لا سلام عراقيا، إلا بـ "طائف" عراقي

الرئيس العراقي جلال الطالباني ورئيس الوزراء إبراهيم الجعفري في اجتماع القاهرة يوم 19 نوفمبر 2005 Keystone

أثار مؤتمر الوفاق العراقي الذي انعقد مؤخراً في القاهرة، أسئلة أكثر بكثير مما أجاب على تساؤلات.

هذا المحتوى تم نشره يوم 29 نوفمبر 2005 - 21:01 يوليو,

فهل باتت أمريكا جاهزة لتوفير شرطين لا غنى عنهما لإحلال السلام في العراق وهما: مؤتمر دولي – إقليمي على غرار مؤتمر الطائف اللبناني عام 1989، وقبول مشاركة المقاومة العراقية كطرف مباشر في هذا السلام؟

أثار مؤتمر الوفاق العراقي الذي انعقد مؤخراً في القاهرة، أسئلة أكثر بكثير مما أجاب على تساؤلات:

هل مبادرة الجامعة العربية وحدها، حتى ولو كانت مدعومة من واشنطن، قادرة على نقل بلاد الرافدين من حقل الحرب إلى بيدر السلام؟

وهل الأكراد والشيعة، الذين اتهموا في البداية الجامعة العربية بأنها تدخلت بشكل متأخر لمجرد دعم السُـنة العرب بهدف معادلة النفوذ الإيراني، مستعدون للذهاب مع هذه المبادرة إلى نهاية الشوط؟

وهل نهاية الشوط هذه تعني قبول هذين الطرفين الجلوس إلى طاولة واحدة مع المقاومة البعثية التي تشكّل (وفق بعض المعلومات) نحو 80% من الجسم المقاوم؟

ثم(وهنا الأهم) ما موقف الدول الإقليمية المحيطة بالعراق، وهي إيران وسوريا وتركيا والسعودية والأردن، من كل هذا الضجيج الدبلوماسي الذي لا تشارك فيه بفعالية الآن سوى دولة واحدة هي السعودية؟

أياً من هذه الأسئلة الإستراتيجية (إذا جاز التعبير) لم يحظ بأي إجابة في القاهرة، والسبب معروف: الإجابة موجودة على بُـعد سبعة آلاف كيلومتر من الشرق الأوسط، أي في واشنطن التي تملك وحدها مفتاح الحل والربط للأزمة العراقية المستفحلة.

فهل باتت أمريكا جاهزة لتوفير شرطين لا غنى عنهما لسلام بلاد العباسيين: مؤتمر دولي – إقليمي على غرار مؤتمر الطائف اللبناني عام 1989، وقبول مشاركة المقاومة العراقية كطرف مباشر في هذا السلام؟

ثلوج وعواصف

الأمر سيعتمد على حصيلة التمخضات العنيفة التي تجري الآن في الداخل الأمريكي، والتي بدأت تضغط بقوة على إدارة الرئيس بوش لحملها على وضع برنامج زمني وسياسي محدد، للخروج من النفق العراقي.

كتب فيليب ستيفنز، المحلل البريطاني البارز في "فاينانشال تايمز"، والذي زار واشنطن مؤخراً: "الطقس في واشنطن تغيّـر. فإلى جانب الرياح المثلجة، اندلعت أخطر عاصفة في عهد رئاسة بوش. وهكذا، أينما يمَّـمت وجهك، تكتشف أن البيت الأبيض يفقد السيطرة، ويشهد انحدارا يوميا لشعبيته في استطلاعات الرأي. يريد الجميع الآن إعادة القوات الأمريكية من العراق إلى الوطن".

هل يشمل ذلك، جميع النواب والشيوخ الجمهوريين الذين يسيطرون على الكونغرس، والذين دعموا مغامرة العراق "بكل أنواع الأسلحة"؟

الدلائل العلنية لا تشي بذلك، والمناورة الكبرى التي نفّـذها هؤلاء مؤخراً في مجلس النواب، حين حشروا الديمقراطيين في الزاوية وأجبروهم على رفض مشروع قانون يدعو إلى انسحاب فوري للقوات الأمريكية من العراق، دلّـت على أنهم ما زالوا يشكلون حزام أمان لرئيسهم.

بيد أن لصبر هؤلاء حدود، وهذه الحدود لها علاقة بمسألتين متلازمتين: الأولى، اقتراب موعد الانتخابات التشريعية الجزئية. والثانية، تصاعد نقمة الرأي العام الأمريكي من المشاهد المتواصلة لأكياس الجثث الأمريكية القادمة من أرض النفق العراقي. وبالتالي، قد لا يستمر الدعم البرلماني الجمهوري طويلاً لبوش، إذا ما بات النواب والشيوخ بين خياري ربح حرب العراق (وهذا يبدو مستحيلاً) وبين خسارة مقاعدهم في الكونغرس (وهذا يبدو ممكناً).

أي انسحاب؟

العاصفة في واشنطن إذن قوية حقاً وعنيفة حقاً. لكن، هل يمكن أن تؤدي في النهاية إلى إجبار الرئيس بوش على تحقيق انسحاب أمريكي من العراق على النمط الفيتنامي؟

لا يبدو أن هذا مطروحاً على بساط البحث، لا على طاولة الجمهوريين، ولا على مائدة الديمقراطيين.

وسبق لمركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في لندن أن نشر منتصف شهر نوفمبر تقييماً إستراتيجياً عن حرب العراق، استنتج فيه أن أية إدارة أمريكية جديدة ستخلف بوش (بما في ذلك إدارة ديمقراطية) ستكون مضطرة للاحتفاظ بنسبة كبيرة من القوات الأمريكية في العراق، وهذا أمر يؤكده الديمقراطيون أنفسهم.

فقد نشر جوزف بايدن جونيور، وهو سيناتور ديمقراطي وعضو بارز في لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، مقالاً في "واشنطن بوست" السبت الماضي (26 نوفمبر)، أورد فيه الآتي:

- بتنا نعرف سلفاً الجواب على السؤال حول متى سينسحب الجنود الأمريكيون. ففي 2006، سيغادرون بأعداد كبيرة، وفي نهاية ذلك العام سنكون قد أعدنا نشر 50 ألف جندي. وفي 2007 أعداد كبيرة من الجنود المتبقين (100 ألف) سيلحقون بهم، وستبقى قوة صغيرة لضرب تجمعات الإرهابيين.

- لكن، ومع إعادة نشر القوات، هل ستبقى مصالحنا الأمنية في العراق متماسكة أم سيكون علينا مقايضة الديكتاتور بالفوضى؟

- يجب أن نرفض الفوضى. لذا، علينا العمل خلال الشهور الستة المقبلة على إبرام تسوية سياسية قابلة للاستمرار بين الفصائل العراقية، وتعزيز الحكومة والقوات المحلية. كما على جيران العراق والأسرة الدولية أن تشارك في بلورة مستقبل البلاد. وبالتالي، يجب على الرئيس إطلاق إستراتيجية إقليمية، كما فعل في أفغانستان للإفادة من نفوذ الدول المجاورة، وتأسيس مجموعة اتصال تضم الدول الكبرى، كما فعل في البلقان". (انتهى الإقتباس).

أوردنا هذه الفقرات المطولة لبايدن لمجرد التوضيح أن الديمقراطيين، ومثلهم مثل الجمهوريين، ليسوا في وارد تكرار تجربة سايغون في بغداد، وهذا ليس فقط لاعتبارات تتعلق بهيبة القوة الأعظم (برغم الأهمية القصوى لهذه الهيبة)، بل أولا وأساساً لأن الولايات المتحدة لن تستطيع التخلي للآخرين عن ثاني أكبر احتياطي نفط في العالم، في وقت تدل كل المعطيات على أن إنتاج البترول العالمي سيصل قريباً جداُ إلى ذروته، ومن ثم يبدأ انحداره التاريخي، متسبباً بذلك بندرة نفطية وأزمات طاقة، وربما حروب موارد مدمّرة.

متى الطائف؟

عودة الآن إلى السؤال الأول: "هل ستكون واشنطن بعد حين مستعدة لعقد اتفاق طائف عراقي دولي- إقليمي، تشارك فيه المقاومة العراقية على قدم المساواة مع الأطراف الأخرى"؟. لا يبدو أن ثمة مخرجاً آخر لها.

بيد أن إدارة بوش المحافظة والمغامرة لن تقبل هذا الخيار عن طيبة خاطر، وستبذل خلال الأشهر المقبلة جهوداً ضخمة لمحاولة إنجاح مشروعها الأمني - السياسي الراهن عبر محاولة شق المقاومة بإدخال المزيد من السُـنة إلى اللعبة السياسية والعسكرية، وإحداث تغييرات أمنية في المناخ الإقليمي (خاصة في سوريا) لسد منافذ وخطوط تموين المقاومين.

بيد أن كل هذه الجهود لن تنجح، كما أكدت "نيويورك تايمز" نقلاً عن كبار العسكريين الأمريكيين الذين توقعوا "مسيرة عنف ولا استقرار طويلة في العراق"، وحينها، ستكون واشنطن مجبرة لفتح أبواب "الطائف العراقي" على مصراعيها.

سعد محيو - بيروت

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة