تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

شيعة العراق: واقع جديد وهواجس قديمة

يعتبرب مرقد الإمام الحسين في مدينة كربلاء أحد أهم المزارات الشيعية في العراق

(Keystone Archive)

يقول الخبر الذي نشرته صحيفة عربية أن جلال الطالباني أبلغ المرجع الشيعي اية الله السيستاني تحية من الرئيس الاميركي الذي التقاه الطالباني في مطار بغداد.

لكن الخبر الكامل من مصادره مباشرة هو ان الطالباني قال في رسالته ان بوش طلب منه التاكيد للسيستاني ان الادارة الاميركية لن تقوم بما يثير مخاوف الشيعة.

الخبر الذي نشرته صحيفة عربية يقول ان جلال الطالباني رئيس مجلس الحكم العراقي لشهر نوفمبر الماضي ابلغ المرجع الشيعي اية الله السيستاني تحية من الرئيس الاميركي جورج بوش الذي التقاه الطالباني في مطار بغداد. لكن الخبر الكامل من مصادره مباشرة هو ان الطالباني قال في رسالته ان بوش طلب منه التاكيد للسيستاني ان الادارة الاميركية لن تقوم بما يثير مخاوف الشيعة.

هذا التاكيد شهد ترجمة عملية بانشاء لجنة من مجلس الحكم لدراسة سبل الاستجابة لمطلب السيستاني بضرورة اعتماد الانتخابات لتشكيل البرلمان المؤقت المنصوص عليه في اتفاق نقل السلطة.

هذا المشهد يعكس بوضوح مدى الحرص الاميركي على عدم اثارة الشيعة العراقيين وتحاشي انخراطهم في معارضة مسلحة للاحتلال الاميركي وهو ما يعني عندها مأزقا حقيقيا لواشنطن لا ينفع معه الحديث عن مثلث شيعي، لان رقعة الانتشار الشيعي في العراق تشمل غالبية الاراضي العراقية، تناسبا مع عددهم الذي يشكل اغلبية لا تقل تقديراتها عن 60 بالمئة.

كما ان مشهد معارضة السيستاني وتهديده برفع يده (وهو ما يعني اطلاق يد الشيعة ضد الاميركيين) وتضامن تنظيمات وشخصيات شيعية معه واتخاذه غطاء لها، وتجاوب الاخرين معه بمن فيهم الجانب الاميركي، امر لم يشهده العراق خلال عقوده الماضية حين كان الاقصاء التام هو السياسة التي اتبعتها الحكومات المتعاقبة، فيما تحول الاقصاء الى سياسة قمع وابادة على يد النظام السابق على مدى 35 عاما.

كان مجرد لفظ كلمة شيعي يعد امرا مهولا في راي السلطة، أما الشكوى ولو تلميحا من وجود تمييز ضد الشيعة فكان يؤدي بالمشتكي الى اقسى العقوبات بتهمة استخدامه خطابا طائفيا، في حين كانت المناصب العليا حتى غير السياسية محرمة على الشيعة رغم وجود اعداد كبيرة من اصحاب الطاقات العلمية الكبيرة الذين اضطروا الى الانتشار في المنافي. فضلا عن الاعداد الكبيرة من الذين اعدموا او ماتوا تحت التعذيب بمن فيهم اعداد كبيرة من علماء الدين البارزين.

رفض الإتهامات

ان معرفة تفاصيل الوضع الشيعي العراقي خلال العقود السالفة تفسر بوضوح موقفهم الحالي "المهادن الحذر" للاحتلال والساعي في نفس الوقت الى توفير ظروف التخلص من هذا الاحتلال بطريقة لا تعيدهم الى وضعهم السابق من البؤس والقمع والبطش. هنا بالضبط تكمن نقطة خلافهم مع المجموعات التي تشن الهجمات على قوات الاحتلال.

فهم يرون وراءها محاولات من بقايا النظام مدعومين من المحيط العربي الذي لا يريد ان يصبح شيعة العراق في موقعهم الذي يناسب حجمهم وموقعهم الوطني. وهم يعتقدون أن الضغوط الاقليمية التي انتجت تحركا اميركيا دعم قمع النظام السابق لانتفاضة آذار الشيعية – الكردية عام 1991، هي ذاتها التي تنشط اليوم لدعم بقايا اجهزة النظام السابق، لاستعادة السلطة او على الاقل للابقاء على ذات المعادلة الطائفية التي قامت على اقصاء الشيعة سابقا ومعاملتهم مواطنين درجة ثانية مشكوك بوطنيتهم على الدوام.

يرفض شيعة العراق اليوم اي اتهام لهم باللاوطنية بسبب رفضهم مبدأ المقاومة المسلحة، وهم يتحدثون عن الاعتبار من دروس الماضي وتجاربه النضالية التي كانوا فيها حطبا لكل الحروب فيما لم يحصلوا بعدها غير الاقصاء والحرمان بل والتشكيك بولائهم للوطن.

هذه المرة يحاول الشيعة في العراق ان يكونوا براغماتيين مستلهمين من دروس الماضي غير مفرطين في مبادئهم الدينية والوطنية العامة. فلا احد منهم يتحدث عن رضوخ للاحتلال، لكنهم في المقابل يرون أن المقاومة ليست دائما بالعمل العسكري المباشر فضلا عن عدم ثقتهم بالجهات الضالعة في هذه المقاومة حاليا.

التعاطي الإقليمي

لكن هذا لا يمنع من ابقاء ورقة الانخراط في هذه المقاومة للضغط السياسي على قوات الاحتلال ليس للتسريع في عملية نقل السلطة فحسب وانما لارساء معادلة سياسية تسد الطريق امام عودة المعادلة السابقة وتمنع في الوقت نفسه استمرار الاحتلال عبر اشخاص وجهات عراقية.

على هذه الخلفية كان الاستنفار الشيعي الأخير ضد الاليات التي أقرت لتاسيس البرلمان الانتقالي الذي يعين من اشخاص ومجالس شكلها الاحتلال وفيها الكثير من عناصر النظام السابق. ويزيد من صلابة زعماء الشيعة في طرح مطالبهم ادراكهم مدى وعي الجانب الاميركي لخطورة لجوء هؤلاء الى مقاومة مسلحة.

اللافت هنا أن التعاطي الاقليمي العربي مع شيعة العراق اثار وما زال يثير لدى هؤلاء هواجس كبيرة تدعوهم الى عدم الحماس لكل الخطاب القومي الثوري الذي استخدم ايضا في قمعهم على مدى عقود. بل ان بعض المواقف والتصريحات العربية لا تتورع عن الافصاح عن انزعاج كبير من نفوذ الشيعة الحالي، وفي هذا السياق تحدث بعض زعماء الشيعة عن اتصالات وجهود اقليمية لمنع اي نفوذ شيعي في العراق.

هذا الامر يجعل هذه الشريحة العراقية (التي تشكل غالبية السكان) تشعر بنوع من الاستهداف من طرف المحيط الاقليمي الامر الذي يجعلها اكثر تكتلا وتنسيقا فيما بينها، وأقل استعدادا للتجاوب مع شعارات المقاومة الحالية المشبوهة المصدر والتمويل والدعم بالنسبة لها.

وقد تكون هذه الأجواء المبرر الذي دعا الى تاسيس ما سمي "البيت الشيعي"، وهو اجتماع دوري لعدد من الرموز والشخصيات الشيعية لتنسيق المواقف. لكن ما لا ينكره احد ان الأغلبية الساحقة من الاطراف الشيعية لم تبد من المواقف ما يغذي مخاوف السنة حيال احتمالات الاقصاء من الساحة، انتقاما من استحواذ النظام السابق على السلطة وقمعه للشيعة باسم السنة، رغم ان العديد من الاوساط السنية تعرضت للقمع ايضا.

عـودة تأثير المرجعية

قبيل سقوط النظام السابق، كان الحديث يدور حول افتقاد الشيعة لتجربة العمل الرسمي بسبب الاقصاء الطويل رغم امتلاكهم للطاقات السياسية الكبيرة، لكن الاشهر الاخيرة بدات تفرز رموزا تقدم اداء سياسيا وطنيا لفت الانظار، خصوصا في اوساط الاسلاميين الذين لم يمروا بتجربة الحكم سابقا.

حاليا يتوزع الشيعة في العراق سياسيا بين عدة تيارات: اسلامية ذات ثقل كبير في الشارع العراقي مثل "حزب الدعوة" أقدم التنظيمات الاسلامية الشيعية العراقية والذي كان له نصيب كبير من عمليات البطش السابق التي راح فيها عشرات الالوف من كوادره، وهناك "المجلس الاعلى للثورة الإسلامية في العراق" الذي يرث ولاء العشائر في الجنوب للمرجع الديني الراحل السيد محسن الحكيم والد مؤسس المجلس السيد محمد باقر الحكيم الذي اغتيل في انفجار مروع بعد عودته من إيران إلى النجف قبل شهور عدة.

هناك ايضا التيار العلماني الشيعي وفيه رموز كبيرة وكثير منهم كانت له تجارب في السلطة بشكل او باخر، فيما افرزت الساحة الشيعية العراقية في المنفى اتجاها جديدا يعبر عن نفسه باسم "التيار الديمقراطي الاسلامي" يقوده عدد من كوادر الحركات الاسلامية الشيعية العراقية ممن اقتبسوا بعضا من القيم الليبرالية التي لا تتنافى مع الدين، وهم يتحدثون عن مساعي تطوير وتحديث للفكر السياسي الاسلامي الشيعي في العراق.

أخيرا هناك ايضا تيارات وتنظيمات جديدة تشكلت بعد سقوط النظام لكنها محدودة العدد والنشاط والتأثير.

أما اكثر ما يلفت في الساحة الشيعية العراقية فيتمثل في عودة الدور المؤثر للمرجعية الدينية الذي كانت تمارسه قبل تاسيس العراق الجمهوري، والتي اضطرت الى ترك الشان العام حفاظا على وجودها بوجة عمليات التصفية. ومن يعرف مدى التزام الشيعة بمواقف واراء مراجعهم يدرك مدى القوة التي يمكن أن تتسم بها مواقف الشيعة العراقيين في ظل اجواء من الحرية وغياب القمع.

وفي المحصلة، يمكن القول أن الأغلبية - بمن فيهم المتحسسون من تنامي النفوذ الشيعي -باتوا يدركون أن المعادلة السابقة لا رجعة لها وبالتالي فان العقلاء يتحدثون عن ضرورة الاعتراف بالواقع الجديد والتعامل معه بايجابية خصوصا وأن زعماء الشيعة يعلنون رفضهم لاي اقصاء للاخرين وعدم قبولهم بمصادرة حقوق اية مجموعة، سواء كانت دينية أو مذهبية أو قومية.

سالم مشكور


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×