لبنان: قِـران الكلمة والرّصاصة

من اليمين إلى اليسار: سعد الحريري وسمير جعجع ووليد حنبلاط أثناء مراسم تشييع النائب أنطوان غانم في بيروت يوم 21 سبتمبر 2007 Keystone

رصاص ناري في الهواء، يُـرافق رصاص الكلمات في سماء بيروت؟

هذا المحتوى تم نشره يوم 13 فبراير 2008 - 03:01 يوليو,

إنه حقاً مشهد كامِـل الرمزية والدلائل، ويكثَف في لحظة واحدة المخاطر الكُـبرى الرّاهنة في بلاد تدّعي أنها اخترعت (مع الفينيقيين) ألِـف باء اللغة في التاريخ!

المشهد كان رمزياً إلى حد بعيد: حسن نصر الله، زعيم "حزب الله"، الذي يتزعّـم بدوره تيار 8 مارس المعارض، يُـدلي بخطاب أو حديث تلفزيوني، فتشتعل ضاحية بيروت الجنوبية بالرصاص الكثيف.

وسعد الحريري، زعيم "تيار المستقبل"، الذي يتزعم بدوره قوى الموالاة في 14 مارس، يُـدلي بخطاب أو حديث تلفزيوني، فتشتعل بيروت بالرصاص الكثيف.

الرصاص بالطبع يُـطلَـق في الهواء، لكن له في الحقيقة استهدافات أخرى، عدا مظاهر هذا "الابتهاج" الغريب: توجيه رسائل للطّـرف الآخر تكون سياسية ورادِعة في آن، رسائل تُـريد أن تقول: نحن جاهِـزون للمُـجابهة، إذا ما كنتم تُـريدونها. العين ستكون بالعين، والحرب بالحرب.

وفيما يلي عيِّـنة من كلام قيل في يوم واحد (الاثنين 11 فبراير الجاري) جنباً إلى جنب مع إطلاق الرصاص:

الزعيم الدرزي وليد جنبلاط: "إذا كنتم تظُـنون أننا سنقِـف مَـكتُـوفين، فهذا أمر من الخَـيال. قد نضطَـر إلى حرق الأخضر واليابسـ، وجُـودنا وكرامتنا وبقاؤنا ولبنان، أهم من كل شيء. تريدون الفوضى؟ أهلا وسهلاً بالفوضى، تريدون الحرب؟ أهلا وسهلاً بالحرب، لا مشكل بالسّـلاح ولا مشكل بالصواريخ، نأخذ الصواريخ مِـنكم جاهزة".

الزعيم السَني سعد الحريري: "إذا اعتَـقَـد البعض أننا سنبقى ساكِـتين وأن هذا الشارع يُـخيفنا، فإننا لا نخاف سوى الله سبحانه وتعالى. نحن لا نُـريد المواجهة، ولكن إذا وُوجِـهنا وفُـرضَـت علينا المواجهة، فإننا بالتأكيد لها".

محمود قماطي، رئيس المجلس السياسي في "حزب الله": "لا تعتقِـدوا أن صبرَنا وهذه الحِـكمة الناتجة من القُـوة والقُـدرة ستبقى إلى ما لا نهاية، لذلك نصبر وقد وصَـل الصّـبر إلى أقصى درجاتِـه، ولكن عليكُـم أن تحذروا من لحظة غضبِـنا ولحظة قرارِنا. عندما نُـقرر النزول إلى الشارع، لن يمنعنا القنّـاصة ولا القَـتلة المأجورون".

كلاوستفيتز اللبناني

هل هذه الكلِـمات رصاص بوسائل أخرى، كما أن الحرب سياسة بوسائل أخرى، كما يقول كلاوسفيتز؟ حتماً، وهي تدفع إلى التساؤل: هل اقترب وقت تحوّل هذه الكلمات النارية إلى رصاص فِـعلي؟ هل تسلَـم بعض أو كل الأطراف اللبنانية المتنازعة كلِـمة السِـر، الإقليمية والدولية، الداعية إلى "الحسم"؟

حتى الآن، يبدو كل شيء تهويلاً بتهويل. صحيح أن ثمّـة صقوراً (في مقدمتهم جنبلاط والجنرال عون)، تقِـف على ضفّـتي مُـعسكر 14 آذار ومعسكر 8 آذار، وتدعو إلى امتشاق سلاح "الحسم النهائي"، لكن الصحيح أيضاً أن حسن نصر الله وسعد الحريري يريان كوارِث الهاوية، التي يحاول العديدون جَـرّهما إليها ويتهيّـبون حتى من الاقتراب منها.

إنهما حمامتان "وديعتان" وسط غابة تعُـج بالطيور الجارحة، إنهما أيضاً السدّ الأخير الذي إذا ما نهار، ستتهاوَى بعدَه كلّ العقبات في وجه الانفجار النهائي في بلاد الأرز. (هناك تيارات أصولية، سُـنية وشيعية غاية في التطرّف على يمين الحريري ونصر الله).

نعم، جنبلاط وعون ومعهما سمير جعجع ووِئام وهّـاب وناصر قنديل وفارس سعيد وغيرهم كثر من سياسيي الطرفين، يرون كل مصلحة في جرّ الكُـتلتين الرئيسيتين، السُـنية والشيعية، في المُـعسكرين إلى الصِّـدام.

جنبلاط مثلاً، لأنه مهدّد في كل لحظة بالاغتيال ويريد حِـماية نفسه عبر تعميم حال الاغتيال على الجميع، وعونً أيضاً، لأنه يفضـَل أن تنهار الجمهورية برمّـتها إذا لم يَـنل هو فُـرصته الأخيرة في الحياة بأن يصبح رئيس الجمهورية، أما الآخرون، فإنهم مجرّد منفِّـذي أوامر قساوِسة الاستخبارات الأجنبية، وهذا ما يطرح سؤالاً مستجَـدّاً آخر: هل ستنجح الحمائم، خاصة في ذكرى اغتيال رفيق الحريري في 14 فبراير وما بعده في الصمود بوجه الصقور؟

إنها فعلت ذلك بنجاح طِـيلة السنوات الثلاث الماضية، فاجتازت العديد من المطبّـات الأمنية الخطرة، التي كان آخرها الصِّـدام الدّموي في "مِـحور" كنيسة مار مِـخاييل، وقبلها صِـدام جامعة بيروت العربية، لكن إرادة الحمائم، على أهميّـتها، ليست هي كل شيء، هناك أيضاً، وبدرجة الأهمية نفسها، الإرادة الإقليمية والدولية التي تنشُـط في كل المنطقة هذه الأيام تحت شعار"الفوضى الخلاقة".

تصادم هاتين الإرادتين لن يكون في الغالب لصالح الحمائم الذين يعتقدون الآن أنهم قادرون على مُـواصلة الرِّهان على توازُن رُعب الشارع بينهما. لماذا؟ لسبب بسيط: هذا الشارع لا يتضمّـن فقط الجماهير المذهَـبية والطائفية، بل أيضاً "جماهير" من نوع خاصّ للغاية: أجهزة الاستخبارات من كل لَـون وشكل، وعلى رأسها بالطبع الاستخبارات الإسرائيلية، التي تحكُـم وتتحكّـم بجُـل القرارات السِـرية وغير السِـرية في الشرق العربي.

مؤشران خطران

هذا بالتحديد ما يجعل لُـعبة توازُن الرُّعب مفتُـوحة على مِـصراعيْـها، على رُعب انهيار التّـوازن، وهو احتمال لم يعُـد بعيداً بفعل مؤشِّـرين خطِـرين اثنين:

الأول، وصُـول الأزمة بين السعودية وسوريا، القوّتين الفِـعليتين وراء 14 و8 آذار على التوالي، إلى ما يُـشبه الطريق المسْـدود، بعد أن كادت مُـبادرة الجامعة العربية، التي يقودها الأمين العام عمرو موسى، أن تنهار الأسبوع الماضي. ويعتقد محلِّـلون أن هذا الانهيار سيكون تامّـاً بعد حين، إذا ما تمدّدت هذه الأزمة إلى شهر مارس المقبل، موعِـد انعقاد القمّـة العربية في دِمشق، فقرّر في ضوئها الملك السعودي عبد الله (وربما الرئيس المصري مبارك) مقاطعتَـها، إذ حينذاك ستشرّع الأبواب والنوافذ على مِـصراعيها أمام صراعٍ سوري - سعودي "حارّ" على أرض لبنان.

المؤشر الخطر الثاني، هو دعوة سمير جعجع، قائد ميليشيا "القوات اللبنانية" إلى واشنطن للقاء "كبار المسؤولين" في البيت الأبيض ووزارَتَـيْ الخارجية والدّفاع.

قد يعترِض البعض هنا: لماذا تُـعتبر هذه الدعوة خطرة؟ ألم يقُـم وليد جنبلاط قبل جعجع بـ "حجٍّ سياسي" إلى واشنطن؟ وكذا الرئيس السابق أمين الجمَـيِّـل ورئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري ونجله سعد ورئيس الحكومة الحالي فؤاد السنيورة؟

لا بل ألَـم يفعل العِـماد ميشال عون، زعيم الحركة الاعتراضية الراهنة على "ثورة الأرز" المدعُـومة أمريكياً، الأمر عيْـنه، حين قام بالتِّـجوال في الولايات المتّـحدة طالباً من مسؤوليها الدّعم والمساندة؟

حسناً، جعجع "غير شكل" (كما يقول المثل العامي اللبناني)، لماذا؟ لأنه ذلك النّـمط من السياسيين – الميليشياويين، الذين يُـجسِّـدون في شخوصهم أقصى درجات التطرّف الأيديولوجي وأدنى مستويات اللُّـيونة السياسية.

جعجع مسيحي قبل أن يكون لبنانياً، وماروني قبل أن يكون مسيحياً، وجبلي بشراني (من بلدة بشري) قبل أن يكون مارونياً، وهو على مدى سنوات الحروب الأهلية اللبنانية، تمكَـن من أن يوحِّـد في شخصية واحدة، الصُّـوفية المسيحية للفيلسوف الفرنسي تيار دي شاردان، والعنف المادي لأعتى عتاة اليمين السياسي الأوروبي المتطرف.

والحصيلة؟ إنها كانت حصيلتين لا واحدة: دعوة "جعجعية" دائمة لتقسيم لبنان على أسُـس فدرالية دينية واستعداد في كل حين لاستخدام منطق القوة لتحقيق الأهداف السياسية و"الوجودية" لمسيحيي لبنان والشرق.

قد يُـقال هنا أن هذه التَّـوصيفات، على فرض صحّـتها، هي أحاديث الأمس. فجعجع اليوم لا علاقة له بجعجع الأمس، إنه الآن أحد قادة "ثورة الاستقلال الثانية"، التي تضُـم كلّ الطوائف والتي تلتزم النِّـضال السِّـلمي، مديرةً الظَّـهر للعمل الميليشياوي.

فترة السِّـجن المديد، مضافاً إليها الانقلابات المحلية والإقليمية والدولية، غيََرت "الحكيم" (وهذا لقَـب جعجع)، ودفعته إلى تغليب ما هو سياسي براغماتي على ما هو أيديولوجي دوغمائي، وهذا واضِـح في مواقِـفه السياسية منذ اندلاع الأزمة الراهنة عام 2005 وحتى الآن.

ربما كان هذا صحيحاً، لكن إلى أيّ حدّ؟ حتماً ليس إلى درجة انتقاله من الموقع الديني - الطائفي إلى الموقع الوطني – العِـلماني. جعجع أصبح أقل تطرّفاً، بيد أنه لا يزال جعجع المؤمِـن بأن علاقة الإسلام والمسيحية، هي صِـراع جدلي أو حرب ثقافات أو حتى صِـدام حضارات، ثم يجب أن لا ننسى هنا التُّـراث التحالفي، الذي راكمَـه جعجع استنادا إلى هذه القَـناعات والذي وضعه في الكثير من الأحيان في الحُـضن الإسرائيلي.

انفجار في أي اتجاه؟

كل هذه المعطيات تطل برأسها خلال مقاربة الجولة الأمريكية لقائد القوات اللبنانية، مُـضافاً إليها اعتبار آخر لا يقل أهمية: بدء تحرّك الأزمة اللبنانية، وبوتائر سريعة، نحو حال استقطاب حاد بين تياري 8 و14 مارس، تتبدّد في إطاره فُـرص التلاقي وتتفاقم فيه احتمالات التنابذ.

لم يصل الأمر بعد إلى مرحلة طرح الانقلابات "البونابارتية" أو الثورات "البلشفية" أو الحروب الأهلية "الخلاَقة" على النّـمطين الأمريكي والفرنسي لحسم الأزمة الراهنة، لكنه يقترب منها، وإذا ما استمر هذا الاقتراب وِفق الوتائر الحالية، ستكون ثمّـة حاجة لقادة من نمط جعجع ليقوموا بمهمّـة تحويل الاستقطاب إلى انفجار.

الإنفجار، إلى أي اتجاه سيكون؟ ليس بالضرورة حينها، لتحقيق أهداف 14 مارس، برغم أن منطق الاستقطاب سيفرض طرح اسم جعجع كمُـرشح الحدّ الأقصى لرئاسة الجمهورية، بل لإعادة الاعتبار لمشروع الفدرالية "الجعجعي" القديم، والذي أصبح حالياً في أمر اليوم الأمريكي والإسرائيلي في كل أنحاء الشرق الأوسط الكبير.

سعد محيو - بيروت

جنبلاط يحذر من حدوث فوضى واندلاع حرب بلبنان

بيروت (رويترز) - حذر الزعيم الدرزي وليد جنبلاط يوم الأحد 10 فبراير من حدوث حالة من الفوضى وظهور شبح الحرب بلبنان، الذي يمر بأسوأ أزماته السياسية منذ الحرب الأهلية التي دارت من عام 1975 إلى عام 1990.

وحثّ جنبلاط جماعة حزب الله على فض تحالفها مع سوريا. وتدعم دمشق حزب الله وحلفاءه في حملتهم السياسية المناوئة لتحالف الغالبية الحاكم.

وقال جنبلاط في كلمة نقلها التلفزيون، إن الاغتيالات وتسليح الميليشيات واستمرار فراغ مقعَـد الرئاسة، ستجُـر "الجميع إلى الفوضى". وانتقد جنبلاط زعيم حزب الله حسن نصر ال،له مضيفا "إذا كنتم تظُـنون أننا سنقِـف مكتوفي الأيدي، فهذا أمر من الخيال... تريدون الفوضى.. أهلا وسهلا بالفوضى، تريدون الحرب.. أهلا وسهلا بالحرب، لا مشكلة بالسلاح..."

وفاقمت الأزمة من التوترات بين الفرقاء وأدّت إلى أسوإ أحداث عُـنف بالشوارع منذ الحرب الأهلية، كما ألحقت الأزمة الشلل بالحكومة وبات لبنان بلا رئيس منذ نوفمبر الماضي، عندما انتهت فترة ولاية الرئيس اميل لحود.

ودعا جنبلاط أنصاره للمشاركة في تجمّـع حاشد يوم الخميس 14 فبراير، لإحياء الذكرى الثالثة لواقعة اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، والتي يلقي تحالف الغالبية باللائمة فيها على سوريا.

وتنفي دمشق أي دور لها في الهجوم الذي وقع في 14 فبراير عندما انفجرت شاحنة ملغومة، مما أسفر عن مقتل الحريري، كما تنفي أي دور في الاغتيالات التي أوقعت شخصيات مناهضة لسوريا بعد ذلك.

وفي الأسبوع الماضي، قال سعد الحريري، نجل رئيس الوزراء السابق ووريثه السياسي، إن لبنان في مُـواجهة مباشِـرة مع سوريا وإيران، التي ترعى حزب الله أيضا.

وتُـعتبر جماعة حزب الله أقوى فصيل في لبنان، لكنها تقول إن سلاحها موجّـه صَـوب إسرائيل فقط.

وقال محمد رعد، نائب البرلمان عن جماعة حزب الله يوم السبت 9 فبراير، "لا يمكن أن تستدرج المعارضة لفِـتنة داخلية"، وتابع "مَـن يريدون أن يُـواجهوا.. هل يريدون أن يواجهوا جمهور المعارضة.. هل يريدون تفعيل فتنة في الداخل.. يقولون نحن للمواجهة ونحن حاضرون لها، ونحن نقول لهم.. قدر لبنان الوفاق، ونحن له".

ووافق الزعماء المتنافسون على ترشيح قائد الجيش العماد ميشال سليمان لمنصب الرئاسة، لكن انتخابه ظل معلّـقا بسبب الخلاف على شكل الحكومة الجديدة بعد انتخابه.

وتقرر يوم السبت 9 فبراير تأجيل الانتخابات للمرة الرابعة عشرة، من 11 فبراير إلى 26 من الشهر.

(المصدر: وكالة رويترز بتاريخ 10 فبراير 2008)

End of insertion

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة