Navigation

قانون فرنسي يصدم النخب المغاربية

في 4 مارس 2003، حظي الرئيس الفرنسي جاك شيراك باستقبال شعبي كبير في مدينة وهران بعد الجزائر العاصمة. حينها، لم يكن أحد يتوقع أن تطرح مجددا إيجابيات الحقبة الإستعمارية الفرنسية في الجزائر وباقي المستعمرات swissinfo C Helmle

قلما لاقى قانون فرنسي من الأصداء والتداعيات في أرجاء المغرب العربي مثلما لاقى القانون الذي صادق عليه البرلمان الفرنسي في 23 فبراير 2005.

هذا المحتوى تم نشره يوم 22 ديسمبر 2005 - 12:39 يوليو,

القانون قضى بأن تمتدح المقررات المدرسية الفرنسية "الدور الإيجابي للوجود الفرنسي في ما وراء البحار"، أي الإستعمار في البلدان والمناطق التي أخضعت للإحتلال في القرنين الماضيين.

قلما لاقى قانون فرنسي من الأصداء والتداعيات في أرجاء المغرب العربي مثلما لاقى القانون الذي صادق عليه البرلمان الفرنسي في 23 فبراير الماضي والذي قضى بأن تمتدح المقررات المدرسية الفرنسية "الدور الإيجابي للوجود الفرنسي في ما وراء البحار" أي الإستعمار في البلدان والمناطق التي أخضعت للإحتلال في القرنين الماضيين، والتي مازال بعضها تحت السلطة الفرنسية خصوصا في أميركا الوسطى.

وأثارت الخطوة صدمة مشفوعة بحيرة واسعة في أوساط النخب أساسا، وامتد السخط إلى الرأي العام من خلال تناول الصحف للموضوع. لكن سرعان ما انشدت الأنظار إلى الجمعية الوطنية الفرنسية بمناسبة الإقتراح الذي تقدم به الفريق الإشتراكي (الأقلي) في 29 نوفمبر الماضي لإلغاء القانون، والذي أحبطه الحزب اليميني القريب من الرئيس شيراك "الإتحاد من أجل حركة شعبية" UMP ، وأيده في ذلك وزير الداخلية نيكولا ساركوزي الزعيم الذي ما انفك نجمه يصعد والذي استغرب من "جنوح فرنسا الدائم للندم".

ومع الإنتقادات الواسعة التي أثارها القانون في المغرب العربي وبخاصة في الجزائر حيث ربطت الحكومة التوقيع على معاهدة صداقة مع باريس بالتراجع عن ذلك القانون الذي وُصف بكونه يُشرَع الإحتلال والإستعمار ويُبرَر جرائمهما، لجأ شيراك للتخفيف من حدة الجدل بالإعلان أن "التاريخ لا يُكتب بسنَ القوانين وإنما تعود تلك المهمة للمؤرخين". ثم شكل شيراك لجنة لتحديد دور البرلمان في مجالات الذاكرة والتاريخ، إلا أن تلك الرسالة لم تطفئ النار المشتعلة في قلوب قطاعات واسعة من النخب المغاربية.

الصحافة المغاربية

وفي هذا السياق اعتبرت فاطمة الوحشي أستاذة القانون في جامعة تونس أن شيراك لم يكن صادقا في معارضته للقانون لأن الأخير ما كان ليتخذ طابعه النهائي لولا توقيع رئيس الجمهورية عليه. وأشارت إلى أن البند العاشر من الدستور الفرنسي يجيز له الطلب من البرلمان "معاودة النظر في أحد القوانين أو في بعض فصولها".

ويمكن القول إن القانون كان بمثابة النصل الذي غُرس في جراح المغاربيين التي لم تندمل بعدُ، سواء تلك التي تعود إلى مرحلة الإحتلال أو حتى التي تزامنت مع ظهور الدولة الوطنية وفي مقدمتها قضية المعارض المغربي البارز المهدي بن بركة الذي اتُهمت المخابرات الفرنسية والمغربية بالتعاون لتصفيته في باريس في سنة 1965.

ولوحظ أن الجدل حول القانون الفرنسي استقطب الإهتمام في جلسات مجلس المستشارين التونسي عندما طرح الوزير الأول الأسبق رشيد صفر الموضوع بحدة وعصبية مستنكرا القانون الذي "يمجَد" الوجه الإيجابي للإستعمار الفرنسي ومؤكدا في مداخلة لفتت الإنتباه، أثناء المداولات الأولى للغرفة الثانية التي أنشئت حديثا، أنه "كان على الفرنسيين الإعتذار عما قاموا به وليس تمجيد تاريخهم الإستعماري. وفي السياق نفسه ظهرت افتتاحيات ومقالات مستنكرة في غالبية الصحف المغاربية عبرت عن "الصدمة والإستغراب لسن قانون كهذا وفي هذه الفترة بالذات".

وتلقفت صحف مغاربية دعوات كتاب كبار معارضين للقانون مثل الشاعر المارتينيكي ادوار غليسون الذي زار تونس في الربيع الماضي للمشاركة في ندوة أكاديمية حول أعماله الشعرية، والذي كتب بالإشتراك مع الروائي باتريك شاموازو رسالة مفتوحة لساركوزي منتقدين بشدة أن "تلجأ أمة لفرض توجهات معينة للتدريس في مؤسساتها التعليمية بقوة القانون مثلما كان سيفعل أي نظام دكتاتوري".

وعطفا على تلك المؤاخذات اعتبرت الأقلام المغاربية أن "الهدف من سنَ مثل هذا القانون هو التغطية على الجرائم التي ارتُكبت في المستعمرات"، مما جعل الجدل حول القانون الجديد يشكل مناسبة للتذكير بالمذابح التي ارتكبتها الجيوش الإستعمارية في كل من غوادلوب لدى إعادة تكريس الرقَ في سنة 1802 وفي مدغشقر سنة 1947، وفي سطيف الجزائرية مع نهاية الحرب العالمية الثانية في سنة 1945 ثم في الكونغو والهند الصينية لاحقا وسواهما.

أكاديميون نزهاء

ورأى الصحافي حسن العطافي رئيس تحرير جريدة "الصباح" المغربية أن شيراك اتخذ منحى موضوعيا في بداية ولايته الأولى عندما فرض مصطلح "حرب الجزائر" بدل "أحداث الجزائر" في سنة 1996 مما عبَد الطريق للبرلمان لاعتماد قانون في هذا المعنى بعد ثلاث سنوات، وكان بوسعه أن يستثمر صلاحياته لدى مناقشة القانون الجديد للحيلولة دون التصديق عليه.

واعتبر الجامعي الجزائري زهير عروس أن واجب فرنسا يقتضي، بعد مرور نحو نصف قرن على جلاء القوات الفرنسية من الجزائر، أن تتبرأ من وصمة الأعمال الإستعمارية وتسن قانونا يقضي بالتعاطي معها بوصفها "غلطة تاريخية".

ونسمع التفكير نفسه لدى المغاربة، فهم يحثون على إظهار الحقائق وإنصاف الشهداء. وقالت الناشطة النسائية جميلة خمليش لسويس أنفو: "إذا كنا نطلب الحقيقة والإنصاف من الحكومة المغربية فكيف لا نطلبهما من الدولة المستعمرة السابقة؟" في إشارة للدعوة التي وجهتها مؤخرا هيئة الحقيقة والإنصاف المغربية للحكومة بالكشف عن أسماء المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان على أيام الملك الحسن الثاني.

وفي السياق ذاته أشار مصطفى العراقي الصحفي في جريدة "الإتحاد الإشتراكي" إلى الندوة التي عُقدت في باريس يوم 29 أكتوبر الماضي بمبادرة من "معهد المهدي بن بركة" بغية إلقاء الضوء على جوانب معتمة من تاريخ الإحتلال الفرنسي لشمال أفريقيا وخدمة الذاكرة الوطنية الجماعية باعتبارها "خطوة إيجابية في الإتجاه الصحيح". وحض الدولة الفرنسية على أن تنسج على منوال الأكاديميين والباحثين النزهاء الفرنسيين والمغاربيين في تصحيح الرؤية للتاريخ.

من المثال إلى الواقع

أما نور الدين حشاد نجل مؤسس النقابات العمالية التونسية فرحات حشاد، فاعتبر القانون الفرنسي الخاص بتدريس "إيجابيات الإستعمار" في المدارس والمهاهد والجامعات معيبا لأن فرنسا مازالت ترفض إماطة اللثام عن الجرائم الإستعمارية ومن ضمنها اغتيال والده الذي كان يستقل سيارته السوداء الصغيرة من ضاحية رادس إلى مكاتب الإتحاد العام التونسي للشغل في وسط العاصمة تونس صباح الخامس من ديسمبر سنة 1952.

وحاول نور الدين الحصول على وثائق تلقي أضواء على ظروف عملية الإغتيال التي قال إن مسؤولين كبارا في الأمن الفرنسي وغلاة المستوطنين في تونس كانوا مورطين فيها، لكن حيل بينه وبين الوصول إلى الملف حتى اليوم. ولجأ لتوكيل محام بلجيكي لرفع دعوى ضد فرنسا من خلال المحاكم الدولية ذات الإختصاص، وسجلت القضية في سنة 2002، لكنها لم تتحرك بسبب رفض الفرنسيين التجاوب.

وكان شيراك وجه رسالة إلى أسرة حشاد اعترف فيها بحادثة الإغتيال وأشاد بشجاعة الزعيم النقابي ودوره في تحرير وطنه. إلا أن تلك المبادرة الشخصية لم تُشفع بمسار رسمي تتبنى من خلاله الدولة الفرنسية رؤية نقدية للفترة الإستعمارية.

ولعل ذلك التمنع هو الذي خلق صدمة لدى النخب التي تربت على مبادئ ومثل تعلمتها في كتب فرنسية وبأقلام مفكرين وأدباء فرنسيين لكنها اكتشفت أن الدولة المعنية هي أول من خرقها واستهان بها. ومن الصعب بعد خيبة الأمل تلك أن تعود الصورة المثالية التي كان المغاربيون يحملونها عن فرنسا للتطابق مع الصورة الواقعية.

رشيد خشانة - تونس

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.