تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

معادلة الأمم المتحدة المستحيلة في العراق

صورة تذكارية لكوفي أنان مع أعضاء الوفد العراقي قُـبيل انعقاد جلسة مجلس الأمن يوم 22 يوليو 2003

(Keystone)

في أول تقرير للأمين العام للأمم المتحدة حول الأوضاع في العراق، تفادى كوفي انان توجيه انتقادات مباشرة لقوات الاحتلال.

في المقابل، حاول التشديد على الدور الذي يُـمكن للأمم المتحدة أن تلعبه في استعادة العراق لسيادته.

وفقا لمقتضيات القرار رقم 1483 الصادر عن مجلس الأمن، قدم الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان يوم الثلاثاء أول تقرير له حول الوضع في العراق، وحصيلة لما قامت به منظمته وحصيلة لجهود المنظمة في البلاد مقترنا بتصوره بما يمكن أن تُـنجزه في المستقبل بناء على تطلّـعات عدد من ممثلي الشعب العراقي وقادة الدول الذين تم التشاور معهم.

وقد اعتمد الأمين العام في تقريره الذي جاء 26 صفحة أسلوبا حذرا يستند في أغلب المقاطع المنتقدة لسلطات الاحتلال على تصريحات ممثلي كافة الطوائف العراقية، أو على ما توصّـل إليه ممثله الخاص في العراق سيرجيو فيرا دي ميللو من استنتاجات، أو على ما عبّـر عنه قادة الدول المجاورة، (والعرب منهم بالخصوص) الذين التقى بهم، من تطلّـعات.

ويتزامن إصدار هذا التقرير مع عودة مجلس الأمن الدولي لمناقشة الوضع في العراق والبحث في إمكانية توسيع مشمولات ومهام المنظمة الأممية، في ظل الانتقادات العديدة التي أُثـيرت داخل العراق وخارجه حول الوضع الأمني، وتعالي بعض الأصوات المحذّرة من احتمال التورط في "فيتنام جديد" في الولايات المتحدة نفسها.

تدهور الوضع الأمني

اهتم التقرير بالأوضاع الأمنية في العراق. فعلى الرغم من تأكيد الأمين العام على أن هذه المسألة تظل من أولويات جميع العراقيين، إلا أن تطرُّقه لهذا الملف اقترن بالحذر المطلوب في محاولة منه لتجنّـب التدخل في صلاحيات قوات الاحتلال المسؤولة الأولى قانونيا عن إقرار الأمن في البلاد. في المقابل، لم يُـغفل التطرّق للجوانب الأمنية المتعلقة بعمل المنظمات الأممية.

وأشار كوفي أنان في تقريره إلى أن تدهور الوضع الأمني يمثّـل عائقا سيؤثر سلبا على كل القطاعات في مرحلة إعادة الإعمار، وذكّـر بأن ثلاثة من بين المحافظات العراقية الثمانية عشرة لا تزال محظورة على موظفي الأمم المتحدة، نظرا لعدم توفر الأمن فيها.

من جهة أخرى، تعرّض موظفو الأمم المتحدة وقوافل الإغاثة الإنسانية إلى عتداءات وعمليات سطو ونهب في بعض المناطق العراقية على غرار ما يعاني منه العراقيون من عمليات سلب>

ومن المخاطر الأمنية الأخرى التي تطرق إليها التقرير، التهديدات الناجمة عن الكميات الضخمة من الذخيرة التي لم تنفجر، والألغام المزروعة في شتى مناطق البلاد التي تتزايد ضحاياها من المدنيين يوما بعد يوم.

حقوق الإنسان

في الفصل المخصص لملف حقوق الإنسان، تطرق تقرير الأمين العام إلى المشاورات التي أجراها مبعوثه في العراق مع ممثلي المجتمع المدني العراقي للبحث في إمكانية إقامة "لجنة وطنية لحقوق الإنسان".

واتّـضح أن أولويات العراقيين في هذا المجال، تتمثّـل في ضرورة العمل على الكشف عن مصير المفقودين (خلال الثلاثين عاما المنقضية) الذين يُـقدّر عددهم بحوالي 290 ألف عراقي ينتمون إلى جميع الطوائف.

في نفس السياق، يشدد التقرير على ضرورة حماية المقابر الجماعية التي تم الكشف عنها منذ سقوط النظام البعثي، بغرض تقديم مرتكبي تلك الجرائم للمحاكمة. ومع إقرار كوفي أنان بأن "قرار طي صفحة الماضي من اختصاص حكومة عراقية منتخبة"، إلا أنه قال "إن للأمم المتحدة دورا في مساعدة العراقيين على إقامة نظام قضائي فعال في المرحلة الانتقالية، وهذا بفضل التجارب التي اكتسبتها في صراعات أخرى" مثلما جاء في التقرير.

ونظرا لأن عددا من القطاعات المعنية بهذه المسألة كالجهاز القضائي والأمني من مشمولات إدارة الاحتلال الأمريكي البريطاني، فقد ألمح الأمين العام في تقريره إلى أن ممثله في العراق "حمل هذه الانشغالات إلى الحاكم الإداري الأمريكي، وذكره بالتزامات السلطة باحترام القانون الدولي، وبالأخص معاهدات جنيف وميثاق لاهاي".

ويورد التقرير أن "عدم معرفة أرقام ضحايا ومفقودي ومعتقلي الصراع الأخير من المدنيين" تمثّـل أسبابا إضافية للانشغال. كما أن ما ورد في شهادات العراقيين الذين استقبلهم ممثله في العراق من حديث عن "سوء معاملة المعتقلين" قد دفعه إلى إثارة الموضوع مع الحاكمين الأمريكي والبريطاني اللذين وعدا "بتحسين ظروف الاعتقال"، حسب ما ورد في التقرير.

وفي محاولة لاستباق الأحداث، دعا كوفي أنان إلى ضرورة تعزيز تمثيل المجتمع المدني، من خلال تشكيل تجمعات مهنية، وقيام صحافة حرة ومستقلة (فاق عدد الصحف والنشريات اليوم في العراق 109)، والتركيز على دور المرأة. وفي هذا السياق، عبّـر الممثل الخاص للأمين العام في العراق عن أمله في نشر عدد من مراقبي حقوق الإنسان في البلاد "كلما سمحت الظروف بذلك".

أما في المجالين الأمني والقضائي، فإن دور الأمم المتحدة قد يقتصر على توفير تدريبات في مجال حقوق الإنسان لقوات أمن عراقية في المستقبل. ومن المُـلفت أن تقرير الأمين العام استبعد إمكانية تشكيل قوات أمن تُـشرف عليها الأمم المتحدة، واكتفى بالإعراب عن استعداد المنظمة لتقديم المشورة والنصح للعراقيين في المجال القضائي.

إنهاء برنامج النفط مقابل الغذاء

في الفصل المخصص للشؤون الإنسانية والإغاثية، عاد التقرير إلى التذكير بأن توفير حاجيات الشعب العراقي تظل من صلاحيات "السلطة"، في إشارة إلى سلطات الاحتلال ومجلس الحكم الانتقالي الناشئ، وعـدّد الخطوات "التكميلية" التي اتخذتها المنظمات الأممية في مختلف المجالات الغذائية والصحية او المتعلقة برعاية شؤون اللاجئين.

وبالمناسبة، تقتصِـر مهمّـة ممثل الأمين العام في العراق على التنسيق بين الجهود التي تبذُلها مختلف المنظمات الأممية وغير الحكومية العاملة في البلاد، وهي مهمّـة قد تواجه المزيد من العقبات بعد أن قرّرت سلطات الاحتلال إقامة جهاز بديل للتنسيق الإنساني.

وبموجب القرار 1483، تتابع الأمم المتحدة في الوقت الحاضر إجراءات تحويل صلاحيات إدارة برنامج النفط مقابل الغذاء إلى السلطات المحلية في مقاطعات الشمال الكردية التي تتوفّـر منذ عدة سنوات على سلطة قائمة، أما في محافظات الوسط والجنوب والغرب، فإن العملية تواجه بعض الصعوبات بسبب التعثّـر المسجّـل في إقامة سلطات محلية فيها. ومن المفترض أن تنهي المنظمة الأممية هذه العملية في شهر نوفمبر المقبل.

أي دور للأمم المتحدة ؟

وخلاصة القول أن التقرير الأول لكوفي أنان حول العراق تميّـز بحذر شديد في الصياغ وبطرح تساؤلات محدودة حول طبيعة الدور المرتقب للأمم المتحدة في البلاد. والمُـلفت أن الأمين العام استند في أكثر من مناسبة إلى حصيلة مشاوراته وتقارير ممثله في بغداد.

فعلى سبيل المثال، اتّـضح أن غالبية الدول المجاورة ترى أن "إقامة إدارة عراقية مؤقتة في أقرب وقت تمثّـل خطوة في الاتجاه الصحيح". من جهة أخرى، نقل الأمين العام عن ممثله الخاص في العراق بعض مطالب وآراء ممثلي مختلف الطوائف العراقية، حيث طالبوا بـ "عودة سريعة للسيادة" واعتبروا أن "الديموقراطية لا يمكن فرضها من الخارج"، وأجمعوا على أن "مشاركة الأمم المتحدة أمر ضروري لإضفاء الشرعية على المسار السياسي".

ومع أن كوفي أنان رحّـب بإقامة مجلس الحكم ورأى فيه "تمثيلا موسعا لشرائح الشعب العراقي يمكن للأمم المتحدة وللمجموعة الدولية أن تتعامل معه"، إلا أنه أشار إلى أن الرسالة الأهم التي وجهها ممثله للعراقيين تتلخّـص في أن "على العراقيين التحكم في المسار السياسي، وتفويض صلاحيات تنفيذية واضحة لممثلين عراقيين في مجالي اتخاذ القرارات السياسية وتحديد إدارة الميزانية".

ولعلّ المفارقة تتمثّـل في أن واشنطن، التي لم تعد تُـخفي رغبتها في إقحام الأمم المتحدة وإشراك المجموعة الدولية في تحمّـل أعباء احتلالها للعراق، لا زالت تُـصرّ بشدّة على الاحتفاظ بمُـطلق التصرّف في المسار السياسي والإشراف على إدارة الموارد المالية للبلاد.

لذلك، فإن السؤال الذي يتردّد اليوم في أروقة الأمم المتحدة في نيويورك وفي عواصم القرار السياسي الدولي: كيف سيتمّ التوصّـل إلى حلّ معادلة تبدو اليوم مستحيلة، تتولى بمقتضاها الأمم المتحدة الإشراف على إدارة إقليم محتلّ بحجم العراق، في الوقت الذي تحتفظ فيه سلطات الاحتلال الأمريكي البريطاني بأهم الصلاحيات؟

تقرير الأمين العام كان ضربة الانطلاق للمناقشات العامة في مجلس الأمن، لكن المشاورات التي تتواصل وراء الكواليس بين القوى الكبرى، ستُـحدّد الإجابة عن هذا السؤال الذي قد يُـقرر مصير العراقيين في الأمد المنظور.

محمد شريف – سويس إنفو – جنيف


وصلات

Neuer Inhalt

Horizontal Line


subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

swissinfo en arabic en Facebook

دعوة للإشتراك في صفحتنا بالعربية على فايسبوك

تفضّلوا بالإنضمام إلى صفحتنا العربية على فايسبوك

×