تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

من اليأس الى الغضب

تحول الغضب الجماهيري الى ياس يدفع الى الانتحار اخطر الاحتمالات الواردة

(Keystone)

كان سائق سيارة الاجرة الباكستاني، التي أقلت كاتب هذه السطور من مدينة دبي الى مدينة الشارقة في دولة الامارات، يبدو متجهما ومتوترا ويرفض الاجابة على اي من الاسئلة التي حاولت طرحها عليه.

كان هذا في اليوم الاول للهجوم العسكري الاميركي على أفغانستان. كل ما كان يرد به السائق يقتصر على كلمتي "ان شاء الله ، ان شاء الله"، ثم يعمد الى رفع صوت المذياع الذي يبث آيات قرآنية. وقد تكرر هذا الموقف بحذافيره تقريبا مع العديد من المواطنين العرب والمسلمين الذين حاولنا استطلاع رأيهم.

بيد ان الصورة تغيّرت تماما بعد بث تلفزيون "الجزيرة" القطري نص الرسالة التي وجهها اسامة بن لادن "الى العرب والمسلمين"، وتعهد فيها "بمنع الامريكيين من التمتع بالامن ما لم يتحقق ذلك في فلسطين ايضا"، وكذلك "برفض حالة الذل التي يعيشها المسلمون منذ 80 عاما" (أي منذ انهيار الامبراطورية العثمانية واجتياح القوات الغربية لمنطقة الشرق الاوسط).

فقد حّل هذا الخطاب، على ما يبدو، عقدة لسان الجميع بلا استثناء، وانطلقوا في الادلاء بآرائهم بحرية وحماسة :
محمد (سائق تاكسي مصري): "لم أكن أحب بن لادن في السابق، لكن خطابه وغطرسة اميركا جعلاني أغيّر رأيي".
عبد الله (مثقف ورجل اعمال محلي): "لا نكره امريكا لانها امريكا كما يقولون، لكننا لا نحب ان نرى اخواننا يذلون ويقتلون في فلسطين بدعم وتغطية كاملين من الولايات المتحدة. آن الاوان للتصدي لهذا الامر بقوة".
محمد أحمد (عامل تنظيفات بنغالي يتكلم العربية بلغة ركيكة) : "أسامة بن لادن زين (أي جيد). أبي (أود) ان اكون واموت معه".
مراد (صحافي ومثقف سوداني) : "يا اخي طالبان وبن لادن يقدمان اسوأ صورة عن الاسلام، لكننا لم نعد نطيق هذه الحالة. فليحدث ما يحدث ولتقع الحروب بكل أشكالها، بما في ذلك حتى الحروب النووية والكيماوية ".
واصف (وسيط تأمين لبناني) : "الحياة لم تعد تعني لنا الكثير. ولو سنحت لي الفرصة مرة فلن اتردد في ان اكون انا ايضا انتحاريا".

ديناميات خطيرة

هذه العينة من الاراء، مضافا اليها طبيعة المقالات الصحافية العربية التي تنشر الان وتقرير وكالة الاستخبارات الامريكية قبل أشهر عن حالة الغليان والتمرد التي تسود الشارع العربي (والاسلامي)، تكشف عن ديناميات سايكولوجية خطيرة تعتمل الان في العالمين العربي والاسلامي.

وبرغم انه لم يكشف النقاب حتى الان عن هذه الديناميات بشكل استبيانات واستطلاعات علمية (ربما باستثناء تقرير السي.أي.آي)، الا ان اي استقراء سريع للاحاديث المتداولة في المقاهي والمنازل واماكن العمل، اضافة الى التدقيق في توجهات الكتاب في أجهزة الاعلام العربية غير الحكومية (واحيانا حتى الحكومية)، تشي بالاتي :
المواطن العربي والاسلامي انتقل من حالة اليأس من اوضاعه القومية والاقتصادية والاجتماعية الى حالة الغضب على كل شيء. وهذا ما يحّول الان كل فرد من المليار مسلم، الى ما يشبه القنبلة الموقوتة الجاهزة ل "الانفجار الانتحاري" في أية لحظة.

