تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

هل تُـصلِـح الدبلوماسية العامة ما أفسده بن لادن والمحافظون الجدد؟

أكّـدت لجنة أمريكية مختصة أن إذاعة سوا الموجهة للعالم العربي مشروع فاشل ولا جدوى منه

(swissinfo.ch)

"لماذا يكرهوننا"؟ لم تجد الولايات المتحدة إجابة مُـقنعة على هذا السؤال الذي طُـرح بشأن العرب والمسلمين بعد أحداث سبتمبر الإرهابية.

ولا يبدو أن الدبلوماسية العامة الأمريكية قد أحرزت تحسّـنا لصورة واشنطن وإدارة بوش لدى الرأي العام العربي والإسلامي.

مع تصاعد العداء للولايات المتحدة في العالمين العربي والإسلامي في أعقاب الإسفين الذي دقّـته هجمات سبتمبر الإرهابية في العلاقات الأمريكية مع العرب والمسلمين، خصّـصت الولايات المتحدة حوالي ألف مليون دولار لجهود الدبلوماسية العامة Public Diplomacy، التي تستهدف التأثير على الشعوب لكسب عقولها وقلوبها لصف الولايات المتحدة كزعيمة للعالم الحر، ومنارة لقيّـم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.

ولكن بعد عامين من البرامج والمشروعات التي تراوحت بين شرائط فيديو تحكي التجارب الناجحة للعرب والمسلمين في داخل النظام الأمريكي، وبدء إذاعة "راديو سوا" لاستمالة قلوب الشباب العربي من خلال المزج بين الموسيقى الشعبية العربية والغربية، وبرامج الزوار الأجانب للمؤسسات الأكاديمية والتعليمية الأمريكية والعديد من خدمات الإعلام عن الولايات المتحدة عبر شبكة الإنترنت والمجلات الفاخرة الطبع، أظهرت استطلاعات متعاقبة لقياس شعبية الولايات المتحدة في العالمين العربي والإسلامي تواصل الهبوط إلى مستويات لم يسبق لها مثيل، بشكل نبّـه الإدارة الأمريكية والكونغرس إلى أن المشاعر المعادية للولايات المتحدة لدى الشعوب العربية والإسلامية وصلت إلى مستويات باتت تُـهدد الأمن والمصالح القومية الأمريكية.

وسرعان ما طلبت اللجنة الفرعية لتخصيص الاعتمادات في مجلس النواب الأمريكي برئاسة النائب الجمهوري فرانك وولف من وزير الخارجية كولن باول، تشكيل فريق استشاري لتقييم جهود الدبلوماسية العامة، وتقديم التوصيات اللازمة لمجابهة واحتواء تنامي المشاعر المعادية للولايات المتحدة في العالمين العربي والإسلامي.

إخفاق كامل!

وبعد أكثر من شهرين من الدراسات والزيارات الميدانية لدول عربية وإسلامية، وتقصّـي الحقائق عن جهود الدبلوماسية العامة خلال العامين الماضيين، بل ومنذ الانفراج الذي أعقب نهاية الحرب الباردة، عاد الفريق الاستشاري برئاسة السفير إدوارد جيريجيان، المساعد السابق لوزير الخارجية الأمريكي وسفير واشنطن الأسبق في سوريا، ليطلع كبار المسؤولين والمشرعين الأمريكيين على ما توصّـل إليه في تقريره عن الدبلوماسية العامة الأمريكية في الدول العربية والإسلامية، والذي لخّـصه في عبارة بليغة "لقد أخفقنا في الاستماع إليهم، وأخفقنا في إقناعهم".

وشرح السفير جيريجيان في سلسلة من المؤتمرات الصحفية حضرتها سويس إنفو كيف أن الولايات المتحدة تفتقر إلى القدرات اللازمة في الدبلوماسية العامة لمواجهة الخطر الأمني النابع من عدم الاستقرار السياسي والحرمان من الفرص الاقتصادية وشيوع التطرف، خاصة في العالمين العربي والإسلامي.

وقال السفير جيريجيان "إننا لم نبذل الجهد والوقت الكافيين لدراسة جمهورنا، ولم نهتم بأن نعمل على مساعدته أن يفهمنا. والآن، لا يمكن القبول بمثل ذلك التقصير".

وضم الفريق الاستشاري لتقييم الدبلوماسية العامة الأمريكية ضمن أعضائه أربعة من العرب الأمريكيين، هم جون زغبي، خبير استطلاعات الرأي العام، وجورج سالم، رئيس المعهد العربي الأمريكي، والدكتور شبلي تلحمي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة ميريلاند، والدكتور مأمون فندي، الباحث بالمعهد الأمريكي للسلام.

واستشهد السفير جيريجيان، رئيس الفريق، في تقريره عن الدبلوماسية العامة بملاحظة سمعها في المغرب وهي "إذا لم تقم بالتعريف عن نفسك في هذا الجزء من العالم، سيتولى المتطرفون مهمة التعريف بك". ولذلك، قال السفير جيريجيان "إن قصور جهود الدبلوماسية العامة في المنطقة، أتاح للمتطرفين تعريف الأمريكيين بأنهم محتلّـون قُـساة القلوب في العراق، ومتعصبون غير متسامحين مع المسلمين في الولايات المتحدة".

وكان من بين الانتقادات التي تضمّـنها تقرير لجنة جيريجيان، عدم توفّـر عدد كاف من المسؤولين الأمريكيين القادرين على الدخول في مناقشات فعالة باللغة العربية في العالم العربي، وعلى شاشات قنواته الفضائية العديدة.

وضرب مثالا على قصور الدبلوماسية العامة عن بلوغ أبسط الأهداف وهي التعريف بحقائق ثابتة لا تقبل الجدل عن دور أمريكا الإيجابي في مساعدة شعوب المنطقة فقال، إنه عندما زار ت اللجنة القاهرة، سمع أعضاؤها مرارا وتكرارا كيف أن المصريين يشعرون بالامتنان الشديد لليابان، لأنها بنت لهم دار الأوبرا محل تلك التي احترقت، ولكن اللجنة لاحظت أن كثيرا من المصريين لا يعرفون أن الولايات المتحدة هي التي مولت المشاريع الضخمة لشبكات الصرف الصحي ومياه الشرب النقية وشبكات الكهرباء، كما لعبت دورا أساسيا في تخفيض نسبة الوفيات بين الأطفال في مصر.

توصيات لجنة جيريجيان

وقد زار أعضاء اللجنة، بالإضافة إلى مصر، كلا من سوريا، والمغرب، وتركيا، والسنغال، وفرنسا، وبريطانيا، وعقدوا مؤتمرات تليفزيونية عن بُـعد مع مواطنين ومسؤولين في كل من باكستان وإندونيسيا في إطار تقييمهم لمدى فعالية الدبلوماسية العامة الأمريكية في كسب عقول وقلوب العرب والمسلمين.

وتوصّـلوا إلى عدد من التوصيات لمواجهة المشاعر المناهضة للولايات المتحدة في العالمين العربي والإسلامي، رغم الإعجاب الواسع النطاق في المنطقة بالتعليم الأمريكي الحديث، وباستخدام الأمريكيين للتكنولوجيا المتقدمة، وكذلك بالقيم الأمريكية، خاصة تلك التي تدعو للحرية والديمقراطية، والسعي لسعادة الإنسان. ومن بين تلك التوصيات:

أولا، إعادة تنظيم برامج الدبلوماسية العامة الأمريكية، ويشرف عليها مستشار للبيت الأبيض بدرجة وزير يساعده مجلس من الخبراء الاستشاريين، بحيث يتم توفير توجه استراتيجي وتنسيق لجهود الدبلوماسية العامة على مستوى الحكومة الأمريكية ككل، مع تعزيز دور وكيل وزارة الخارجية الأمريكية لشؤون الدبلوماسية العامة.

ثانيا، تضم مظلة الاستراتيجية الجديدة للدبلوماسية العامة دورا رئيسيا وقائدا لوزارة الخارجية في رسم سياسة الدبلوماسية العامة بالمشاركة مع الوزارات والوكالات الأخرى، مثل وزارة الدفاع، والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، وهيئة الإذاعات الدولية التي تُـمولها الحكومة الأمريكية.

ثالثا، تبني ثقافة قياس الفعالية من خلال قياس التأثير، ومدى تمكّـن برامج الدبلوماسية العامة من تحقيق التأثير المُـستهدف منها.

رابعا، زيادة مخصصات الدبلوماسية العامة التي لم تزد عن 600 مليون دولار خلال العام الماضي.

خامسا، توفير متحدثين أمريكيين يتقنون النقاش باللغة العربية للمشاركة في الحوار في وسائل الإعلام العربية، وتوضيح المفاهيم المغلوطة عن الولايات المتحدة، والبدء في برامج لتدريب عدد يصل إلى 300 متحدث بحلول عام 2008، لضمان عدم غياب الولايات المتحدة عن النقاش في العالم العربي.

سادسا، إجراء مراجعة مستقلة لخطة إطلاق شبكة تليفزيون الشرق الأوسط باللغة العربية بتمويل من الحكومة الأمريكية، بالنظر لأن اللجنة لمست تشككا في المنطقة العربية إزاء تقبل رسالة إعلامية من محطة تُـديرها الحكومة الأمريكية، وكذلك لفت نظر مجلس أمناء هيئة الإذاعات الأمريكية إلى ضرورة تبني أهداف أوضح من مجرد محاولة استمالة أكبر عدد ممكن من المستمعين لراديو سوا من خلال مزيج من الأغاني العربية والأمريكية.

وردا على سؤال، عما إذا كان أعضاء اللجنة الاستشارية يرون أن "راديو سوا" بحاجة إلى تقوية مضمون مادته الإذاعية بشكل يرتفع فوق المستوى الحالي من مزيج الموسيقى والأخبار المقتضبة، قال السفير جيريجيان "لقد نجح راديو سوا في تقديم مزيج من الأغاني العربية والأمريكية التي اجتذبت جمهورا لها، ولكن نظرا لأنها تبث برامجها كجزء من جهود الدبلوماسية العامة، يجدر التساؤل عما فعلته إذاعة سوا بهذا الرصيد من الجمهور، وهل نجحت في تعريفه بالقيم والسياسات الأمريكية؟ والإجابة هي أن "راديو سوا" لم ينجح في ذلك، ونريد أن نراه يتحرك في ذلك الاتجاه.

شاهد من أهلها

وقد علّـق روبرت ساتلوف، المدير السابق لمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى على تقرير السفير جيريجيان الذي صدر في 80 صفحة تحت عنوان "تغيير العقول، والفوز بالسلام" فقال، إنه اتسم بالصراحة وانتقد الإخفاق الذي مُـنيت به جهود الدبلوماسية العامة الأمريكية، وانطوى مع ذلك على حرص شديد على استخدام لغة بنّـاءة وهادئة، وشدّد على ما وصفه بالهجوم على الأبقار المقدسة التالية:

أولا، راديو سوا، وشبكة تليفزيون الشرق الأوسط المقترحة. ولعل التقرير كان أكثر فائدة فيما يتعلق بإعادة العقلانية إلى الجدل الدائر في واشنطن حول راديو سوا والشبكة التليفزيونية الجديدة، وكلاهما يستهدف الجمهور العربي.

فقد أوضح التقرير مدى الحاجة إلى تغيير استراتيجية راديو سوا الذي حل محل القسم العربي بإذاعة صوت أمريكا من مجرد بناء قاعدة عريضة من المستمعين إلى استراتيجية تُـركّـز على مضمون له تأثير في الجمهور.

