Navigation

مصالحة وسلم ومصالح

الرئيس بوتقليقة يتحدث في اجتماع شعبي بمدينة تيزي وزو، عاصمة منطقة القبائل يوم 19 سبتمبر 2005 Keystone

بعد ثلاثة عشر عاما من حرب أهلية غير معلنة، يريد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الانتهاء من الملفات الشائكة للإسلاميين المسجونين والمفقودين والمنفيين مرة واحدة.

هذا المحتوى تم نشره يوم 23 سبتمبر 2005 - 23:00 يوليو,

ويأمل الرئيس أن يواصل خططه الاقتصادية والاجتماعية عن طريق استفتاء المصالحة والسلم الشامل، المقرر إجراؤه في 29 سبتمبر الجاري.

بداية، هناك مسلمات حددها بوتفليقة عند بداية الدعاية لصالح مشروع الاستفتاء، وتتمثل أهمها في عدم السماح لأي صوت معارض، مهما كانت منطقيته، بالظهور على شاشة التلفزيون الحكومي أو وسائل إعلام الدولة الأخرى، مثل الإذاعات والجرائد ووكالة الأنباء الرسمية.

ومن المسلمات أيضا، إلزام وزراء الحكومة و"الأقمار" الدائرة في فلك الرئاسة من جمعيات ومنظمات شعبية، بضرورة التأكيد على أن الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة لن تعود إلى العمل السياسي، لأنها وظفت الدين لإثارة المشاكل في البلاد وعليها أن تدفع ثمن ذلك.

كما تقرر إبقاء علي بن حاج، الرجل الثاني في الجبهة الإسلامية للإنقاذ، في السجن إلى غاية الانتهاء من الاستفتاء، لأنه رفض أن يسكت، كما أنه عارض المصالحة والسلم الشامل قبل أن "يُعرف القاتل لم قتل، والمقتول فيم قُتل".

أما المسلمة الرابعة والأخيرة، فهي رفض المساومة باللغة البربرية، التي عارض بوتفليقة تحويلها إلى لغة رسمية، بعد أن فرض على مؤسسات الدولة قبولها كلغة وطنية قبل حوالي أربعة أعوام. وأكد للقبائل عند خطابه في تجمع دعائي بتيزي وزو، عاصمة بربر الشمال الأوسط، أنه لو عرض مسألة وطنية البربرية على الشعب الجزائري في استفتاء، لتم رفضها في الحال.

ولكن، بعد الاطمئنان إلى فراغ الساحة من المنغصات التي تقلقه، نظم بوتفليقة أضخم التجمعات الدعائية لمشروعه، وطاف في مختلف الولايات التي ما زال أمامه بعضها، كما كلف كل وزراء الحكومة بتنظيم تجمعات في الولايات، كان أبرزها ما نظمه أحمد أويحيى، رئيس الحكومة، وأبو جرة سلطاني، زعيم حركة مجتمع السلم، وعبد العزيز بلخادم، الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني، والمبعوث الخاص للرئيس.

مفاجـآت

كانت مفاجأة خطب الرئيس تبني لسان تصالحي نطق به الإسلاميون المعتدلون والوطنيون المعارضون للعنف، بل وحتى اليساريون من نوع لويزة حنون، زعيمة حزب العمال التروتسكي في تسعينات القرن الماضي ولاقوا الويلات بسبب ذلك.

أما الآن، فقد نطق بوتفليقة مهاجما أعداء السلم والمصالحة مع الإسلاميين من داخل الدولة، وقال: "إنني أعرفهم فردا فردا، وهم لا يريدون السلم حفاظا على نفوذهم ومصالحهم المادية".

كما فاجأ رئيس الحكومة أحمد أويحيى كل من استمعوا إليه، بأمرين اثنين هما: قبوله لفكرة المصالحة، وتأكيده في المقابل على أنه استئصالي معارض للإسلاميين المسلحين حفاظا على مصالح البلاد، بالإضافة إلى انسحابه من محيط المدافعين عما كان يُعرف بالمقاومين والحرس البلدي المسيرين من قبل مصالح الأمن، رغم أنه دعمهم شخصيا، على مدى ثمانية أعوام.

وفي نفس سياق المفاجآت، أكد عبد العزيز بلخادم أنه اتصل بقيادات الجبهة الإسلامية للإنقاذ (المنحلة) في لندن، ووجد لديهم قناعة قوية لدعم مشروع المصالحة والسلم الشامل.

الحقيقة، أن اتصالا كهذا كان سيكلف بلخادم الموت شنقا أو رميا بالرصاص في أواسط التسعينات، غير أنه تم الآن بأمر رئاسي صرف، كأن شيئا ما تغير في دواليب السلطة الجزائرية، وكأن الأمر يتعلق باحتمال ضعف النسور، أو ظهور طائفة جديدة من النسور المدربة، التي تصطاد حين تُؤمر بذلك.

ليس هذا فقط، فقد سُمح لمدني مزراق، الأمير الوطني للجيش الإسلامي للإنقاذ، الذي نزل من الجبال عام 99 بعد الاستفتاء على مشروع الوئام المدني بتنظيم تجمعات شعبية انتقد فيها من لا يريدون السلم من داخل النظام.

هذا دون أن ننسى الإسلاميين غير المسلحين الذين اندمجوا في الحملة الدعائية، مثل الشيخ عبد الله جاب الله، زعيم حركة الإصلاح، الذي اعتُـبر "خائنا" في أواسط التسعينات بعد أن دعا إلى إطلاق سراح قيادات الجبهة الإسلامية للإنقاذ وإيقاف العنف الذي أحرق الأخضر واليابس.

مصير الرافضين

تغييرات جلبت اهتمام الخاص والعام دعمها بوتفليقة بوعود اقتصادية لكل المناطق التي زارها، أضيف إليها الدعم المعتاد للطرق الصوفية التي قبلت التصويت بنعم على مشروع الاستفتاء بعد أن تأكدت أنها أضحت في موقف اقتصادي وثقافي جيد خلال فترة حكم بوتفليقة.

هناك من يعتقد أن الرئيس الجزائري يريد أن يُـرضي الجميع، بمن فيهم أعداء الأمس، سواء داخل السلطة أو خارجها، وهو ناجح في مسعاه لحد الآن، لأن اتهام جهات داخل السلطة دون الإشارة إليها، لا يضر أحدا، كما أن تعويض عائلات المفقودين سيعني اعترافا ضمنيا من جانب الدولة بجريمة بعض المنتسبين إلى قوات الأمن.

وفي حالة إقرار المبالغ المالية التي وعد بها بوتفليقة لصالحهم، سيكون من الصعب على الجمعيات التي ترفض الفكرة التوجه إلى أي محكمة بعد الاستفتاء، خاصة وأن الرئيس الجزائري يريد تعويض عائلات الجميع، مسلحين وقوات أمن، إرهابيين ومجرمين من الطرفين، وحرص في الوقت نفسه على رفض تحميل عائلاتهم أوزار الآباء الذين اختاروا يوما ما طريقا اقتنعوا به أو أجبروا عليه.

وسط هذه العروض المتتالية، يتساءل المراقبون عن مصير من يرفضها بعد الاستفتاء؟ الجواب كان دائما على لسان الشخص من يفضل الإجابة على هذا السؤال، أي رئيس الحكومة أحمد أويحيى، الذي وجه خطابه بشكل خاص إلى الجماعة السلفية للدعوة والقتال، ذات العلاقة المحتملة بتنظيم القاعدة.

خطاب أويحيى كان واحدا، ويتمثل في دعوة الجماعة، وخاصة جناحها الذي يرفض إلقاء السلاح، إلى التزام التعقل وقبول دعوة السلم، لأن الجيش سيهاجم بلا هوادة كل من يُـصر على العنف بعد الاستفتاء، بل وهُددت الجماعة من طرف خفي بأيام قاسيات بعد الاستفتاء، لأن الولايات المتحدة وأوروبا راضيتان عن تعامل الدولة مع مرتبطين بتنظيم القاعدة بهذا الشكل التصالحي، غير أن الغطاء سيسقط بمجرد إعلان نتائج الاستفتاء.

رد السلفيون المسلحين بأسلوبهم الخاص، وقتلوا أزيد من ثلاثين رجل أمن في الأسابيع الأخيرة، كما جعلوا من ولاية بومرداس، الواقعة على بعد 50 كلم غرب العاصمة، مكانا غير آمن لكل من ينتمي إلى قوات الأمن أو يعمل في مصالح الدولة.

أسلوب شخصي

في المقابل، رشحت أخبار كثيرة عن رغبة مسلحين ينتمون إلى الجماعة السلفية في النزول من الجبال والعودة إلى الحياة الطبيعية وغالبية هؤلاء من ولايات الشرق الجزائري، مثل قسنطنية وسكيكدة وعنابة.

هنا، يتساءل المرء عن مسلحين آخرين في السجون رفض بوتفليقة إطلاق سراحهم، لأنهم قتلوا مدنيين وشاركوا في مذابح طالت قرى ومناطق نائية فقيرة، وغالبية هؤلاء تنتمي إلى الجماعة الإسلامية المسلحة ذات توجهات ما يعرف بجماعة التكفير والهجرة.

تساؤل أجاب عليه بعضهم في مختلف سجون البلاد عندما هددوا بالإضراب عن الطعام إذا ما بقوا في السجون وأفرج عن غيرهم، خاصة وأن زملاء لهم شاركوا في المذابح وقتلوا الأبرياء، وهم الآن أحرار في البرية بعد استفادتهم من قانون الوئام المدني.

الحقيقة أن جزائريين كثيرين يدافعون عن رفض بوتفليقة منح الاعتماد السياسي للجبهة الإسلامية للإنقاذ، على اعتبار أنه تخلص من الضجيج في فترة تحتاج فيها البلاد إلى استقرار يبني اقتصادها ويساعد في رفع مستوى أبنائها التعليمي والمادي.

أما الحقيقة الأخرى، فتتمثل في أن مصير البلد واستقرار سياسته على هذا النحو، مرهون بشخص بوتفليقة دون غيره على أساس أنه من جيل يفهم كيف يجمع بين إسلامي وعلماني ووطني ضمن جبهة وطنية واحدة، تماما كما حدث في جبهة التحرير الوطني التي عملت ونجحت في الظفر باستقلال البلاد في منتصف القرن الماضي.

يعارض هذا التوفيق جيل من الحاكمين في أجهزة الدولة من يرون أن مصائب البلاد سببها الإسلاميون، وعلى هذا الأساس يجب تصفيتهم وعندما يعجزون بسبب فقدان الشعبية، يقحمون الجيش بما أن فيه "سماعون لهم"، وهذه هي المعادلة التي يريد بوتفليقة إفراغها من محتواها بأسلوب شخصي لا يرتبط بآليات الدولة مستقبلا.

ثم ماذا بعد؟

وبناء على فرضية أن مشروع الرئيس سيُصوت عليه بنعم، وبنسبة كبيرة، سيكون من الضروري مراقبة الأداء التربوي والاقتصادي للحكومة، وليس هناك أحد أعلم من بوتفليقة بعدد القرى والمدن التي خرج شبابها إلى الشوارع وأحرقوا المنشآت العمومية منذ توليه مقاليد السلطة في عام 1999.

المثير في هذه الفرضية، أن أكثر جزائري حذر من وقوعها، هو علي بن حاج، الرجل الثاني في الجبهة الإسلامية الذي لا يريد بوتفليقة سماعه في الوقت الحالي، لأنه يشوش على كل شيء يفعله بسبب قوة الحجج التي يقدمها وبداهتها.

وعلى فرضية حُـسن الظن بالرجل، يمنع بوتفليقة علي بلحاج من الحديث، وهو يدري ربما أنه على حق، إلا أنه في المقابل، يحاول أيضا منع أسباب تجدد الانفجار بأسلوبه الخاص وسط واقع جزائري معقد ليس فيه دليل قاطع على أن منع الجبهة الإسلامية من العمل السياسي، سيمنع غضب الشارع من كسل أو تهاون بعض المسؤولين مستقبلا.

هيثم رباني - الجزائر

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.