والمثير ان هذه النقلة تحدث لدى الجميع بلا استثناء: من أفقر الفقراء في الارياف الباكستانية الذين تلقنهم المدارس الدينية الاصولية اسلاما على النمط الطالباني، الى أغنى الاغنياء في الحواضر العربية في منطقتي الخليج والشرق الاوسط، الذين يعيشون حتى الثمالة نمط الحياة الغربية، (بعض منفذي الهجمات على نيويورك وواشنطن هم من الخليجيين المثقفين والاغنياء على ما يقال. هذا بالطبع اضافة الى بن لادن نفسه بملايينه الوفيرة).

كذلك تشمل هذه الظاهرة كل اطياف اللون السياسي ولا تقتصر، كما هو الاعتقاد، على الطيف الاسلامي وحده. فالقوميون العرب والعلمانيون والليبراليون وصلوا هم ايضا الى مرحلة الانتقال من اليأس السلبي الى حال الغضب المتفجر.

ويوضح جورج، (وهو رجل اعمال لبناني في دبي ويساري سابق)، أسباب هذه التطورات بقوله: "المواطن العربي يجد كل السبل مغلقة في وجهه الان، فالانظمة تقمعه من الداخل وتمنعه حتى من التنفس والتنفيس عن كربه القومي والاجتماعي، وأمريكا واسرائيل في الخارج تذله وتمتحن كرامته. فهل يكون من المستغرب بعذ ذلك ان تسود الدوافع الانتحارية؟

الى أين؟

تحليل منطقي؟ بالتاكيد. وآثار أقدام هذا المنطق منتشرة في كل مكان تقريبا من العالمين العربي والاسلامي. لكن ما المحصلات المحتملة لمثل هذا الوضع؟ على المدى القصير قد لا تطفو هذه المعطيات الخطيرة عل السطح لسببين: الاول، هو ان الحكومات الاستبدادية العربية ستقمع بشراسة اي محاولات لتحويل الرأي العالم العربي الى تيارات سياسية متحركة على الارض، وهي ستستفيد هنا من عودة الولايات المتحدة الى سياسة التحالف مع الديكتاتوريات التي طبقتها ابان الحرب الباردة خدمة ل "حربها العالمية" الجديدة. وهذا ما قد يبث روحا جديدة في التوجهات الاستبدادية العربية.

والثاني أن النخب العربية تفتقد الى الهياكل التنظيمية التي تمكنها من عقلنة مشاعر الغضب الشعبية و ضخها في اطر سياسية علنية وواضحة. بيد ان هذين السببين لا يجب ان يكونا مدعاة راحة لكل من الولايات المتحدة والانظمة الموالية لها، اذ أن تزواج القمع مع غياب البدائل السياسية، سيجعلان الارض خصبة للغاية لانتشار منظمات "ارهابية" عديدة تنتهج سياسة العنف الانتحاري كوسيلة وحيدة للعمل السياسي على النمط البنلادني.

وفي الاوضاع المتفجرة الراهنة في وسط وجنوب آسيا، والتي ربما تنحدر سريعا الى العنف والانفجارات (كما قد يحدث في باكستان)، ستزداد فرص نشوء مثل هذه المنظمات أضعافا مضاعفة.

في المرة الثانية التي صدف ان كنت فيها مع سائق سيارة الاجرة الباكستاني نفسه، كان المذياع قد تحول من محطة بث القرآن الكريم الى الاخبار (بلغة الاوردوعلى الارجح). وخلال هذه الرحلة تحدث السائق هذه المرة، وباستفاضة، عن كل شيء، عن بن لادن والعمليات الانتحارية، كما عن الفقر في الدنيا والنعيم في الجنة، كما عن امريكا والحكام المسلمين المستسلمين لها، لكن من الواضح ان صاحبنا الباكستاني انتقل بعد سماعه بن لادن من اليأس الى الغضب.


سعد محيو – دبي

Neuer Inhalt

Horizontal Line


subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

swissinfo en arabic en Facebook

دعوة للإشتراك في صفحتنا بالعربية على فايسبوك

تفضّلوا بالإنضمام إلى صفحتنا العربية على فايسبوك

×