرهاب (والذي يعتبر حزب الله إرهابيا). لكنه في الوقت نفسه، كان يرفض شن الهجمات على المدنيين، ويعتبره إرهابا يسعى إلى تحقيق أهداف سياسية، ولم يعلن معارضة قوية لما يسميه حزب الله احتلالا أمريكيا للعراق، لكنه دعا الولايات المتحدة إلى الانسحاب من العراق.

وأثنى الرئيس الإيراني على التحالف الاستراتيجي الإيراني – السوري، لكنه لم يدخل فيه أعمال العنف التي قد يقررها هذا التحالف.

كل هذه المواقف الوسطية يمكن أن تفيد لضرب عصفورين بحجر واحد، إعادة شيء من البريق لدور الإصلاحيين في إيران، والسماح للمحافظين في الوقت ذاته اعتبار جولته العربية نوعا من الرسالة إلى الأمريكيين، بأن طهران ستقاوم بشدة المحاولات الأمريكية لقطع أصابعها في الشرق العربي.

بالنسبة للنقطة الأولى، ليس صدفة أن تتزامن جولة الرئيس الإيراني مع البيان الذي أصدره 154 نائبا إصلاحيا إيرانيا، يحّمل المسؤولين المحافظين أسباب كل الأزمات التي تمر بها إيران.

وجاءت هذه الرسالة كجزء من الحملة التي يشنّها الإصلاحيون لدعوة المحافظين إلى إطلاق يدهم في الداخل، بهدف تحصين الوضع الداخلي الإيراني في مواجهة التهديدات الأمريكية المتصاعدة.

أما النقطة الثانية، فتبرز أهميتها، إذا ما وضعنا بعين الاعتبار ما قالته مصادر لبنانية قريبة من سوريا لسويس انفو، من أن الشرط الأول الحقيقي الذي تضعه الولايات المتحدة على سوريا، لا يتعلق بإرسال الجيش اللبناني إلى الجنوب، ولا بإغلاق مكاتب حماس والجهاد والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة، ولا حتى تجريد "حزب الله" من السلاح، بل هو إنهاء التحالف السوري – الإيراني.

وأضافت المصادر أن وزير الخارجية الأمريكي كولن باول شدّد كثيرا على هذه النقطة خلال زيارته الأخيرة إلى دمشق، عبر تلميحه المتكرر بأن "الوجود العسكري الأمريكي غيّر الاسترتيجيا الشرق الأوسطية، وبالتالي، بات على دول المنطقة أن تغّير كل إستراتيجياتها السابقة".

الانفتاح الثقافي

ماذا عن الجانب الثقافي من زيارة خاتمي؟ معروف، أولا أن الرئيس الإيراني، هو أحد أبرز دعاة الحوار الحضاري بين الحضارتين الإسلامية والغربية. والمثير هنا أن خاتمي أطلق حملته الانتخابية – الثقافية للرئاسة الإيرانية من لبنان، وبالتحديد من بلدة أنطلياس المسيحية قرب بيروت عام 1996 (تولى خاتمي السلطة عام 1997)، حين أعلن سلسلة من المواقف الفكرية والثقافية الداعية إلى الحوار الحضاري.

وقد كرر الآن الأمر نفسه خلال هذه الزيارة، إذ حرص على إلقاء محاضرة في الجامعة اليسوعية في بيروت (معقل الفكر المسيحي اللبناني والفرنكوفوني)، ركّـز فيها على الأفكار الرئيسة التالية:

. يجب التمييز بين جوهر الدين كمقدس، وبين تصورات الإنسان عنه أمر محدود ونسبي.

. يجب أن ينطلق الحوار من فهمنا كبشر للنص الديني. وهذا الفهم عرضة للتغيير باستمرار.

. قام الغرب بمنجزات لا يمكن تجاهلها، بل يجب الأخذ بها من غير أن نستلب في قيمنا.

. الإسلام والمسيحية متقاربان جدا، لكن التاريخ لم يظهر هذه الحقيقة.

ومعروف أن لخاتمي ثلاثة كتب هي: "بِـيَـمّ مَـوج"، "مطالعات في الدين والإسلام والعصر"، و"مدينة السياسة".

سعد محيو - بيروت


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×