دارفور قد تتحول إلى مسرح للتدخل الدولي

اطفال مرحلون يلعبون بالحبل جوار مخيم أبوشوك في شمال إقليم دارفور الذي يضم أكثر من 40 ألف لاجئ سوداني (الصورة التقطت يوم 1 سبتمبر 2004) Keystone

يستعد مجلس الأمن الدولي للنظر مجددا في حقيقة الأوضاع في إقليم دارفور غرب السودان بعد أن أعلنت واشنطن اعتزامها تقديم مشروع قرار جديد حول القضية.

هذا المحتوى تم نشره يوم 06 سبتمبر 2004 - 10:51 يوليو,

وعلى الرغم من الجهود التي تبذلها الحكومة السودانية وأطراف عربية وإقليمية ودولية إلا أن الأحداث تتحرك برأي خبراء التقتهم سويس إنفو في واشنطن باتجاه المزيد من التدويل للصراع في الإقليم.

تتحرك الأحداث بسرعة في اتجاه المزيد من التدويل للصراع في دارفور خاصة بعد أن أعلنت الولايات المتحدة اعتزامها تقديم مشروع قرار جديد إلى مجلس الأمن حول قضية دارفور في ضوء تقييم واشنطن لأكثر من ألف ومائة مقابلة أجرتها مع اللاجئين من دارفور إلى تشاد للتوصل إلى تحديد قاطع لما إذا كانت أعمال العنف التي وقعت في الإقليم قد انطوت على عمليات إبادة جماعية أو تطهير عرقي، وسيدلي وزير الخارجية الأمريكية كولن باول بشهادته حول الوضع في تشاد أمام لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي يوم الخميس 9 سبتمبر.

ويشير سيناريو الأحداث إلى عدم رضا الولايات المتحدة عن اللين الذي تستخدمه الأمم المتحدة مع الحكومة السودانية حيث لم تخف واشنطن استياءها من التقرير الذي قدمه مبعوث الأمم المتحدة في السودان يان برونك إلى مجلس الأمن والذي طالب فيه حكومة الخرطوم بالسماح بنشر أكثر من ثلاثة آلاف جندي من القوات الدولية لإخماد العنف في دارفور دون أن يربط التقرير بين مواصلة ميليشيا الجنجاويد العربية عمليات العنف وبين دعم الحكومة السودانية لها.

وقال المتحدث باسم الخارجية الأمريكية ريتشارد باوتشر إن حكومة الخرطوم لم تلتزم بشكل كامل بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 1556 الخاص بدارفور وأخفقت في الوفاء بتعهداتها وقف العنف وحماية المدنيين في الإقليم. وأضاف بأنه تم التأكد بالوثائق من عدة مصادر بأن الحكومة السودانية وميليشيا الجنجاويد واصلتا هجماتهما ضد المدنيين في دارفور. وفيما استبعد المتحدث باسم الخارجية الأمريكية أن يقترح وزير الخارجية باول على مجلس الأمن فرض عقوبات فورية على السودان أكد أن احتمال فرض العقوبات وارد ولكنه ليس الخيار الفوري.

لماذا تأخر الرد الأمريكي؟

وجهت سويس إنفو هذا السؤال إلى الدكتور ستيفن موريسون مدير برنامج الشئون الإفريقية بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن فقال إن الولايات المتحدة كانت منشغلة في الحرب في العراق وما تبعها من تطورات ولكنه أشار إلى أن إدارة الرئيس بوش اهتمت اهتماما بالغا بالوضع في دارفور في الآونة الأخيرة وظهر ذلك جليا في زيارة وزير الخارجية الأمريكية كولن باول للمنطقة والضغوط الأمريكية المتواصلة من أجل أن تبذل حكومة الخرطوم قصارى جهودها لوقف العنف والنهب في دارفور، كما أن وزير الخارجية باول سيدلي بشهادته حول الوضع في دارفور أمام مجلس الشيوخ الأمريكي يوم الخميس وستقود الولايات المتحدة حملة دبلوماسية بالتشاور مع الدول الأعضاء في مجلس الأمن لاتخاذ ما يلزم من إجراءات لوقف العنف في دارفور.

ونفى الدكتور موريسون في لقائه مع سويس إنفو أن يكون هناك تنافس أمريكي فرنسي في دارفور وأشار إلى أن فرنسا تتعاون مع تشاد بحكم العلاقة التاريخية بينهما خاصة وأن معظم اللاجئين من العنف في دارفور فروا إلى تشاد بمئات الآلاف وهو أمر كفيل بزعزعة الاستقرار فيها، كما أن عملية وحشية بمثل حجم ما وقع في دارفور قد تسفر عن انتشار موجة من عدم الاستقرار إلى دول أخرى في القارة الأفريقية من خلال الاستقطاب والتطرف والأصولية الإسلامية مما يعد مصدر قلق مشترك لكل من فرنسا والولايات المتحدة.

وردا على سؤال لسويس إنفو حول ما إذا كان الاهتمام الغربي المتزايد بقضية دارفور وانعكاساتها الإقليمية في أفريقيا يعود إلى خشية الغرب من احتمال تأثير عدم الاستقرار على التدفق الحر للبترول من القارة الإفريقية إلى أوروبا والولايات المتحدة قال الدكتور موريسون:"السبب في الاهتمام الغربي والأمريكي بدارفور هو الحجم الضخم للمعاناة الإنسانية التي تمخضت عن الصراع في دارفور بنزوح حوالى مليون ونصف مليون لاجئ اضطروا إلى مغادرة قراهم بسبب الأعمال الوحشية التي مارستها ضدهم ميليشيا الجنجاويد العربية بمساندة من الحكومة السودانية".

وقال الخبير الأمريكي في الشئون الأفريقية إن تلك العمليات الوحشية صادفت حلول الذكرى العاشرة لمذابح التطهير العرقي في رواندا مما أعاد للمجتمع الدولى مشاهد الوحشية والتصفيات الجسدية المرعبة. وقال أنه ليس هناك موارد بترولية باحتياطيات ضخمة في تشاد أو غيرها ولذلك فليس البترول مبعث اهتمام الولايات المتحدة ودول الغرب هذه المرة.

أسباب الصراع في دارفور

ولكن، ما الذي بدل الوئام الذي كان يحكم العلاقات منذ مئات السنين بين أكثر من ثمانين قبيلة تنحدر من أصول عربية وأفريقية تعيش في دارفور التي جاء اسمها من "ديار الفور" نسبة إلى القبيلة الرئيسية فيها؟

طرحت سويس إنفو هذا السؤال على الفريق السوداني المتقاعد محمد زين العابدين النائب السابق لرئيس هيئة أركان القوات المسلحة السودانية وسفير السودان السابق لدى الدول الاسكندنافية فقال: "إن كل سكان الإقليم وعددهم حوالى سبعة ملايين نسمة هم سودانيون مسلمون من أصول عربية وأفريقية حيث لا يوجد في الإقليم قبائل عربية خالصة وصحيح أن القبيلة الرئيسية من القبائل الأفريقية هي قبيلة الفور إلا أن هناك قبائل أفريقية أخرى مثل المساليت والزغاوة والفلاته والتاما والبرتي وغيرها، أما القبائل العربية فتضم الرزيقات والمسيرية والزيادية والمعاليا والحوامدة والمهرية وغيرها".

ومن الناحية التاريخية اعتادت القبائل الأفريقية على الاستقرار ومزوالة النشاط الزراعي بينما كانت القبائل العربية تعيش في حالة تنقل وتمارس مهنة رعاة الإبل والبقر، وجمعت المنفعة المتبادلة بين الرعاة والمزارعين إذ اعتادت القبائل الأفريقية على السماح للقبائل العربية بالدخول إلى مناطقها الخضراء للرعي مما يتيح للمزارعين فرصة استخدام روث حيوانات الرعي في تخصيب الأرض الزراعية في موسم انقطاع الأمطار على أن يعود الرعاة بماشيتهم إلى مناطق الرعي الطبيعية مع هطول الأمطار في مطلع كل صيف. ولكن الثمانينات من القرن الماضي شهدت بداية التدهور البيئي والأمني في دارفور من جراء تعاقب مواسم الجفاف والتصحر وما أسفر عنه ذلك من مجاعات بلغت أوجها في دارفور وأدى تحول مناطق الرعي وكذلك الأراضي الزراعية إلى مناطق صحراوية انعدمت فيها الخضرة وشحت موارد المياه مما جعل الصراع على الأرض والماء والكلأ مظهرا جديدا عكر الوئام بين القبائل خاصة بدخول قبائل الرعي أراضي قبائل الزراعة والتنافس معها على الموارد.

أسباب متعددة

وأشار السفير محمد زين العابدين إلىعدد من الأسباب الأخرى التي دفعت بالأوضاع في دارفور إلى ذلك المنعطف:

أسباب تنموية: مع تعاقب مواسم الجفاف والتصحر في إقليم دارفور ذي الكثافة السكانية العالية لم تقم الحكومات السودانية المتتالية بالتخطيط لإقامة مشاريع السدود والآبار لمواجهة الجفاف، كما أن نسبة التسرب من التعليم بلغت ستين في المائة من عدد الأطفال في سن الدراسة مما أتاح الفرصة أمام استقطاب الشباب العاطل غير المتعلم في عمليت النهب المسلح والانخراط في ميليشيات مسلحة.

أسباب سياسية: نظرا لأن عددا من القيادات السياسية للجبهة القومية الإسلامية هم أصلا من إقليم دارفور، فإن الانشقاق الذي حدث داخل صفوف الجبهة في عام 2000 أدى إلى بروز نشاط معاد لحكومة الخرطوم في دارفور استنادا إلى استغلال التدهور البيئي والأمني في الإقليم. وسرعان ما برزت حركتان سياسيتان هما "حركة العدل والمساواة" ولها صلاتها القوية بحزب المؤتمر الشعبي الذي يتزعمه الدكتور حسن الترابي و"حركة تحرير السودان" ولها علاقات قوية بالحركة الشعبية لتحرير السودان بزعامة جون جارانج.

أسباب عسكرية: مع تدهور الوضع الأمني بسبب الصراعات القبلية على مناطق الرعي وموارد المياه بدأت القبائل تتجه إلى تشكيل ميليشيات قبلية مثل حركة إنقاذ دارفور المشكلة من مقاتلين تابعين لقبيلتي الفور والزغاوة الأفريقيتين والتي سرعان ما تلقت الدعم من الداخل والخارج وهاجمت في العام الماضي مدينة الفاشر عاصمة دارفور ودمرت ثماني طائرات عسكرية واستهدفت عدة مدن أخرى وعددا من مراكز الشرطة السودانية، وعندما ردت الحكومة السودانية بهجوم على مقاتلي الحركة في شمال دارفور تفرقوا في العديد من مناطق الإقليم وواصلوا منها شن هجمات على أهداف حكومية.

أسباب خارجية: نظرا لوجود 13 قبيلة متداخلة بين السودان وتشاد على جانبي الحدود في منطقة دارفور فإن الصراع على السلطة في تشاد لسنوات عديدة ترك بصماته الواضحة على الموقف الأمني في دارفور حيث نزحت القبائل المشتركة من تشاد إلى دارفور للاحتماء بقبائلها الموجودة في الإقليم وحملت معها كميات وفيرة من الأسلحة التي خلفها الغزو الليبي لتشاد في الصراع على إقليم أووزو كما أن ضغوط الغرب على السودان بسبب الوضع في دارفور تشكل صورة جديدة للتنافس والصراع بين الفرنكوفونيين والآنجلوفون على قلب القارة الأفريقية ومواردها البترولية وخوف الغرب من ارتباط ما يحدث في دارفور بالحركات الإسلامية المتطرفة.

عجز الحكومة

غير ان الدكتور ستيفن موريسون مدير برنامج الشئون الأفريقية بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن يختلف مع السفير زين العابدين حول أسباب العنف في دارفور فيقول: "إن هناك أدلة قوية تشير إلى وجود عمليات تطهير عرقي للأفارقة في دارفور بالإضافة إلى التنافس والنزاع التقليدي والتاريخي بين القبائل على المراعي ومورد المياه ويخلص إلى أن هناك مزيجا من محاولات التطهير العرقي والصراع على الموارد بسبب الجفاف بالإضافة إلى بروز حركات التمرد الرئيسية مثل حركة العدل والمساواة وحركة تحرير السودان".

وانتقد الدكتور موريسون الطريقة التي تعاملت بها الحكومة السودانية مع أزمة دارفور ووصفها بأنها "أساءت بشكل بالغ إلى صورة السودان في العالم كما أن تباطؤ حكومة الخرطوم في اتخاذ الإجراءات الكفيلة بوقف العنف واحتواء الأزمة دفع المجتمع الدولي إلى التدخل عن طريق الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي".

ولعل تقرير مبعوث الأمم المتحدة للسودان يان برونك ينطوي على أبلغ وصف لعجز حكومة الخرطوم حين قال:"يتعين على حكومة الخرطوم أن تطلب المساعدة إذا كانت غير قادرة على حماية مواطنيها بنفسها".

محمد ماضي - واشنطن

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة