Navigation

لبنان: "حوار داخلي" أم "تجاذب خارجي"؟

رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة مع زعيم حزب الله الشيخ حسن نصر الله ووزير الطاقة والموارد المائية محمد فنيش قبيل انطلاق جولة الحوار الوطني في مقر البرلمان يوم 22 مارس 2006 Keystone

هل صحيح، كما أبلغ مسؤولو الاتحاد الأوروبي مؤخراً رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة، أن "الحوار الجاري الآن في لبنان، هو نقطة الضوء الوحيدة في منطقة تلفها عتمة الفوضى والعنف"؟

هذا المحتوى تم نشره يوم 28 مارس 2006 - 13:01 يوليو,

وهل يمكن أن يصل هذا الحوار إلى خواتيم ناجحة؟

الاتفاق الأولي، الذي وقعه أمراء الطوائف والمذاهب المؤتمرين في مجلس النواب اللبناني منذ نحو أسبوعين حول إزالة السلاح الفلسطيني خارج المخيمات، ولبنانية مزارع شبعا، وإعادة بناء العلاقات اللبنانية - السورية على أسس جديدة، تستند إلى تبادل الاعتراف الدبلوماسي وتوازن المصالح، أوحى للبعض بذلك.

لكن أي تدقيق سريع في كواليس هذا "الحوار الوطني"، الذي يشارك فيه 15 من كبار زعماء الطوائف، يقود إلى صورة أخرى مغايرة تماماً، إذ أن كل ما خرج به المؤتمرون، كان مجرد "خمر قديم في قوارير جديدة".

فبنود المزارع والمخيمات والعلاقات مع سوريا، وردت كلها وبحذافيرها، في البيان الوزاري لحكومة السنيورة، وهي بنود سبق للأمراء أن أقروها قبل أن يختلفوا عليها مؤخراً. وربما لهذا، كان السنيورة مُـحقاً في سخريته اللاذعة، حين وصف هذه الاتفاقات بأنها "تاريخية.. لأنها تعزز المواقف السابقة لحكومتي"!

ثم إن المحللين في بيروت يُـجمعون على القول بأنه لولا وجود "هدنات" خارجية إقليمية دولية، لما تسنّـى للمتحاورين اللبنانيين تبريد أزماتهم ووضعها في ثلاجة هدنات داخلية، وهي مقولة تبدو صحيحة للغاية، ودقيقة للغاية.

فالاتفاق على بند العلاقات المميزة مع سوريا لم يكن ليولد، لولا حال التبريد التي تشهدها الأزمة السورية - الأمريكية راهناً، بفعل انشغالات واشنطن المفاجئة في إيران (الملف النووي) وفلسطين (صعود حماس) والعراق (إقتراب "الموعد الرسمي" لإعلان الحرب الأهلية).

ثم جاء تقرير قاضي التحقيق الدولي سيرج براميرتس الايجابي إزاء سوريا، ليزيد هذا التبريد برودة، وليوحي بأن ثمة نافذة حوار ما مشرّعة هذه الأيام (على الأقل هذه الأيام) بين دمشق وبين واشنطن وباريس.

وإيرانياً، أسفر اتفاق طهران وواشنطن على "التحادث" حول العراق، والذي ترافق مع تصاعد الخلافات الداخلية في إيران حول تدهور العلاقات مع الغرب، إلى بروز "أصوات إيرانية قوية" (وفق تعبير "نيويورك تايمز")، تطالب بوقف تكتيك المجابهة، وتحذّر من المخاطر الجمّـة التي يمكن أن يحملها إحالة الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن، خاصة فيما يتعلق بالعقوبات الاقتصادية، الأوروبية أساساً، والتي ستكون نتائجها مدمّـرة على إيران.

هذه التمخضات الداخلية الإيرانية انعكست سريعاً، على ما يبدو، في المرآة اللبنانية، فوافق أنصار طهران في بيروت ("حزب الله" و"أمل") على وقف التصعيد، وتركوا الباب موارباً حيال القضايا الحارة التي تمس مواقع القوة في الإستراتيجية الإقليمية الإيرانية: صواريخ حزب الله الـ 12 ألفاً الموجهة نحو حيفا والجليل الأعلى، والتركيبة الأمنية - العسكرية المهمة لهذا الحزب، والتي يمكن أن تبرز أهميتها الفائقة إقليمياًُ ودولياُ في حال تحوّلت الحرب الباردة بين إيران والغرب إلى حرب ساخنة.

وأخيراً، وعلى المستوى الأمريكي، لم يكن أي من هذه الايجابيات الداخلية اللبنانية ليحدث، لو أن واشنطن قررت تمديد الحريق المذهبي العراقي إلى لبنان، أو لو أنها أرادت معالجة "الأرصدة الإيرانية" في لبنان بالتي هي أعنف، وليس بالتي هي أحسن.

لمن الفضل؟

هل يعني كل ذلك أنه لم يكن ثمة فضل ما لأمراء الطوائف والمذاهب اللبنانيين في الاتفاقات التي جرت مؤخراً؟ ألا يستطيع هؤلاء أن يتفقوا، ولو لمرة في تاريخ لبنان الحديث، على إبرام سلام وطني داخلي حقيقي، لا خارجي دولي - إقليمي؟

الأطراف التي تمنح الطوائف مثل هذا الفضل، موجودة، ولكنها محدودة للغاية، وهي ترى أن أمراء الطوائف، من السيد نصر الله إلى سعد الحريري، مروراً بميشال عون وسمير جعجع (عدا ربما وليد جنبلاط)، أثبتوا (حتى الآن على الأقل) أن ثمة شعاعاً إلاهياً، وإن خافتاً، قذف في صدورهم فأضاءها بنور الرغبة بالسلم الأهلي، ومحضها نبضاً، وإن ضعيفاً، من نبضات الحس الوطني.

فليس تفصيلاً بسيطا، برأي هذه الأطراف، أن تجري أحداث جسام في لبنان طيلة السنة الماضية، كالانسحاب العسكري السوري، والاختلالات العميقة في موازين القوى المحلية والإقليمية في لبنان، والتظاهرات الشعبية (إقرأ الطائفية)، بدون ضربة كف واحدة، وليس أمرا هامشياً أن تبقى اليد العليا لسلاح الكلمة، برغم سيل الأسلحة الذي يتدفق الآن على بلاد الأرز.

وتضيف الأطراف، ربما يؤشر على جديد ما في بلاد الفينيقيين والمردة والمرابطين، وهذا الجديد قد يصبح تاريخيا، إذا ما أثبت أمراء الطوائف أنهم قادرون على صنع السلام، كما هم عبقريون في صنع الحرب.

بيد أن مثل هذا المنطق ضعيف لسببين: الأول، أن هؤلاء الأمراء، وبلا استثناء، لا يملكون في الواقع من أمر مصيرهم شيئاً، لا مصالحهم الاقتصادية الخارجية الضخمة تسمح لهم بذلك، ولا إرادتهم الذاتية، التي لا أثر فيها لأي مسحة وطنية مستقلة، تشجعهم على ممارسة حق تقرير المصير.

فهل في وسع السيد نصر الله، زعيم الطائفة الشيعية، مثلاً، اتخاذ قرار مستقل حول الصواريخ الـ 12 ألفاً التي استلمها من إيران وسوريا بدون العودة إليهما أولا؟ وهل بمستطاعه أن يقرر بنفسه ولنفسه فصل أزمة لبنان عن الصراع الإيراني-الأمريكي والعربي- الإسرائيلي؟

وهل، مثلاً أيضاً، بإمكان سعد الحريري، زعيم الطائفة السنيّـة، إبرام تسويات داخلية من دون العودة إلى مرجعيته الخارجية، السعودية وأصدقائه الفرنسيين والأمريكيين؟ وماذا عن وليد جنبلاط؟ هل لا زال في مقدوره بعد تغليب المصلحة الوطنية اللبنانية على ما عداها، بعد أن نقل نفسه (وطائفته برمتها) من موقع التحالف مع النظام السوري إلى خندق الحرب ضده بتصفيق من واشنطن التي تفتح صدرها له الآن؟

ثم: هل ميشال عون وسمير جعجع زعيما الطائفة المارونية، مستعدين لشق عصا الطاعة على محظورات باريس وواشنطن إذا ما اقتضت الضرورات الوطنية اللبنانية ذلك؟

لعبة التاريخ

السبب الثاني له علاقة بالتاريخ. فلبنان، الذي وصفه مترنيخ بأنه هذا البلد "الصغير في حجمه، الكبير في أهميته"، لطالما اشتهر طيلة القرنين الماضيين بأنه مجرد بارومتر لموازين القوى الحقيقية في المنطقة.

ففي منتصف القرن التاسع عشر، كان انفجار الحروب المارونية - الدرزية (1840- 1860) في جبل لبنان، مجرد امتداد بالحرب للصراع السياسي بين الدول الكبرى الأوروبية في تلك الحقبة (فرنسا وبريطانيا وبروسيا وروسيا والنمسا) على وراثة الإمبراطورية العثمانية المحتضرة، ولم تضع هذه الحروب أوزارها، إلا بعد أن توصلت فرنسا وبريطانيا إلى صفقة حول قناة السويس، ومن ثم حول تقاسم العالم العربي في اتفاقية سايكس - بيكو.

وفي عام 1975، كان انفجار الحروب في لبنان، إيذاناً بانفجار معركة تسوية الصراع العربي – الإسرائيلي، ولم تتوقف هذه الحروب إلا بعد أن وافق الفلسطينيون والعرب على طَـرق أبواب تل أبيب والاعتراف بدولة اليهود على أرض فلسطين.

والآن، يستعد لبنان للعب دور "مرآتي" مماثل، دور البقعة التي تتكثف فيها التجاذبات الإيرانية - الأمريكية والسورية - الأمريكية حول من سيجلس سعيداً على عرش الشرق الأوسط الجديد، وكيف: بمفرده أم بمشاركة "حاشية" ما.

حتى الآن، لا تزال هذه التجاذبات سلمية، أو أن عنفها على الأقل غير منفلت من عقاله. لكن احتمال انفجار الحرب الطائفية في العراق قد يغيّر كل طبيعة الصراع ويقلب كل الأوضاع الراهنة رأساً على عقب.

وفي هذه الحالة، سيكون من المثير معرفة ما إذا كان أمراء الطوائف اللبنانيون سيبقون أمراء سلام، كما هم الآن بمعزل عن القوى الإقليمية والدولية النشطة في بلادهم، أم أنهم سيضعون دور لبنان "الخدماتي" (مجدداً) في خدمة حروب الآخرين على أرضه.

الأوروبيون معجبون بنقطة الضوء الحوارية المنطلقة من بلاد الأرز إلى عتمة فوضى الشرق الأوسط. لكن الكثير من اللبنانيين يضعون أيديهم على قلوبهم الآن، خوفاً من أن تجتاح الفوضى نقطة الضوء هذه، لأنهم أصلاً لا يثقون، لا باستقلالية زعماء الطوائف عن الخارج، ولا بعمق حسهم الوطني في الداخل.

وهم من أسف، على حق.

سعد محيو - بيروت

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.