محاولات جديدة لكسر الجمود

لا زال إيقاع العلاقات الثنائية بين الرباط والجزائر مرتبطا بحل إشكالات عديدة يأتي على رأسها ملف الصحراء الغربية المزمن swissinfo.ch

حـرّكت الزيارة الأخيرة لوزير الداخلية المغربي إلى الجزائر السكون الذي تعرفه العلاقات المغربية الجزائرية.

هذا المحتوى تم نشره يوم 27 يوليو 2004 - 12:07 يوليو,

في الأثناء، هدأت الحركة الدبلوماسية الإسبانية الفرنسية على جبهة هذه العلاقات بإنتظار ما سيسفر عنه التقارب بين الرباط والجزائر.

برنامج زيارة الوزير المغربي مصطفى الساهل للجزائر، التي استمرت يومي 20 و21 يوليو، كان حافلا في لقاءاته وجدول أعمال مباحثاته مع المسؤولين الجزائريين دون أن يخرج عما هو تقليدي في المباحثات الجزائرية المغربية منذ أكثر من عشر سنوات: حدود مغلقة وقيود على حركة المواطنين إضافة لملفات أخرى معلقة منذ عقود، دون أن يكون لكل ذلك علاقة مباشرة بما حركته الزيارة من قضايا وما فتحته من ملفات.

الحركية التي عرفها ملف العلاقات الجزائرية المغربية تمحورت حول القضايا في العلاقات بين البلدين الجارين والشقيقين، قضية الصحراء الغربية وتداعياتها وهي القضية التي تمحور حولها التحرك الإسباني الفرنسي خلال الأسابيع الماضية.

ولقد شكلت قضية الصحراء الغربية محور العلاقات المغربية الجزائرية وارتبطت فيها ارتباطا وثيقا، يحاول هذا الطرف فصلهما في مرحلة ما ويتراجع عن الفصل في مرحلة لاحقة، فتبقى تسوية القضية تتحرك، إن تحركت، في مكانها وتبقى العلاقات تتراوح بين التوتر والجفاء والقطيعة، وما بين قضية الصحراء والعلاقات المغربية الجزائرية كان اتحاد المغرب العربي الذي أسس عام 1989 يتحرك أو يتجمد.

والمعادلة هذه لم تتغير منذ اندلاع النزاع الصحراوي في عام 1975، فالجزائر ومع اندلاع النزاع وما شهدته الشهور الأولى التي تلته من احتكاكات عسكرية أحيانا (كادت أن تتحول إلى مواجهة شاملة)، ربطت طبيعة علاقتها مع المغرب بتطورات النزاع الصحراوي، فإضافة إلى قطع العلاقات الدبلوماسية وإغلاق سفارتي البلدين، أجل تنفيذ كل ما كان متفق عليه قبل ذلك وجمدت الاتفاقيات المبرمة دون أن تطبق. أما الحدود البرية فأغلقت قبل أن يترسخ فتحها، فيما اقتصرت الرحلات الجوية بين البلدين على رحلات تنظمها شركات الطيران الأجنبية.

انفراج عقد الثمانينات

الجهود الدبلوماسية والوساطات، خاصة السعودية منها، أسفرت خلال عقد الثمانينات، عن قمتين عقدتا على حدود البلدين وليس أكثر من ذلك. لكن في نهاية ذلك العقد (1988)، تم رسميا فك الارتباط بين الملفات الثلاثة وإن ظل الترابط قائما من الناحية العملية. فنزاع الصحراء عرف انفراجا باتجاه التسوية تزامن مع انفراج واسع في العلاقات المغربية الجزائرية وبدايات العمل على تأسيس عمل مغاربي مشترك.

على صعيد نزاع الصحراء الغربية، نجح الأمين العام للأمم المتحدة في الحصول على موافقة جميع أطراف النزاع على مشروعه للتسوية الذي عُـرف بمخطط السلام الاممي بعد أن أقر في مجلس الأمن الدولي ويتجه نحو إجراء الأمم المتحدة لاستفتاء تقرير مصير يقرر من خلاله الصحراويون مصيرهم في دولة مستقلة أو الاندماج بالمغرب.

وفي العلاقات المغربية الجزائرية، أعيدت العلاقات الدبلوماسية وفتحت الحدود البرية ورفعت التأشيرات المسبقة عن مواطني البلدين وشكلت لجنة عليا مشتركة، لتسوية الملفات العالقة وتطوير التعاون المشترك.

وانعكس انفراج النزاع الصحراوي وتحسن العلاقات المغربية الجزائرية على العمل المغاربي المشترك وتبع قمة زيرالدة المغاربية (يونيو 1988) قمة مراكش (فبراير 1989) التي تم فيها تأسيس اتحاد المغرب العربي الذي ضم إضافة للمغرب والجزائر كلا من ليبيا وتونس وموريتانيا، وشكلت فيما بعد هياكله ووزعت مسؤولياته ومقرات مؤسساته.

