Navigation

Skiplink navigation

سوريا والغرب: إتـفـاق أم فـراق؟!

فاروق الشرع، وزير الخارجية السوري وكريس باتن، المفوض الأوروبي للعلاقات الخارجية بعد التوقيع بالأحرف الأولى على اتفاقية الشراكة بين سوريا والإتحاد الأوروبي يوم 20 أكتوبر 2004 في بروكسل Keystone

هل سوريا على شفير "إتفاق كبير" أم "فراق كبير" مع أمريكا والغرب؟

هذا المحتوى تم نشره يوم 22 أكتوبر 2004 - 09:31 يوليو,

يبدو هذا السؤال غريبا بما فيه الكفاية، ومتناقضا بما فيه الكفاية. فهو يطرح الشيء ونقيضه، ويفاقم التباسات الوضع الإقليمي والدولي الراهن في منطقة الهلال الخصيب، التي تضم إلى سوريا ولبنان، فلسطين والأردن والعراق.

بيد أن هذا السؤال الغريب، هو الآن السلعة الأبرز في البازار السياسي الشرق أوسطي الجديد، الذي افتتحه "الوفاق الودي" الفرنسي - الأمريكي في لبنان. إنه "صرخة القتال" التي تفرز الآن القوى السياسية في بلاد الشام إلى معسكرين متبايني الاجتهادات والمحصلات.

ففي جهة، نجد كل (أو على الأقل معظم) النخبة الحاكمة السورية، ومعها بعض إمتداداتها اللبنانية، التي تبدو مطمئنة تماما إلى أن المياه ستعود إلى مجاريها قريبا في الاقنية السورية - الغربية، وأن العمل سيستأنف كالمعتاد بين الطرفين، كما كان الأمر منذ ربع قرن.

ويسند هؤلاء منطقهم إلى الآتي:

- واشنطن لا تزال في حاجة إلى الدور الإقليمي السوري لضبط "حزب الله" والحركات الإسلامية الأصولية الأخرى، وللمشاركة سياسيا واستخباريا في الحرب على الإرهاب، ولاستكمال عملية السلام مع إسرائيل.

- الضجة الدولية الراهنة حول التدخل السوري في لبنان، والتي تمثلّت في قرار مجلس الأمن رقم 1559 الداعي إلى انسحاب "القوات الأجنبية" (إقرأ السورية) من لبنان ووقف التدخل في شؤونه الداخلية، ثم البيان الرئاسي الذي صدر قبل أيام عن مجلس الأمن، والذي وضع آلية مراقبة تنفيذ قرار 1559، ليسا أكثر من سحابة فرنسية في سماء سورية – أمريكية شبه صافية.

فباريس، وليس واشنطن، هي التي تقود الآن هذه الحملة الدولية على دمشق لأسباب مصلحية خالصة، تتمثل في عدم حصولها على صفقات نفطية وإقتصادية وهاتفية في سوريا. وباريس، وليس واشنطن، هي التي تسعى إلى تقليص النفوذ السوري في لبنان، فيما الولايات المتحدة لا تريد من دمشق سوى "تحسين أدائها" في العراق عبر دعمها المباشر والفعال لنظام إياد علاوي.

- تدعم التطورات الأخيرة (والكلام ما زال لهذا المعسكر) وجهة النظر هذه. فبيان مجلس الأمن لم يشر إلى سوريا بالاسم، وآلية مراقبة التنفيذ مدّدت إلى ستة أشهر بدل كل شهر أو شهرين، والاتحاد الأوروبي، برغم كل حدة الازمة الراهنة، وقّـع بالأحرف الأولى على اتفاقية الشراكة التي ستُـعطي سوريا مداخل أكبر في الأسواق الأوروبية.

وفوق هذا وذاك، لم تقم باريس وواشنطن الدنيا ولم تقعدها، حين أقدمت دمشق أمس الأول على دحرجة رأس حليفهما الرئيسي في لبنان رفيق الحريري، حين أحرجته فأخرجته من الحكم.

كل ذلك، برأي النخبة السورية وحلفائها، أدلة دامغة على أن الزوبعة الدولية الحالية حول الدور الإقليمي السوري، لن تغادر حدود الفنجان.

قراءة معاكسة

ماذا يقول أنصار المعسكر المضاد الذي يضم في صفوفه معارضين لبنانيين وسوريين؟ قراءة هؤلاء "البيروتية" تتناقض حرفاً بحرف مع وجهة النظر "الدمشقية".

فهم يرون أن القرار رقم 1559، ومعه البيان الرئاسي أنهيا رسميا الغطاء الدولي الذي منح لسوريا في صفقة عام 1976 (التي أدخلت القوات السورية إلى لبنان) ثم في صفقة الطائف عام 1989 (التي أنهت الحرب الأهلية اللبنانية). وبالتالي، لم يعد ثمة مناص من الانسحاب السوري العسكري والاستخباري من بلاد الأرز.

ويعترف هؤلاء بوجود مصالح واستهدافات شرق أوسطية متباينة داخل "الوفاق الودي" الفرنسي – الأمريكي الراهن، لكنهم يشدّدون على أن باريس وواشنطن تتقاطعان عند هدف مركزي واحد، وهو إدخال تعديلات جذرية على الدور الإقليمي السوري في ملفات لبنان والعراق وفلسطين وإيران، إضافة إلى ملف أسلحة الدمار الشامل (وهذا الملف الأخير كان شرطا رئيسياً في اتفاق الشراكة الأورو- سورية).

ويُـعرب المعارضون عن إعتقادهم بأن تفاؤل دمشق باستئناف العمل كالمعتاد مع الغرب، ليس سوى أضغاث أحلام في ليلة صيف عابرة، إذ أن الأمريكيين لن يكتفوا بمجرد إغلاق الحدود السورية - العراقية، بل يريدون من دمشق أن تعترف بالكامل بـ "النظام الأمريكي" الجديد في بغداد، وأن تساهم معه في ضرب المقاومات المندلعة هناك.

كما أن الأمريكيين، وبعد أحداث 11 سبتمبر وغزو العراق، لم يعودوا يريدون دوراً سورياً يخدم مصالح سورية - غربية مشتركة، بل فقط دورا يخدم المصالح الغربية الجديدة التي تحدّدت في مبادرة الشرق الأوسط الكبير أو الموّسع، وهذا يعني: تحّول سوريا إلى "ليبيا أخرى" تدور بالكامل في فلك السياسة الأمريكية، وأيضا نسف كل الاتفاقات السورية – الغربية السابقة، وقبول دمشق بكل التوجهات الأمريكية في العراق وفلسطين ولبنان.

ويلخّـص عمار عبد الحميد، وهو روائي ومحلل إجتماعي سوري مقيم في دمشق، ويحاضر حاليا في مركز "سابان لدراسات الشرق الاوسط" في مؤسسة بروكينغز الأمريكية، وجهة النظر المعارضة بالكلمات المعبّـرة الآتية (فاينانشال تايمز – 7 أكتوبر الجاري):

".. إنها قصة نظام صغير ظن ان في مقدروه التعاطي مع عالم متغيّـر باستخدام المجموعة نفسها من الخدع القديمة والنجاح في ذلك. إنها أيضا قصة نظام بدأ يدرك، وربما متأخرا جدا، أنه لن يستطيع تحقيق هذا، لذا، فهو ينغمس في محاولة يائسة لإعادة إختراع نفسه".

لعبة الزمن

أي المعسكرين على حق؟ تمتلك وجهة النظر الثانية في الواقع حججا قوية للغاية، لكنها تُـخطيء كثيرا إذا ما اعتقدت أن الغرب سيحقق توقعاتها إزاء النظام السوري بشطحة قلم واحدة.

فدمشق ستعطى أكثر من فرصة، وأنصارها من "العروبيين" في وزارة الخارجية الأمريكية ووكالة الاستخبارات المركزية سيحاولون، من جهة، حمايتها من غضبة خصومها في وزارة الدفاع ومجلس الأمن القومي، وسيضغطون عليها من جهة أخرى لحفزها على تغيير جلدها بشكل جذري، وإن بتدرج زمني، والتأقلم مع الانقلابات الدولية الواسعة في الشرق الأوسط الكبير.

عامل الزمن هذا، هو بالتحديد ما يجعل التساؤل حول احتمالات الاتفاق الكبير أو الفراق الكبير بين سوريا والغرب، تساؤلا غريبا.. ومنطقيا في آن!

سعد محيو- بيروت

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة