Navigation

عندما تُـصبح مصلحة إسرائيل "فوق" مصلحة أمريكا

السيدة كوندوليزا رايس تلقي مداخلة أمام اجتماع لمنظمة أيباك (أبرز مجموعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة) يوم 25 أكتوبر 2004 في هوليود بولاية فلوريدا. Keystone

إذا كان كثيرون أمريكا يـدركون أن انحياز بلادهم لإسرائيل هو السبب وراء معاداة معظم العرب والمسلمين للولايات المتحدة، فلماذا تواصل الإدارة انتهاج سياسات تقدم مصلحة إسرائيل على مصلحتها؟

هذا المحتوى تم نشره يوم 09 سبتمبر 2006 - 08:01 يوليو,

تصدّى للإجابة على هذا السؤال في ندوة مثيرة نظّـمت مؤخرا في العاصمة الأمريكية مؤلفا دراسة مثيرة للجدل بعنوان "اللوبي الإسرائيلي".

إذا كان الكثير من الخبراء والعقلاء والباحثين في الولايات المتحدة يُـدركون أن الانحياز الأمريكي لإسرائيل هو أحد الأسباب الرئيسية وراء معاداة العرب والمسلمين للولايات المتحدة، وأن التأييد الأمريكي غير المشروط لسياسات إسرائيل في الشرق الأوسط، يُـقوِّض فُـرص نجاح واشنطن في حربها على الإرهاب، ويعرّض مصالحها القومية للخطر، فلماذا تواصل أمريكا انتهاج سياسات تجعل مصلحة إسرائيل فوق مصلحتها؟

تصدّى للإجابة على هذا السؤال في ندوة نظّـمها مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية في نادي الصحافة القومي الأمريكي البروفيسور ستيفن والت، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة هارفارد والبروفيسور جون ميرشايمر، أستاذ العلوم السياسية بجامعة شيكاغو، وهما مؤلفا دراسة مثيرة للجدل، نشرتها جامعة هارفارد بعنوان: "The Israeli Lobby"، أي اللوبي الإسرائيلي، وتعرّضا بعدها إلى انتقادات واتهامات بأنهما معاديان للسامية.

وفي البداية، تطرّق البروفيسور ستيفن والت للحُـجج التي يروِّجها أنصار إسرائيل في واشنطن لاستمرار التحيّـز الأمريكي لإسرائيل فقال: "فيما يتعلّـق بحجّـة أن إسرائيل حليف استراتيجي للولايات المتحدة، فلم يعُـد لها مِـثل ذلك الدور المُـفيد بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة.

وفيما يتعلق بحُـجة أنها حليف رئيسي في الحرب على الإرهاب، فإن الولايات المتحدة وإسرائيل تواجِـهان خطرا مُـشتركا بسبب المساندة الأمريكية غير المشروطة لإسرائيل، هو خطر الإرهاب الناشئ بسبب العداء لتلك المساندة، وهذه حقيقة مُـثبتة في تقرير اللجنة، التي شكّـلها الكونغرس للتحقيق في هجمات سبتمبر وفي دراسات مستقلة أجرِيَـت لحساب وزارتي الخارجية والدفاع".

وفيما يتعلق بحُـجة أن مساندة إسرائيل بالغة الأهمية للجهود الأمريكية في مواجهة ما تعتَـبره واشنطن دُولا مارقة، مثل سوريا وإيران، فإن التأييد الأمريكي لإسرائيل هو السبب الرئيسي في الخلافات بين الولايات المتحدة وهاتين الدولتين.

فعلى سبيل المثال، فإن الرئيس بوش أكّـد أن واشنطن لا تُـريد أن تمتلك إيران التكنولوجيا النووية، ليس لأنها تنطوي على تهديد بهجوم على الولايات المتحدة، ولكن لأنها ستهدِّد إسرائيل.

ويعلم الجميع أن إسرائيل تمتلك ترسانة نووية تجعل من العسير على الولايات المتحدة إقناع دُول المنطقة بالكفِّ عن طموحاتها النووية، وفنَّـد البروفيسور والت حجَّـة أنه يتعيّـن مساندة أمريكا لإسرائيل، باعتبار أنها الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة فقال:

"لم تحظَ أي دولة ديمقراطية أخرى في العالم بمثل ما تحظى به إسرائيل من دعم بالمال والسلاح الأمريكي، كما أن ديمقراطية إسرائيل تتعارض مع القيَـم الأمريكية، لأنها تأسَّـست كدولة يهودية، ولذلك، تتعامل مع مواطنيها من غير اليهود على أنهم مواطنون من الدرجة الثانية، وتحرِم ملايين الفلسطينيين الواقعين تحت سيْـطرتها من حقوقهم السياسية".

مصلحة إسرائيل فوق مصلحة أمريكا

وفسّـر البروفيسور ستيفن والت السّـبب الحقيقي في المُـساندة الأمريكية غير المشروطة لإسرائيل بالمال والسلاح والتأييد السياسي في مجلس الأمن بشيء واحد، هو التأثير والنفوذ الواسع النطاق للّـوبي الإسرائيلي الذي تقوده لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية، المعروفة اختصارا بالإيباك، ولكنه نبّـه إلى ضرورة عدم الربط بين أطراف الضّـغط من أجل مصلحة إسرائيل وبين اليهود الأمريكيين. فمنهم من لا يعِـير اهتماما لإسرائيل، ومنهم من لا يشارك اللّـوبي الإسرائيلي مواقفه، كما أن هناك جماعات ليست يهودية تعد من أعتى أنصار إسرائيل، مثل المسيحيين الصهاينة.

وعدَّد البروفيسور والت أسباب قوة أسلحة اللوبي الإسرائيلي في ترجيح مصلحة إسرائيل على المصالح القومية الأمريكية:

أولا، استخدام ميزانية تصل إلى 50 مليون دولار ومجموعة كبيرة من النشطين السياسيين في واشنطن ومكاتب الإيباك الإقليمية، في التأثير على الحملات الانتخابية للمرشّـحين السياسيين لمكافأة المُـوالين منهم لإسرائيل، ومعاقبة من يُـبدى آراءً لا تشكّـل مساندة كاملة لمصلحة إسرائيل.

ثانيا، استغلال عدم المشاركة السياسية لكثير من الأمريكيين وأصحاب المصالح السياسية الأخرى، وتكثيف العمل في الدوائر الانتخابية بشكل يُـظهر قدرة تفُـوق بكثير الحجم الحقيقي لأنصار إسرائيل في تلك الدوائر.

ثالثا، الكفاءة في استخدام أدوات التأثير في الرأي العام من خلال حملات نشِـطة من الجماعات والأفراد المُـنخرطين في اللّـوبي الإسرائيلي، عن طريق إغراق صفحات الرأي والتعليقات في مئات الصحف الأمريكية وشبكات التليفزيون بخِـطابات ومقالات ومُـكالمات تُـدافع بشدّة عن ضرورة مُـساندة أمريكا لإسرائيل في كافة الأحوال.

رابعا، إيفاد ممثلين عن اللّـوبي للتحدّث مباشرة إلى أعضاء الكونغرس بمجلسيه، والمسؤولين في الحكومة الأمريكية للمساعدة في صِـياغة مشروعات القرارات وتشكيل التوجهات الأمريكية لصالح إسرائيل.

خامسا، شنّ هجمات فورية لتشوِيه سُـمعة أي شخص يجرُؤ على انتقاد إسرائيل أو سياساتها أو حتى مُـساندة أمريكا لها، بما في ذلك وسائل الإعلام والجامعات.

سادسا، الاستعانة بمراكز أبحاث بالغة التقدّم، مثل معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى ومعهد أمريكان إنتربرايزس ومؤسسة هيريتدج ومعهد بروكنغز في الترويج لسياسات تُـساند مصلحة إسرائيل دائما.

ماذا لو قلَّ نفوذ اللّـوبي؟

وعلى سبيل الافتراض، طلب البروفيسور والت من الحاضرين في الندوة تصوّر ما الذي يُـمكن أن يحدث لمصالح أمريكا وصورتها في العالم، لو أن اللّـوبي الإسرائيلي كان أقلّ تأثيرا في السياسة الأمريكية:

أولا، كان بوِسع الولايات المتحدة استخدام نفوذِها على مدى الثلاثين عاما الماضية في الحيلولة دون استمرار إسرائيل في سياسة بناء المستوطنات، التي عارضها كل الرؤساء الأمريكيين، ابتداء بليندن جونسون، وكانت المُـستوطنات سببا رئيسيا في تطرّف الجماعات الفلسطينية ونمو التطرف الإسلامي، وأدّى التوسع الاستيطاني في النهاية إلى تقويض أمن إسرائيل نفسها.

ثانيا، كان بوِسع الولايات المتحدة انتهاج سياسة مستقلّـة إزَاء عملية السلام، بدلا من أن تقوم بمهمّـة المحامي عن مصالح إسرائيل وتهدِر فُـرصةً تاريخيةً بعدمِ مُـساعدة الرئيس الفلسطيني المُـنتخب محمود عباس، والتوصّـل معه لتسويَـةٍ عن طريق المفاوضات وتشجيع شارون على اقتطاع المزيد من الأراضي الفلسطينية.

ثالثا، كان بوسع الولايات المتحدة أن تفكّـر مرّتين قبل القيام بغزو العراق في عام 2003. فالحرب التي شنَّـتها على العراق، كانت نِـتاج تصوُّرٍ للمحافظين الجُـدد، الذين يرتبط عديد منهم، مثل وكيل وزارة الدفاع السابق بول ولفوفيتز، ومساعد وزير الدفاع لشؤون السياسة دوغلاس فايث باللّـوبي الإسرائيلي، الذي انضمّ إلى لزعماء إسرائيل في التشجيع على ذلك الغزو، والربط بين صدّام حسين وهجمات سبتمبر الإرهابية.

رابعا، كان بوِسع الولايات المتحدة، لولا قوة اللّـوبي الإسرائيلي، انتهاج سياسة أكثر مُـرونة وأكثر فعالية إزاء إيران، التي أبدت عدّة إيماءات خِـلال العقد الماضي لتحسين العلاقات مع واشنطن، وحتى عندما قدّمت إيران يد المساعدة في أعقاب هجمات سبتمبر، كافأها الرئيس بوش بإدماجها في محور الشر!

حرب لبنان عقَّـدت الأمور

أما البروفيسور جون ميرشايمر، أستاذ العلوم السياسية بجامعة شيكاغو ومدير برنامج سياسات الأمن الدولي فيها، فركَّـز في النّـدوة على الحرب التي شنّـتها إسرائيل على لبنان، كنموذج واضح لقوة اللّـوبي الإسرائيلي وقُـدرته على ترجيح المصالح الإسرائيلية على ما تُـحاول الولايات المتّـحدة تحقيقه في المنطقة حاليا وقال: "الولايات المتحدة لها ثلاث مصالح إستراتيجية في الشرق الأوسط: تحييد الإرهاب، الذي يقوده أساسا تنظيم القاعدة، وتحجيم ما تراه دُولا مارقة، مثل سوريا وإيران، وتَـلافي خسارة الحرب في العراق، ولكن مُـساندة إدارة الرئيس بوش لإسرائيل في حربها الأخيرة على لبنان، عقَّـدت مهمة تحقيق الأهداف الإستراتيجية الثلاثة".

وعدّد البروفيسور ميرشايمر ملامح التعقيدات:

أولا، أنه فيما يتعلّـق بمكافحة الإرهاب، فإن الضوء الأخضر الأمريكي لإسرائيل في حربها ضد لبنان أجّـج مشاعر العَـداء ضد الولايات المتحدة في العالمين، العربي والإسلامي، بشكل سيُـساعد، بالتّـأكيد، تنظيم القاعدة في تجنيد الرّاغبين الجُـدد في شنّ هجمات على الولايات المتحدة وحلفائها، وسيوفِّـر العداء لأمريكا مُـساندة شعبية لمن يقومون بهجمات إرهابية.

ثانيا، فيما يتعلّـق بهدف تحجيم سوريا وإيران، فإن المساندة الأمريكية لإسرائيل في حربها على لبنان، سياسيا وعسكريا، من خلال معلومات المخابرات والقنابل الذكية وصمود حزب الله، أسفر عن خروجه من الحرب في وضع أقوى سيشجِّـع سوريا وإيران على مُـواصلة مُـساندتهما لحزب الله، وزادت من عزم الدولتين على تعميق المشاكل التي تُـواجهها الولايات المتحدة في حربها بالعراق، لكي لا تتحوّل الضربات الأمريكية إزاء سوريا وإيران، وزادت من تصميم إيران على حِـيازة السِّـلاح النووي لردع أي هجوم قد تقوم به الولايات المتحدة أو إسرائيل عليها.

ثالثا، أغضبت المُـساندة الأمريكية لإسرائيل في هجماتها على حزب الله، الذي يُـمثِّـل أهالي الجنوب من الشيعة في لبنان، إخوانهم من شيعة العراق، وبذلك، زادت سياسة بوش المُـساندة لإسرائيل من الطّـين بللا في الحرب الدائرة في العراق، والتي أصبحت تشكّـل مأزقا للولايات المتحدة.

رابعا، شكّـلت المساندة الأمريكية لإسرائيل في حربها ضد لبنان، حماقة إستراتيجية، لأنها قوّضت سُـمعة أنظمة الحُـكم الصديقة للولايات المتحدة في كل من مصر والمملكة العربية السعودية والأردن، وقد تفضي إلى اندلاع حرب أهلية جديدة في لبنان أو النَّـيْـل من مُـكتسبات "ثورة الأرز"، التي هلّـل لها الرئيس بوش.

وخلّـص البروفيسور ميرشايمر إلى أن إعطاء الضوء الأخضر لإسرائيل لتشُـن حربها على لبنان والمساندة الأمريكية لها، لم يصُـب في المصلحة الإستراتيجية للولايات المتحدة، واستشهد بمقولة لمساعد المنسِّـق الأمريكي السّابق لعملية السلام في الشرق الأوسط، السفير آرون ميللر، تلخِّـص خطورة التحيُّـز الأعمى إلى إسرائيل حين قال: "هناك خطر كامِـن في انتهاج سياسة لا تفرّق بين كونها سياسة حكومة أمريكية أو سياسة حكومة إسرائيلية".

محمد ماضي - واشنطن

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.