عودة التوتر..وتدخل باريس ومدريد

لكن أجواء الانفراج في الملفات الثلاث لم يدم طويلا، فبعد سنوات ثلاث توقف تنفيذ مخطط التسوية للنزاع الصحراوي عند وقف إطلاق النار وفتر الحماس في العلاقات الجزائرية المغربية بعد أن امتنع المغرب عن الذهاب مع الجزائر بعيدا في مواجهة التيارات الأصولية المتشددة وتجمد العمل المغاربي المشترك عند مجرد إقامة المؤسسات دون تفعيلها.

إلا أن التطور الأهم تمثل في أن المغرب بدأ بربط علاقاته الثنائية مع الجزائر بملف النزاع الصحراوي وهو الربط الذي أدى، إضافة لتوتر صيف 1994، إلى إغلاق الحدود البرية بين البلدين وعمليا إلى عودة القطيعة بينهما، وإلى طلب المغرب رسميا تجميد مؤسسات اتحاد المغرب العربي.

على مدار العقد الماضي، الذي عرف على الصعيد المغاربي تطورات وتغييرات مذهلة، من وفاة الملك الحسن الثاني، إلى الحصار على ليبيا ثم رفعه، مرورا بتصاعد العنف الدموي بالجزائر وخفوته، إضافة لمختلف التحولات والتطورات العربية والدولية، لم تشهد ملفات النزاع الصحراوي والعلاقات المغربية الجزائرية وتفعيل العمل المغاربي المشترك جديدا جوهريا.

فرغم أن الأمم المتحدة تقدمت خلال هذا العقد بمقاربات متعددة لتنشيط التسوية كان آخرها منح الصحراويين حكما ذاتيا مؤقتا تحت السيادة المغربية، وخفوت التوتر المغربي الجزائري وبقاء العلاقات في حدود الجفاء واجتماعات هنا وهناك للمؤسسات المغاربية المشتركة، فإن التغيير المفضي إلى نتائج حقيقة لم يلمس ميدانيا وفعليا.

في ظل هذه الأجواء، جاء التحرك الفرنسي الإسباني الأخير الداعي لانفراج مغاربي جزائري وبالتالي إنعاش التفكير بكتلة إقليمية تضم دول جنوب غرب البحر المتوسط. لقد تحركت مدريد مدعومة من باريس، تطرح أفكارا لإدخال النزاع الصحراوي في "غرفة عمليات إقليمية"، بشكل لا يلغي دور الأمم المتحدة ومشروعها للتسوية ولا يعتبره في الوقت نفسه مشروعا مقدسا لا يمكن الابتعاد عنه ولو قليلا. إلا أن الأفكار الإسبانية التي انطلقت من النقطة "الصحيحة استراتيجيا- الخاطئة تكتيكيا" كان مصيرها في مهب الريح.

"تـقـدم" أم "هــوة"؟؟

الأفكار الإسبانية، والتي كانت باريس قد عبرت عنها في أوقات سابقة، تتمحور حول الدعوة إلى إجراء مفاوضات أو مباحثات أو لقاءات حول نزاع الصحراء، ثنائية مغربية جزائرية أو موسعة يضاف لهما إسبانيا وفرنسا. وإذا كانت الرباط قد رحبت بإطار هذه الأفكار دون أن تلتزم بكل جوهرها، فإن الجزائر اعتبرت نفسها غير معنية بها لأنها (أي الجزائر) لا تعتبر نفسها طرفا في النزاع الصحراوي حتى تتفاوض أو تبحث أو تلتقي حوله مع أي طرف.

وزيارة وزير الداخلية المغربي الذي اقتصرت مباحثاته مع المسؤولين الجزائريين على الجوانب التقنية في العلاقات الثنائية فتحت ملف العلاقة بين النزاع الصحراوي وهذه العلاقات. وانطلقت التصريحات والتعليقات هنا أو هناك، حول التحرك الإسباني الفرنسي والنزاع الصحراوي والعلاقات المغربية الجزائرية بشموليتها.

هذه التصريحات والتعليقات اتسمت بالحدة ووصلت أحيانا إلى حد التهجم وهو ما يعني حد الإحتمالين: إما أنها تكشف عن الهوة الواسعة التي لازالت تفصل بين النزاع الصحراوي وتسويته وأيضا بين العلاقات الجزائرية المغربية وحميميتها ومعها الأمل بانتعاش مؤسسات اتحاد المغرب العربي، أو أنها تخفي تقدما ما في كل ترتيب هذه الملفات، إذا أخذ بعين الاعتبار التحرك السريع لليبيا التي ترأس حاليا اتحاد المغرب العربي ودعوتها لاجتماع عاجل لوزراء الخارجية ولالتئام قمة مغاربية مؤجلة منذ أحد عشر عاما في ليبيا نهاية العام الجاري.

وقد تكون مبررات إخفاء "التقدم" المحتمل كامنة في أن كلا من الجزائر والمغرب سيـُقدمان على تنازلات قد تكون باهظة في الحسابات الداخلية أو أن الأطراف المعنية والمتحركة لا تريد الكشف عن هذا التقدم خوفا من عرقلة تأتي من أطراف داخلية أو خارجية لا ترى لها مصلحة، على الأقل الآن، في ترتيب المنطقة المغاربية.

محمود معروف - الرباط

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة