تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

لم تبق إلا مصادقة خمس دول ....

مثول الرئيس اليوغوسلافي السابق سلوبودان ميلوسيفيتش امام محكمة دولية للمرة الأولى في التاريخ ساهم في تعزيز الإهتمام بإنشاء المحكمة الجنائية الدولية

(Keystone)

خمس وخمسون دولة هي التي صادقت على اتفاق روما لتأسيس المحكمة الجنائية الدولية الدائمة. لم يتبق سوى أن تصادق خمس دول أخرى لتمارس المحكمة صلاحياتها وتصبح أمرا واقعا فعليا. لكن دولا كثيرة لازالت تجر أقدامها حذرة ومترددة تجاه المصادقة على الاتفاق وعلى رأسها الولايات المتحدة والدول العربية.

منذ تبني النظام الأساسي لتأسيس المحكمة الجنائية الدولية في مؤتمر ُعقد في روما في السابع عشر من يوليو عام 1998 وقعت مائة وتسع وثلاثون دولة على الاتفاق الذي أطلق عليه أسم اتفاق روما. لكن هذا التوقيع لا يكفي. إذ يلزم لانضمام الدولة الفعلي مصادقة مجلسها التشريعي حتى يصبح ساري المفعول.

رغم ذلك فأن العد التنازلي لخروج المحكمة إلى أرض الواقع قد بدأ بالفعل لاسيما وأن خمس وخمسين دولة صادقت على الاتفاق. فقد نص أحد بنود اتفاق روما على أن تفعيل المحكمة يحتاج إلى مصادقة ستين دولة فقط. وفي حال حدوث ذلك فإن الهيئة القضائية الدولية الجديدة ستكون لها الصلاحية في التحقيق وملاحقة الأشخاص المتهمين في جرائم ثلاث أساسية: الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب.

بيد أنها صلاحية محدودة رغم كل شئ. لماذا؟ لأن واضعي بنود الميثاق لم ينسوا أن يضيفوا فقرة تنص على أن نطاق سلطة المحكمة يقتصر على الجرائم التي ارتكبت في أراض دولة صادقت على الاتفاق أو أقترفها أحد مواطنيها. ليس من المستغرب إذن أن تمتنع مائة وخمس وثلاثون دولة، من إجمالي الأسرة الدولية البالغ عددها مائة وتسعين، عن المصادقة على الاتفاق. فهي متى ما فعلت ذلك ستفتح الباب على مصراعيه أمام رياح الملاحقة القانونية والقضائية لها ولمواطنيها.

الدول العربية والمصادقة على الميثاق!

حتى اليوم لم تصادق أية دولة عربية على اتفاق روما. وقعت عليه الجزائر والبحرين ومصر وإريتريا والمغرب وعمان والأردن والكويت والسودان وسوريا والإمارات العربية المتحدة واليمن. وامتنعت عن التوقيع كل من قطر والسعودية والعراق ولبنان وليبيا والصومال وتونس.

وبغض النظر عن التوقيع من عدمه فإن كل الدول العربية لم تنظم إلى إطار تلك المحكمة فعليا. صحيح أن صحيفة الحياة الصادرة في لندن يوم الثاني عشر من مارس ذكرت اعتمادا على مصادر خاصة بها "أن التوجه العربي يمضي لجعل التصديق على الاتفاق جماعيا ومن خلال الجامعة العربية بدلا من الدول المنفردة".
إلا أن هذا التوجه، كما يشرح الدكتور صلاح عامر رئيس قسم القانون الدولي بكلية الحقوق بجامعة القاهرة في حديث مع سويس إنفو، لا أساس قانوني له. فالتصديق على المعاهدات الدولية مسألة تتعلق بسيادة الدولة وتمارسها بصورة منفردة. من هنا فإن الجامعة العربية أو أي منظمة إقليمية لن تكون قادرة على جعل "الاختصاص كحزمة للدول الأعضاء للتصديق".

في كل الأحوال، قد يبدو امتناع الدول الأعضاء عن التصديق غير مفهوما. فمبرر الامتناع خوفا من الملاحقة القانونية لها أو لبعض مسئوليها بسبب ادعاءات بارتكاب جرائم ضد الإنسانية ليس مقنعا. فقد أضاف واضعو ميثاق المحكمة بندا، كما يقول السيد كمال السماري المتحدث باسم منظمة العفو الدولية في حديث مع سويس إنفو، ينص على أن المحكمة لن تنظر إلا في الجرائم التي ارتكبت بعد إنشائها. وهذا يعني، أن ما حدث قبل ذلك، والتاريخ ملئ على كل حال بالتجاوزات، يخرج عن نطاق اختصاصها.

فما هو مبرر ذلك التردد؟

تقف الدول العربية الموقعة موقف المتردد، كما يرى بعض الخبراء، بسبب إضافة جريمة العدوان كجريمة رابعة تلتحق بالجرائم الثلاث السابق ذكرها. تتعلق المشكلة أساسا بتوصيف هذه الجريمة. حيث يشرح الدكتور صلاح عامر أن هناك موقفان في هذا الشأن: الأول، وتتزعمه الولايات المتحدة، يدعو إلى تبني صياغات عامة ويسعى إلى إعطاء مجلس الأمن السلطة في توصيف كل حالة على حدة، وتحديد ما إذا كانت عدوانا أم لا، وإحالتها اعتمادا على ذلك إلى المحكمة الجنائية الدولية.

أما الموقف الثاني، والذي تؤيده الدول العربية وتتبناه معها الكثير من الدول ، فيأخذ موقف الحذر ويدعو إلى تعريف مقبول ومتفق عليه للعدوان حتى لا يتيح المجال لمجلس الأمن، أو بالأحرى الدول الخمس الدائمة العضوية فيه، استخدام حقها في النقض، الفيتو، والدخول من جديد في متاهة الكيل بمكيالين و المعايير المزدوجة.

وبسبب هذا الخلاف حول تعريف العدوان أُقر اتفاق روما عام 1998 وَترك هذه الجزئية معلقة ورهينة للمباحثات المتواصلة بين الأطراف. والمثير للسخرية أن عدم الاتفاق عليها دفع الولايات المتحدة إلى عدم التصديق عليها بسبب خشيتها من أن تسحب المحكمة البساط من تحت مجلس الأمن؛ ودفع في الوقت ذاته الدول العربية الموقعة إلى التأني في التصديق حتى ترى الكيفية التي سيتم بها تفعيل المحكمة الجنائية الدولية في المستقبل، وأثار ذلك على ما تصفه بسيادتها الوطنية.

بقي أن نشير إلى أن الكونجرس الأمريكي بدأ يدعو الرئيس جورج بوش علانية إلى نقض توقيع الرئيس السابق بيل كلينتون على اتفاق روما والتراجع عنها. فبالرغم من النص على أن المحكمة لن تنظر سوى في الجرائم التي ارتُكبت بعد إنشائها، إلا أن واشنطن تخشى أن تُستخدم المحكمة لمقاضاة جنود أمريكيين شاركوا في معارك حربية وارتكبوا جرائم تُصنف كجرائم ضد الإنسانية.

إلهام مانع


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×