Navigation

دستور العراق من التوافق إلى المجهول

أعضاء لجنة صياغة الدستور العراقي الجديد في صورة تذكارية التقطت لهم في بغداد يوم 28 أغسطس 2005 swissinfo.ch

لا زالت مسودة الدستور العراقي الجديد التي أقرتها الجمعية الوطنية المؤقتة في موفى شهر أغسطس مثار جدل واسع في الداخل العراقي.

هذا المحتوى تم نشره يوم 05 سبتمبر 2005 - 05:01 يوليو,

وفيما تستعد جميع الأطراف لموعد الإستفتاء الحاسم في 15 أكتوبر المقبل، لا يستبعد بعض المراقبين إمكانية حصول توافق على نقاط الخلاف الجوهرية في اللحظات الأخيرة.

بعيدا عن مبدأ التوافق الذى حكم العملية السياسية فى العراق، وتحديدا طريقة كتابة الدستور، تأتى خطوة التصديق السريع من الجمعية الوطنية المؤقتة والرئيس المؤقت جلال طالبانى، واللجوء إلى الاستفتاء الشعبى لحسم قبول المسودة الدستور أم لا، تأتى لتنسف المبدأ الذى مثل الحد الأدنى لنوع من المشاركة فى تحديد مصير العراق ككل، كوطن وهوية ونظام حكم وحقوق للمواطنين.

ومثل هذا القفز من آلية كفيلة، فى ظل ظروف العراق الراهنة، بأن تحافظ على الحد الأدنى من التماسك الداخلى، إلى خطوة مجهولة قد تعيد الأمور إلى نقطة الصفر، يعكس روح المغامرة السياسية غير المسئولة من جانب، وقدرا كبيرا من القراءة الخاطئة لما يجرى فى البلد من جانب آخر.

مغامرة سياسية

روح المغامرة هذه لها مسبباتها وعناصرها، وحسبنا أن نشير إلى أن الشعور الطاغى بالانتصار لدى كل من الائتلاف الشيعى ذى الأغلبية فى الجمعية الوطنية، ولدى الأكراد المحتمين بعلاقة خاصة مع الولايات المتحدة وبتجمعهم السكانى فى إقليم محدد المعالم شمال العراق، هو أحد أسباب التمسك بمسودة الدستور كما هى، وباعتبار أن الاستفتاء عليه ليس محسوما بالرفض من قبل المحافظات السنية. أو بعبارة أخرى أن انقسامات العرب السنة أنفسهم باتت تغرى القوى الأخرى على فرض ما يرونه صالحا.

فى جزء من هذه العملية نلمح مفارقة ما بين التوافق الذى يعنى صيغة من التنازلات المتبادلة وبجانبها نقاط مشتركة، وبحيث يجد الكل نفسه فائزا وإن بدرجات مختلفة فى أهم وثيقة قانونية وسياسية ستحكم البلاد، وما بين اللجوء إلى صيغة صناديق التصويت التى تعكس توازنا لحظيا ومشاركة شعبية ومؤثرات نفسية وإعلامية ودعائية قد تغطى على كثير من الحقائق.

وبالرغم من أن الحسم عبر التصويت الحر هو آلية ديموقراطية لا غبار عليها، فإن حالة العراق تستدعى الموائمات السياسية الدقيقة، وليست الانتصارات الحاسمة للبعض والتى يقابلها حتما الانكسارات الكبرى للبعض الآخر.

مفارقات عديدة

وفى حالة العراق الراهنة تتعدد المفارقات، فاللجوء إلى التصويت لا يعنى أن ظروف انتخابات نهاية يناير الماضى ستعيد تكرار نفسها مرة أخرى عند الاستفتاء على مسودة الدستور فى منتصف أكتوبر المقبل.

فالسنة العرب الآن يقومون بعملية تسجيل واسعة المدى، أو بعبارة أخرى يعملون على فرض أنفسهم كقوة تصويتية كبرى لإعادة التوازن المفقود فى الحياة السياسية العراقية. وهم فى ذلك سوف يستفيدون من أحد بنود قانون إدارة العراق المؤقت، الذى يعطى الحق لثلاث محافظات فى تعطيل أو وقف العملية السياسية إذا ما صوت ثلثا سكانها بلا. ويذكر هنا أن العرب السنة كانوا الأكثر رفضا لهذا البند عند عرض القانون المؤقت، ولكنهم الآن يوظفونه لصالحهم، وبما يجسد حالة دوران سياسية كبرى.

السنة وحدهم ليسوا الرافضين لمسودة الدستور الراهنة، لاسيما فيما يفرضه من تغييب متعمد لهوية العراق العربية، وبسماحه لنظام فيدرالى على عموم البلاد، يرونه يفتح الباب أمام تجزئة وتقسيم مؤكدة.

فهناك شيعة التيار الصدرى، الذين يمثلون العرب الشيعة قلبا وقالبا، وهم بدورهم يرفضون المسودة باعتبارها لا تعترف بهوية البلاد ولا تسمح بتطبيق الإسلام كمصدر وحيد للتشريع، وتوفر منزلقات كبرى نحو التقسيم وإضاعة الثروات.

وكأننا أمام انقسام جديد فى المشهد السياسى العراقى، بين شيعة تحافظ على عروبتها، وأخرى تنكرها، وتتأثر بعلاقاتها الوثيقة مع إيران فكريا وسياسيا. وهكذا فالمدافعون عن عروبة العراق ليسوا بالضرورة سنة وحسب، بل فيهم شيعة أيضا، وتلك بدورها سيكون لها دورها عند الاستفتاء على الدستور فى منتصف أكتوبر المقبل.

مصادر للخوف والشك

إن مشاركة العرب السنة وشيعة التيار الصدرى فى رفض الدستور يشير فى جانب منه إلى حقيقة أن الائتلاف الشيعى بزعامة الحكيم والجعفرى والجلبى وبرعاية مرجعية على السيستانى، لا يمثل كل الشيعة فى العراق. وأن الخوف من تفكك وحدة البلد الجغرافية ترجع فى جزء منها إلى الشكوك شبه المؤكدة بتدخلات أمريكية كبيرة للانتهاء من المسودة وبما يعيد بناء شكل الدولة العراقية بعيدا عن أى سلطة مركزية قوية يمكنها أن تمثل العراق ككل أو تتحكم فى ثرواته النفطية الكبيرة.

وبالنسبة للعرب السنة فإن مصدر خوفهم وشكوكهم تمتد لتشمل أيضا مبدأ الفيدرالية فيما وضع خاص لكردستان، والإصرار على إدانة فكر البعث ووضع آلية اجتثاثه التى اقرها قانون الدولة المؤقت فى صلب دستور قد يكون دائما، وإخراج العراق ككل من هويته العربية، وقصر العروبة على جزء من الشعب العراقى، وبما يخرج البلد ككل من النظام العربى عمليا، وتجسيد الطائفية والمذهبية فى قانون الأحوال المدنية بصورة تؤكد الانقسامات بين العراقيين ولا تساعد على تمازجهم الاجتماعى السلس كما كان فى السابق، وتقسيم موارد الدولة، لاسيما النفطية، مناصفة بين الأقاليم وبين الحكومة المركزية، وبما يضيع حقوق المواطنين فى الأقاليم غير المنتجة للنفط.

هذه المخاوف والشكوك تجعل مهمة قبول المسودة عسيرة على العرب السنة، وذلك رغم اعتراف بعض قيادييهم بأن الوثيقة فيها بعض الخير والمبادئ المناسبة لا سيما فى مجال الحفاظ على كرامة الإنسان وضمان حقوقه وحرياته الفردية.

واشنطن تواجه المجهول أيضا

المخاوف السابقة تعنى أن الوثيقة بصورة ما ليست متوازنة، وبالتالى فهى معرضة للفشل الذريع. والحق أن المجهول المرجح لا يقف عند حسابات الأصوات المرتقبة يوم الاستفتاء، ولكنه قد يمتد إلى إعادة البدء من الصفر مرة أخرى، وتلك بدورها مكمن خوف لدى واشنطن، الراعية الوحيدة لما يجرى فى العراق.

وحسابات واشنطن كما هو معروف لا تقف عند حد تمرير الدستور العراقى الموصوف على لسان الرئيس بوش كمصدر إلهام لدول المنطقة، بل تمتد إلى بناء نموذج عراقى يقود المنطقة، ويسمح للجيش الأمريكى بالخروج المتدرج رافعا أعلام الانتصار عسكريا وسياسيا. وهذه باتت فى ظل ملابسات الدستور العراقى الراهنة غير مرجحة حسب الطموحات السابقة.

ولذلك فإن تدخلا أمريكيا لإعادة وضع عربة التوافق على خط السير مرة أخرى يبدو بديلا مناسبا، ولكنه ليس مضمون النجاح إلا إذا تراجع الائتلاف الشيعى والأكراد عن شعور الانتصار الكاسح، وقبلوا معا تقديم مزيد من التنازلات التى تجذب السنة نحو قبول الدستور بعد تعديله.

الأمر برمته ينطوى على قفزة نحو مجهول، وحسابات القوى السياسية كلها تبدو قائمة على أسس غير صلبة، (باستثناء أولئك الذين يرفضون العملية السياسية أصلا)، وإذا ما فشل إقرار الدستور أو إذا ما فُـرضت صيغة غير مقبولة من قطاع واسع من الشعب العراقى، فإن أعداد الضحايا العراقيين ستصل إلى العنان، وهو ما لا يأمله أحد.

د. حسن أبوطالب - القاهرة

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.