مرجعية النجف تستعيد دورها

خرج عشرات الالاف من العراقيين يوم 19 يناير في مظاهرات عارمة تأييدا لموقف السيستاني الداعي إلى إجراء انتخابات مباشرة Keystone

تُـثير التحركات الشعبية الداعمة لموقف آية الله السيستاني المُـطالب بإجراء انتخابات مباشرة لاختيار أعضاء المجلس الوطني الانتقالي، استغراب وتساؤلات أطراف داخل العراق وخارجه.

هذا المحتوى تم نشره يوم 20 يناير 2004 - 16:50 يوليو,

ومع إصرار السيستاني على موقفه، تزداد مخاوف الأمريكيين من احتمال انفلات الأمور والتحاق الأغلبية الشيعية بصف المعارضة الفاعلة للاحتلال

تتوجه هذه الأيام أنظار العديد من أبناء الجيلين الأخيرين في المنطقة العربية، وفي النجف وحتى في العراق إلى ظاهرة جديدة عليهم، وهي بروز شخصية مرجعية دينية للشيعة العراقيين تدخل الشأن السياسي العام من أوسع أبوابه.

فمن غير المعتاد أن تُـدلي شخصية من هذا الوزن برأيها في موضوع مصيري في عراق اليوم، والدعوة بوضوح لا لُـبس فيه إلى اعتماد الانتخاب الشعبي المباشر لتشكيل المجلس الوطني الانتقالي (المرشح لصياغة دستور البلاد)، بدل الآلية التي نصّ عليها اتفاق 15 نوفمبر 2003 بين مجلس الحكم الانتقالي والحاكم الأمريكي للعراق لنقل السلطة والمُـركّـبة من تعيينات وانتخابات جُـزئية.

فجيل العراقيين ممّـن عاصروا مرحلة أوائل القرن الماضي يُـدركون أن ما يقوم به آية الله السيستاني الآن، ما هو إلا استعادة لجزء من صلاحيات المرجعيات الشيعية التي لعِـبت دورا حيويا في إشعال وقيادة ثورة العشرين الشهيرة ضد الاحتلال الإنجليزي.

ومع أنها استمرت بعد ذلك في إبداء رأيها في المفاصل المهمة من تاريخ العراق الحديث، غير أن هذا الدور بدأ يتقلّـص حتى تلاشى خلال العقود الأخيرة بسبب الضغوط السياسية التي نجمت عن سلسلة الانقلابات والهزات التي عرفها العراق، وما رافقها من تضييق على كل الأطراف المعارضة أو المستقلة عن الأنظمة المتتالية، بما في ذلك المؤسسة الدينية الشيعية المعروفة باسم الحوزة العلمية.

ضـغـوط.. وحواشي

لكن دخول آية الله السيستاني على الشأن السياسي لم يأت بفعل زوال الضعوط السابقة فقط. فالرجل عُـرف منذ شبابه بالابتعاد عن الأضواء، وعدم ميله للخوض في الشأن العام، وعمل من موقعه كمُـرشد في الأمور العامة، وإعطاء الرأي المُـتناسب مع قيم الدين ومفاهيمه الأساسية.

وهذا هو حاله اليوم. فهو لم يتدخّـل حتى الآن بالشأن السياسي المباشر والتفصيلي، بل أعطى رأيه في أساس الموضوع الذي يشغل الساحة العراقية، أي عملية نقل السلطة. وهنا تجدر الإشارة إلى أن العديد من التفاصيل التي تُـنسَـب إليه أو التي يُـزعم أنه أدلى بمواقف بشأنها، تأتي في الواقع معبّـرة عن أطراف وشخصيات سياسية محيطة به أو تلتقي به. والمُـلفت أن مكتبه كثيرا ما قام بنفي تصريحات نُـسبت إليه وحرّكت الكثير من المواقف المحللة لأبعادها، سواء كانت مؤيدة أو منتقدة لها.

ويُـدرك كل من يعرف مراجع المسلمين الشيعة التقليديين، الحجم الهائل للتأثير الذي يُـمارسه المحيطون بهم ممّـن يُـلقّـبون بـ "الحواشي" على المواقف التي يتّـخذونها، وعلى سمعتهم في بعض الأحيان.

فهؤلاء "الحواشي" يُـشكّـلون القنوات الوحيدة لوصول المعلومات إلى المرجع، ويتشكّـلون عادة من الأبناء والأصهار والشخصيات المقربة ممّـن تجمعهم المصالح والامتيازات، الذين يحاولون من حين لآخر دفع المرجع إلى اتخاذ مواقف تحفظ لهم مصالحهم.

وفي هذا السياق، يتعرّض المرجع الشيعي الرئيسي في العراق منذ سقوط النظام وزوال القيود التي كانت قائمة على نشاطه، إلى محاولات من أطراف عدّة للإفادة من موقعه وتأثيره على غالبية الشارع الشيعي ولجرّه إلى اتخاذ مواقف تخدِم سياسات وتوجّـهات هذه الأطراف.

تـصـعـيـــد

وبالعودة إلى موضوع المطالبة بإجراء انتخابات مباشرة لتشكيل المجلس الوطني الانتقالي المُـرتقب، يلاحَـظ أن أول من نقل عن السيستاني موقفه، هو عبد العزيز الحكيم، رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق.

وتلى ذلك إقدام الكثير من ممثلي السيستاني في المدن العراقية ومن القريبين من المجلس الأعلى على تصعيد مواقفهم. وبدأوا في الترويج لمقولات تنسُـب إلى المرجع الأعلى للشيعة في العراق اعتزامه الدعوة إلى الإضراب، كما أخذوا يُـنظمون المسيرات الشعبية الحاشدة في بغداد والمدن الجنوبية، دعما لدعوته. واللافت، أن كل هذا يتِـمّ، في الوقت الذي أصدر فيه السيستاني عبر مكتبه بيانا يقول فيه "إن ما يُـمثل رأيه هو فقط ما يصدُر عنه، مكتوبا ومختوما بختمه الخاص".

ويشكو مقرّبون منه من تعمّـد بعض وسائل الإعلام تضخيم ما يُـنسب إليه وترويجه، وكان المقصود هو افتعال تصعيد بين الشارع الشيعي (الذي لم يقرر بعدُ الدخول في مواجهة مسلحة مع قوات الاحتلال الأمريكي البريطاني)، وبين الطرف الأمريكي من أجل كسر الاستفراد بالمجموعات المسلحة المحسوبة على السُـنّـة العراقيين. ويبدو هذا التفسير متناقضا مع ما هو متداول من أن عدة أطراف سنيّـة تنظـر بتحفّـظ إلى المطالبة بإجراء الانتخابات في الوقت الحالي، لأنها ترى أن وراء ذلك أهدافا طائفية لا تصُـب في مصلحتها بالضرورة.

كما لا يعني هذا أيضا أن الأطراف الشيعية تؤيّـد كلها دعوة السيستاني. فحزب الدعوة الإسلامية، ذو التاريخ الطويل والقاعدة النخبوية لا يتفاعل معها، رغم أن إبراهيم الجعفري، الوجه الأبرز في هذا الحزب وممثله في مجلس الحكم الانتقالي، يعتمد في تصريحاته خطابا غائما، يبدو فيه الحرص الشديد على عدم خسارة تعاطف الشارع الشيعي.

شـــدّ الحبــــل

أما الجانب الأمريكي، الذي يتابع بقلق تطورات الأيام الأخيرة، فيُـدرك حجم الولاء الشعبي للمرجعية الشيعية. ويفهم بالتالي أن تجاهل موقف السيستاني سيفتح الباب بوجه المزيد من الخطوات التصعيدية من المرجع نفسه أو من القوى المستفيدة من دعوته، وهي تطورات لن تكون في مصلحة الخطة الأمريكية في العراق.

وفي الوقت الحاضر، يبدو أن الرسالة التي بعث بها الرئيس الأمريكي، إلى السيستاني (عبر الزعيم الكردي جلال الطالباني) بأن الإدارة الأمريكية لن تُـقدم على ما لا يُـرضي المرجعية الشيعية، لا زالت سارية المفعول.

فقد أعلن بول بريمر، الحاكم المدني الأمريكي في العراق، في أعقاب اجتماعه الأخير مع الرئيس جورج بوش أن خطة نقل السيادة يُـمكن "أن تشهد بعض التعديل"، مع التّـأكيد على أن "الجدول الزمني للعملية لن يتغير".

لكن مؤشرات أخرى تؤكّـد أن المسايرة الأمريكية لموقف بعض الشيعة المتحرك وراء مطلب آية الله علي السيستاني لا يُـرجّـح لها الاستمرار لوقت طويل، في حين تبدو العملية أشبه بلعبة شد الحبل، يحاول كل طرف فيها الحصول على أكبر قدر من المكاسب.

سالم مشكور - براغ

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة