تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

قانون جديد يهدد حرية الصحافة في اليمن

بعد طول انتظار، امتد لأزيد من أربع سنوات تزايدت خلالها ملاحقات ومضايقة الصحفيين، فاجأت وزارة الإعلام اليمنية مختلف الأوساط بطرحها مشروع قانون جديد للصحافة.

ويمثل القانون انتكاسة للتجربة اليمنية، حيث يفرض مزيدا من القيود على حرية الصحافة مقارنة بما هو عليه حال القانون الحالي.

مثَّـل مشروع القانون، بمضمونه وتوقيته، ضربة قوية للجهود التي بُـذلت خلال السنوات الأخيرة من قبل الحكومة ونقابة الصحفيين من أجل إصدار قانون جديد يقلل من جرجرة الصحفيين للمحاكم، ومن ملاحقتهم قضائيا وإداريا، خاصة بعد تزايد عدد حالات الملاحقات والمضايقات التي تعرّض لها عدد كبير من الصحفيين اليمنيين.

وطبقا لما أورده "مركز التأهيل وحماية الحريات الصحافية"، فإن حالات المضايقات والانتهاكات التي يتعرّض إليها الصحفيون في تزايد مستمر منذ عام إلى آخر.

ففي عام 2000 وإلى 2001، بلغ تعدادها 156 حالة انتهاك ومضايقة ترواحت بين الاعتقال والاعتداء، منها 16 حُـكما قضائيا، فيما بلغت عام 2002، 75 حالة انتهاك منها 15 حُـكما قضائيا، وفي عام 2003 رصَـد المركز 85 حالة انتهاك، منها 19 استجوابا ومحاكمة و5 وقائع مصادرة وحجز إداري للصحف.

أما خلال العام الماضي، الذي وصفه رئيس المركز محمد الصادق العديني بالأسوء والسوداوي على الصحافة اليمنية، فقد قفزت عدد حالات الانتهاكات والملاحقات إلى 120 حالة.

واستندت تلك الملاحقات إلى قانون الصحافة والمطبوعات الصادر عام 1990، الذي جاء كمحصلة للتوافق بين صنعاء وعدن قبل قيام الوحدة، ومع أن ذلك التشريع أقرّ جملة من المبادئ الضامنة لحرية التعبير، على أساسها استطاعت أن تلعب الصحافة دورا فاعلا في الساحة اليمنية، لكنها جعلتها، في المقابل، عُـرضة لتلك الملاحقات جراء محظورات النشر التي تضمنها ذاك القانون، ونتيجة الضوابط والقيود التي فرضها على العمل الصحفي.

انتهاكات وتشريعات ومطالب

وفي هذا الإطار، يُـورد المحامي نبيل المحمدي مآخذ عدّة على ذلك القانون تبرّر استبداله أو تعديله. ومن تلك المآخذ، تضييق النطاق الشخصي للممارسة الصحفية نتيجة لاشتراطه مواصفات في الصحفي تطال العمر والقدرة المالية، حيث فرضت على مالك الصحيفة أن يضع مبلغا من المال في أحد المصارف، وقيّـدت الممارسة الصحفية في نطاق لا ينبغي لها تعدّي مجموعة من الثوابت والمحظورات الفضفاضة أوردها القانون على سبيل الحصر، وكانت النتيجة أن أصبح الحق الدستوري محكوما بنصوص تقييد تآزرت وتساندت لتضييق نطاق حرية الصحافة واستلاب القيمة العملية للضمانات الدستورية لذلك الحق.

ولا يقتصر الأمر على مُـقتضيات قانون المطبوعات، بل ثمة مجموعة من التشريعات الأخرى التي تحدّ من حرية الصحافة وتجرمها، إذ توجد إحدى عشر مادة في قانون العقوبات مُـدرجة تحت مسمى "جرائم العلنية والنشر"، تتضمن أغلظ العقوبات وأشدها على حرية الصحافة، وتتراوح بين الإعدام والحبس والغرامة، حتى تجاه الخطأ المهني غير المقصود، بل أنزلته، حسب المحمدي، منزلة الانحراف، من خلال سحب مجموعة تلك العقوبات على كل من نشر علانية ما يسيء أو يهين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والوزراء والمسؤولين المحليين، أو من كل معلومات تتعلق بالمسؤولين. وهي عقوبات لا تنحصر فقط بمن نَـشر، بل تشمل أيضا من قدّم تلك المعلومات.

أدت مثل تلك المقتضيات التشريعية المنظمة للنشر والصحافة، إلى طرح إشكال دائم على المهنة وعلى السلطات اليمنية، وزادت من المطالب الداعية إلى ضرورة تغيير الوضع، وتزايدت الانتقادات الموجهة للحكومة اليمنية، خاصة من قبل المنظمات والهيئات المهنية الدولية التي مافتئت تطالب صنعاء بوضع حد لاستجواب الصحفيين وملاحقاتهم وحبسهم، لاسيما مع الكمّ المتزايد لحالات الانتهاكات من عام إلى أخر.

وعلى ضوء تلك الخلفية، بقيت قضية إعادة النظر في قانون الصحافة والتشريعات الصحفية مطروحة باستمرار، يلتقي عليها طرفا المعادلة، الوسط الصحفي والمعارضة من جهة، والسلطة من جهة أخرى، الأول يدفعه إلى وضع حد لتزايد تلك الانتهاكات والمضايقات، والسلطة يدفعها ضيقها مما اعتبرته تجاوزا من قبل الصحف والصحفيين للثوابت.

مـخـاض قانوني

وتعود أولى المبادرات التي طرحتها الحكومة إلى عام 2002، عندما بادر رئيس الوزراء عبد القادر باجمال إلى دعوة نقابة الصحفيين لوضع مشروع قانون جديد للنقابة يُـخوّلها ضبط الممارسة المهنية.

إثر ذلك طرحت الحكومة مشروعا بصيغته الأولى في مطلع عام 2003، وتضمن إلغاء حبس الصحفي وقلّـص من محظورات النشر، لكنه لم ير النور بسبب إصرار النقابة على أن يؤمن المشروع ضمانات جوهرية لممارسة حرية التعبير ورفع سقفها عما هو عليه في التشريعات النافذة، بيد أن تلك المطالب قوبلت بفتور حكومي انتهى إلى صرف النظر عن مشروع ضبط وتوجيه المهنة عن طريق النقابة.

لكن سُـرعان ما عادت القضية إلى الواجهة مجددا في مايو من العام الماضي، عندما دعا الرئيس اليمني علي عبد الله صالح إلى إلغاء عقوبة حبس الصحفي.

فعقب ذلك التصريح الرئاسي، عاد طرح تعديل قانون الصحافة والمطبوعات أو استبداله بقانون آخر، وبدأت تلوح في الأفق مجددا بوادر اشتغال على وضع قانون جديد، وسعت نقابة الصحفيين إلى التبشير به، لكن دون أن تقوم لا بتقديم مشروع قانون توافقي بين مختلف الأطراف، ولا حتى تقديم قانون بديل، رغم ما وعدت به وتوعّـدت من أن لها مشروعها الخاص بها.

نقاط إيجابية وأخرى سلبية

ويعتقد المراقبون أن تردد النقابة وإحجامها عن طرح مبادرة معقولة ناجم عن عجز ذاتي وموضوعي، الأول تمثل في ضعف قدرة أعضائها على فهم واقع الممارسة الصحفية الإشكالي، وضع تصور تشريعي للخروج منه، أما السبب الموضوعي هو أن إقرار أي من المشاريع القانونية مرتبط بالسلطة المعنية المخولة اقتراح القوانين وإقرارها، وهي في واقع الحال بيَـد الحزب الحاكم الذي يمتلك الأغلبية المطلقة داخل المجلس التشريعي.

ولعل ذلك ما دفع بوزارة الإعلام إلى طرح مشروع القانون دون الرجوع إلى النقابة، فجاء متضمنا لمواد أكثر تشديدا وحجرا على حرية الصحافة من مساوئ القانون المعمول به حاليا، واعتُـبر بمثابة تكبيل جديد للممارسة الصحفية في اليمن، كونه لم يُـلغ حبس الصحفي صراحة، واكتفى بالإشارة إلى عدم جواز الحبس الاحتياطي للصحفي بسبب أرائه، مما يعني جواز حبسه غير الاحتياطي أو سجنه، إذا تعلق الأمر بشيء خارج عما يُـمكن اعتباره رأي، كالخبر أو الصورة وغيره من الأجناس الصحفية التي لا تندرج ضمن ما يعتبر رأيا للصحفي.

وتعليقا على ذلك القانون، قال الدكتور عبد الواسع الحميدي، باحث في الصحافة والإعلام، لسويس انفو: "تضمن مشروع القانون بعض الإيجابيات، خاصة تجاه نقابة الصحفيين، وافقد منحها صلاحيات شبه قضائية لتنظيم المهنة، وخوّلها قرارات تأديبية تجاه المُـخلين بقواعد وأخلاقيات المهنة من أعضائها، كما أنه عرض للمسألة القانونية كل من يُـعرقل عمل الصحفي أو يمتنع عن تزويده بالمعلومات الضرورية لأداء مهمته، وهذه نقطة إيجابية تسهم في تدفق المعلومات".

واستطرد الحميدي قائلا: "لكن مقابل ذلك، انطوى المشروع على سلبيات كثيرة، مثل إلزام الصحفي بالإفصاح عن مصدر معلوماته، وهذا سيُـؤدّي إلى الإضرار بالثقة بين الصحفي ومصادره، على أن الثابت في كل القوانين عدم جواز مسألة الصحفي عن مصادر معلوماته، كما أن المشروع أغفل الإشارة إلى تحرير القطاع السمعي البصري أو على الأقل تنظيمه، خاصة والعالم اليوم يعرف طفرة قوية لهذا القطاع، وفي ظل المناطق الإعلامية الحرة اليوم، أصبحت عملية تأسيس قناة فضائية تبث من الخارج مسألة سهلة حتى في البلدان التي تصنف على أنها غير ديمقراطية أو أقل ديمقراطية من اليمن، كعُـمان والإمارات العربية وقطر وغيرها انفتحت على هذا الجانب، على انه في حالة اليمن ربما يقف وراء ذلك فهم مغلوط لدى السلطة والأحزاب السياسية المعارضة على حد سواء. فهذه الأخيرة ما فتئت تطالب وتلوح بافتتاح قناة فضائية مع أن المعمول به في كثير من البلدان أن تحرير القطاع يخضع لضوابط صارمة وغير متاح للأحزاب السياسية أن تمتلك القنوات التلفزيونية".

رهان خاسـر

من الواضح أن مشروع القانون المقترح جاء محصلة لتراكمات طويلة من المنازلة الدائمة على صدر صفحات الجرائد اليمنية، فمن المعروف أنه لم يبق أمام أحزاب المعارضة (التي تراجعت بوجه الهيمنة المطلقة للمؤتمر الشعبي العام "الحاكم" على المؤسسات الدستورية والسياسية) سوى المربّع الصحفي الوحيد الذي تنازل عنه خصمها (مؤقتا)، مما حفز بهذه الجريرة على الصحافة والصحفيين رغبة عارمة لإسكاتها عن طريق تشريعات صارمة تحد من مساحة الحرية المسموح بها حاليا.

حتى الآن، يبدو أن رهانا من ذاك القبيل خاسر لا محالة لعدة اعتبارات، منها أن الصحفيين مازالوا يبدون رفضا قاطعا لمشروع القانون، وقد أثمر رفضهم دعوة الجانب الحكومي كل الأطراف المهنية والحقوقية إلى المساهمة في النقاش وإبداء ملاحظاتها لأخذها في الحسبان بالمشروع المقترح قبل إقراره.

لكن رغم تلك الدعوة الحكومية، تظل المخاوف بشأن صدور قانون لا يُـلبي تطلعات الوسط الصحفي ولا يستجيب لملاحظته قائمة، خاصة أن التجربة تبعث على مثل تلك المخاوف، نظرا لامتلاك المؤتمر الشعبي العام الأغلبية المُـطلقة في مجلس النواب، صاحب القول الفصل والأخير في هذا الشأن.

عبدا لكريم سلام - صنعاء

Neuer Inhalt

Horizontal Line


The citizens' meeting

المؤتمرات البلدية في ربوع سويسرا

تابعُونا على تلغرام

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك