تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

ملفات عديدة تنتظر مبارك في واشنطن

الوقائع والأحداث المحيطة عربيا ودوليا توحى بأن القمة المصرية الامريكية ستكون مختلفة الى حد كبير عن سابقاتها

(Keystone)

وصل الرئيس المصري حسني مبارك يوم السبت الى واشنطن في زيارة تستغرق ستة ايام سيلتقي خلالها الرئيس الامريكي جورج بوش. الزيارة تكتسي أهمية خاصة في الوقت الذي تشهد فيه الاراضي الفلسطينية المحتلة وضعا متفجرا للغاية.

فى كل مرة يقوم فيها مبارك بزيارة الى العاصمة الأمريكية واشنطن للقاء رئيسها وأركان الإدارة فيها، تجتهد المصادر الإعلامية المصرية الرسمية فى وصف اللقاء بكونه الأهم، كما يجتهد كثيرون فى طرح التأثيرات العميقة والنتائج المنتظرة من القمة المصرية الأمريكية، وهذه المرة ليست بعيدة عن مثل هذا المناخ الإعلامي السياسى، حيث أن الوقائع والأحداث المحيطة عربيا ودوليا توحى بأن القمة مختلفة الى حد كبير عن سابقاتها.

والبعض نصح بأن يكون التركيز الأكبر على العلاقات الثنائية وتطوير أبعادها الاقتصادية تحديدا وبصورة مفصلة من خلال تقديم مقترحات معينة، وليس القضايا الاقليمية، أو أن يكون المدخل هو مناقشة الإرهاب الدولى، ذلك الحديث الذى تفضله إدارة الرئيس بوش حاليا، وحتى يجد الرئيس المصرى آذانا أمريكية صاغية له.

تصحيح الأفكار الأمريكية

لكن هذا الاختلاف من حيث بيئة اللقاء المنتظر لا يعنى بالضرورة أن تكون هناك نتائج كبيرة تحدث على الأرض فورا، أو أن يترتب على القمة ومباحثاتها المختلفة تغييرا كليا أو أساسيا فى مواقف أمريكية يجمع كثيرون من العرب والمصريين على أنها ليست منصفة للفلسطينيين أو للعرب أو للمسلمين. وربما كان الرئيس مبارك نفسه هو الأكثر واقعية من كل الذين حللوا العلاقات المصرية الأمريكية وربطوا الزيارة بأهمية كبيرة او توقعوا لها نتائج مبهرة.

ففى الحوار الذى نشرته جريدة الأخبار المصرية 28 فبراير، وصف مبارك الهدف الأساسي من لقائه الرئيس بوش وكبار السياسيين الأمريكيين، بأنه سيقدم توضيحا كاملا للصورة القائمة فى المنطقة وحتى لا تتلقى الإدارة الأمريكية معلوماتها من جهة واحدة تغذيها بها.

أو بعبارة أخرى ان الهدف الرئيسى هو تصحيح الأفكار الأمريكية عما يجرى فى المنطقة، وإزالة اكبر قدر ممكن من التشوه الذى لحق بها نتيجة الميل الزائد لتبنى الآراء الإسرائيلية من ناحية، ونتيجة تقديرات أخرى لا تمت بالوضع العربى من ناحية أخرى، لاسيما فيما يتعلق بالموقف من الخطط العسكرية الأمريكية المزمعة ضد العراق، والتى تقلق مصر كثيرا، نظرا لما تنطوى عليه من مخاطر فوضى غير مسبوقة قد تحدث فى العراق وفى عموم المنطقة العربية.

إنها، إذا، زيارة هامة قياسا الى البيئة الاقليمية والتطورات الدولية المتسارعة، بيد أنها ايضا نتيجة شعور طاغ بالقلق على المستقبل إذا ما استمرت وتيرة السياسة الإسرائيلية العدوانية على حالها، فى وقت لا تجد فيه أي كلمة لوم أمريكية، وكأن أركان إدارة الرئيس بوش قد قرروا الغياب العمدى عن صيانة مصالح بلادهم ومصالح أصدقائهم فى الآن نفسه.

وقد كان مبارك واضحا فى الحديث المشار إليه مع جريدة الأخبار المصرية، حين عبر بوضوح عن انه لا يتوقع ولا يأمل أى سلام مع حكومة شارون التى تتفنن كل يوم فى خلق شروط تعجيزية تعمل على فرضها على الرئيس عرفات، وفى ظل ما تمارسه من سياسة الحصار الشامل والعنيف ضد الفلسطينيين، وتدمير كل مرافق الشرطة الفلسطينية، فى الوقت الذى تطالب فيه عرفات بمواجهة الجماعات التى تقوم بعمليات ضد الإسرائيليين.

قلق مصرى مركب

إن الانزعاج الذى يبديه مبارك من سياسة شارون يمكن اعتباره رسالة قلق مركبة للإدارة الأمريكية نفسها تسبق قمته مع الرئيس بوش. فبعد اقل من شهر سوف تعقد قمة عربية فى بيروت، وسوف يكون غياب الرئيس عرفات عنها بمثابة ضربة موجعة للعرب جميعا، والأمر نفسه للإدارة الأمريكية التى ستبدو وقتها فى موقف المتواطىء الأكبر مع شارون وسياسته العدوانية.

والمرجح ان يكون حضور عرفات للقمة أحد الموضوعات التى ستحظى بكثير من النقاش مع المسئولين الأمريكيين. وتشير التسريبات التى تناقلها بعض كبار الصحفيين المصريين إلى طلب مصرى متوقع بالحصول على ضمانات أمريكية واضحة سواء لحضور عرفات القمة أوعودته مرة أخرى الى مقر عمله فى رام الله وغزة دون عوائق إسرائيلية، بمعنى ان يلعب الأمريكيون دورا حاسما فى فك هذا الحصار الشارونى مرة واحدة وأخيرة.

لكن الأمر المؤكد أن الموقف الامريكي لم يصل بعد الى قرار محدد فى هذه القضية الشائكة. وربما ينتظر توضيحات الرئيس مبارك فى هذا الشأن. وهنا فإن ما أشار إليه مكرم محمد أحمد رئيس تحرير مجلة المصور الأسبوعية ـ وهو أحد القريبين من القيادة السياسية المصرية ـ فى تحليل ركز على طبيعة مهمة مبارك ـ الصعبة حسب وصفه ـ القادمة فى أمريكا، يعطى مؤشرات على ان كثيرا مما تأمله مصر، لا تتوافر ضمانات مائة بالمائة لتحقيقه. وهو ما يمثل أحد جوانب صعوبة مهمة مبارك فى واشنطن.

ومما أورده مكرم محمد أحمد فى مقاله يتضح أن الآمال المصرية غير المضمونة تصب فى ثلاثة موضوعات مترابطة بدرجة ما:

الأول موضوع الكف عن إعطاء أولوية للأمن ـ كما تصر على ذلك إسرائيل ـ والبحث عن صيغة تمزج بين الأمن وبين العمل السياسى التفاوضى ولو بطريق غير رسمى ، من أجل إعطاء قدر من الأمل للفلسطينيين،والثانى موضوع الضمانات الأمريكية لعرفات والثالث ما يتعلق باحتمال ضرب العراق عسكريا.

وبالطبع فإن الأفكار التى طرحها الأمير عبد الله ولى عهد السعودية التى تربط بين انسحاب إسرائيلي كامل من كل الأراضي العربية وتطبيع عربى كامل مع إسرائيل، سوف تفرض نفسها على مناقشات القمة الأمريكية المصرية، ورغم انه لم يظهر بعد ما يشير الى ان هذه الأفكار كانت مثارا لمشاورات مسبقة مصرية سعودية قبل طرحها صحفيا وإعلاميا، فإن موقف مصر الذى رحب بها مبدئيا واعتبرها ـ حسب تصريحات مبارك نفسه ـ امتدادا للموقف العربى المعلن فى قمة القاهرة يوليه 1996 بالتمسك بالسلام كاستراتيجية عربية، قد يسهم فى بحث الآليات العملية التى تقبلها الولايات المتحدة والعرب معا من أجل تحويل الأفكار السعودية الى عملية سياسية سلمية شاملة. إلا أن الأمر ليس مضمونا كغيره من القضايا.

قضايا ثنائية

وإذا كانت الموضوعات الثلاثة غير المضمونة فى نتائجها، هى موضوعات إقليمية تتعلق بالأمن والسلام فى المنطقة، فإن الامر يختلف جزئيا، وربما بدرجة كبيرة فيما يتعلق بالقضايا الثنائية التى تخص العلاقات المصرية الأمريكية اقتصاديا واستراتيجيا، بما فى ذلك الموضوع الأثير حاليا لدى الرئيس بوش وإدارته وهو مواجهة الإرهاب. ونقطة الانطلاق أن البلدين يقدران تعاونهما المشترك طوال العقدين الماضيين، وأن الأمر يتطلب مزيدا من هذا التعاون وتدعيمه مستقبلا. ومما يلفت النظر هنا ان الرؤية المصرية تقوم على بعدين :

الأول محاولة فصم العلاقة المصرية مع الولايات المتحدة عن تطورات العلاقة المصرية الإسرائيلية، والتعامل معها من منظور إنها علاقات خاصة فى ذاتها، ولها صيرورتها الذاتية التى ينبغى تطويرها بعيدا عن أى توتر أو تقارب يحدث بين القاهرة وتل أبيب.

الثانى يتعلق من وجهة نظر مصر بضرورة ان يكون هناك إطار مؤسسى يخدم هذه العلاقة ويعمل على تطويرها، ولا يتأثر بوجود إدارة ما أو غيابها.

إطار مؤسسى غائب

وكلا الأمرين يعبران عن توجه مصرى بأن يكون هناك مظلة تضمن الاستمرارية فى تطوير العلاقات مع الولايات المتحدة، وبحيث يمكن من خلاله حل كل الخلافات التى تبرز بين الحين والأخر تجاه قضايا ثنائية او إقليمية مختلفة. وكانت هناك عدة محاولات لتنظيم العلاقات الثنائية تمت على مستوى الخبراء وعلى مستوى وزيرى الخارجية، وكان آخرها عقد حوار استراتجيى أتفق عليه فى 1998، ولكنه لم يعقد سوى ثلاث جلسات، أحدها فقط تم بين الوزيرين "آنذاك" عمرو موسى ومادلين اولبرايت، اما الجلستين التاليتين فقد تمتا على مستوى الخبراء. وكانت هناك جلسة رابعة متفق عليها فى ديسمبر 1999 لم تعقد.

ومعروف انه أثناء ولاية كلينتون السابقة تم تشكيل ثلاث لجان لتنفيذ ما سمى بالشراكة بين البلدين، فى مجالات الاقتصاد والتنمية التكنولوجية والمجلس الرئاسى المصرى الامريكى لتنظيم علاقات القطاع الخاص فى البلدين، إضافة إلى عدد آخر من اللجان الفرعية فى التعليم والبيئة والتجارة. ولكن لم يظهر بعد أنها ذات فائدة كبيرة فى تحقيق اطار مؤسسى نافذ كما يأمله المصريون.

على الجانب الأمريكى يمكن ملاحظة موقف يمزج بين الترحيب والصد فى آن واحد، حيث يتركز الترحيب على قضية تطوير التعاون الاستراتيجي، باعتبار ان مصر قوة إقليمية يصعب تجاهلها، ولان التعاون الثنائى عسكريا وأمنيا وفيما يتعلق بعملية السلام اثبت انه قادر على تغيير البيئة الكلية للمنطقة وبما يتوافق مع مصالح البلدين وبنسبة كبيرة جدا. اما الصد فيتعلق بإيجاد إطار مؤسسى صارم او يقترب من الأجهزة والمؤسسات الحكومية التى تتحكم فيها البيروقراطية، وتفقدها مضمونها على المدى الطويل.

والتفضيل الامريكى هو لبناء علاقات بين القطاعين الخاص المصرى والامريكى، وتقديم مساهمات حكومية محدودة وعند الضرورة لتنمية هذه العلاقة. ونظرا لان القطاع الخاص المصرى ضعيف فإن الاستناد عليه ـ من وجهة نظر مصر الرسمية ـ لن يحقق الأهداف المتوخاة من تطوير علاقات اقتصادية قوية تفيد الاقتصاد المصرى وتساعده على الانطلاق المرغوب.

د. حسن أبوطالب - القاهرة

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×