كما أن تقرير جيريجيان كان أكثر انتقادا لمشروع شبكة تليفزيون الشرق الأوسط، وهو انتقاد وصل إلى حد المطالبة بإلغائه والعمل في إطار بديل أكثر جاذبية وأقل تكلفة، وهو تطوير شراكة مع الشركات الخاصة لتوفير برامج تليفزيونية باللغة العربية. ويعني ذلك الاقتراح باللغة البيروقراطية، تصويت قوي من اللجنة بعدم الثقة في مجلس أمناء الإذاعات الدولية الأمريكية.

ثانيا، برامج المتحدثين الأمريكيين في الخارج. أشار التقرير بصراحة إلى ضرورة عدم إيفاد مئات من المتحدثين الأمريكيين قبل اجتيازهم ثلاثة اختبارات جديدة، أهمها اختبار في التوجهات السياسية، وكيف سيُـمكن لذلك المتحدث أن يساعد الدبلوماسية العامة في تحقيق هدف تحسين التوجهات في الخارج نحو الولايات المتحدة.

ثالثا، مراكز دراسة الشرق الأوسط. أظهر التقرير مدى الحاجة إلى تخصيص موارد من الحكومة الأمريكية لتمويل مراكز للحوار ودراسات الشرق الأوسط، وهو اعتراف صريح بقصور برامج مراكز دراسات الشرق الأوسط في الجامعات الأمريكية عن تحقيق الأهداف التي سعى إليها تقرير تقييم الدبلوماسية العامة الأمريكية.

العرب نائمون في العسل!

من الواضح أن وزارات الإعلام العربية لم تتنبه من البداية لخطورة الخطة الإعلامية الأمريكية التي تستهدف التأثير من جانب واحد على العقول والقلوب العربية من خلال إطلاق إذاعة باللغة العربية، وجدت بالضغوط الأمريكية طريقا لبثها على محطات الـ FM من داخل بعض العواصم العربية مستهدفة الشباب العربي تحت سن الثلاثين بمنتخبات من أحدث الأغاني العربية والغربية تتخللها جُـرعات صغيرة من السم في العسل بأنباء متحيزة تركز على المنظور الأمريكي فقط، وتعليقات للإجابة عن الأسئلة التي تدور في أذهان العرب عن السياسة الأمريكية لتمرير التبريرات لكل ممارسات السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط.

كما لم يتنبه القائمون على إدارة الأقمار الاصطناعية العربية نايل سات وعرب سات للاختراق الأمريكي الذي سيتم من خلالها بإطلاق قناة فضائية أمريكية باللغة العربية قبل نهاية العام الحالي تحت اسم "شبكة تليفزيون الشرق الأوسط"، خصّـص لها الكونغرس الأمريكي 62 مليون دولار مبدئيا ستبث برامجها يوميا وعلى مدار الساعة على عرب سات ونايل سات، بينما العرب نيام وفي سُـبات إزاء تلك الهجمة الإعلامية ليُـدركوا في نهاية المطاف، وربما بعد فوات الأوان، تسلل الـ "بروباغندا" الأمريكية إلى شاشات التليفزيون في كل بيت عربي، فيما بقيت القنوات العربية على ما هي عليه تمتدح نفسها وتؤكد أنه ليس في الإمكان أبدع مما كان.

والغريب أن الدول العربية لم تساند مبادرة قدمها الأمين العام لجامعة الدول العربية السيد عمرو موسى لإنشاء قناة فضائية باللغة الإنجليزية تشرح للأمريكيين وللمشاهدين في الغرب المواقف العربية، وتُـعرفهم بحقيقة العرب بعيدا عن الصور النمطية السلبية السائدة، وتراجعت الفكرة إلى أدراج وملفات الجامعة العربية.

محمد ماضي - واشنطن


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×