Navigation

واشنطن وتقسيم العراق.. مكاسب غير مؤكّـدة ومخاطر كبرى

الرئيس جورج بوش وخريطة العراق والقادة العسكريون في قاعدة الأسد الجوية في محافظة الأنبار العراقية يوم 3 سبتمبر 2007 Keystone

قبل نحو عام، دافع الرئيس بوش عن تمسّـكه بوحدة العراق الإقليمية رافِـضا كل دعوات تقسيمه كما تدعم إدارته عراقا فدراليا وتقول "إن مستقبل العراق قضية حسّـاسة ومن الأفضل أن يناقشها العراقيون بأنفسهم".

هذا المحتوى تم نشره يوم 15 أكتوبر 2007 - 14:00 يوليو,

لكن التطورات الأخيرة تؤشر لوجود توجهات جديدة لا تستبعد تقسيم العراق إلى ثلاثة كيانات طائفية وتحظى بتوافق واسع في صفوف الجمهوريين والديمقراطيين. فما الذي تغير هذه المرة؟

قبل نحو عام، دافع الرئيس بوش عن تمسّـكه بوحدة العراق الإقليمية رافِـضا كل دعوات تقسيمه، التي نشِـطت آنذاك على خلفية إقرار البرلمان العراقي الدستور، بما فيه من مبدإ إقرار الفدرالية، والذي أثار في حينه ولا زال، انتقادات عراقية وعربية عديدة، رأت في الدستور العراقي مجرّد خطوة نحو تفتيت العراق وإنهاء وحدته الإقليمية، وإضعاف حكومته المركزية، محمِّـلة بوش وإدارته مسؤولية الخطوات العديدة التي تصُـب في تمزيق العراق وإنهاء دور حكومته المركزية.

وممّـا قاله الرئيس بوش آنذاك، وفي الثامن عشر من أكتوبر 2006 في مقابلة مع محطة فوكس نيوز، إن تقسيم العراق إلى ثلاث مناطق، سُنية وشيعية وكردية تتمتّـع بالحكم الذاتي، سيؤدي إلى فوضى أكبر من التي يشهدها العراق حاليا، وسيخلق وضعا من شأنه أن يجعل السُـنة والدول السُـنية والمتطرّفين السُـنة يتناحرون مع المتطرّفين الشيعة، بل أن الأكراد سيخلقون مشاكل مع تركيا وسوريا.

مواقف إيجابية.. ولكن!

وفي التعليق على إصدار الكونغرس الأمريكي قرارا غير ملزم بتقسيم العراق إلى ثلاثة كِـيانات، استنادا إلى معايير طائفية وعِـرقية، عقّـبت وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس بأن إدارة الرئيس جورج بوش تدعَـم عراقا فدراليا وأن مستقبل العراق قضية حسّـاسة ومن الأفضل أن يناقشها العراقيون بأنفسهم.

مثل هذه المواقف الرسمية، وإن بدت إيجابية قياسا إلى مواقف دُعاة التقسيم الذين يكتسبون كل يوم أرضية جديدة، فقد لا تعدو سـوى تعبير عن اجتهادات مرحلية لا أكثر ولا أقل.

فوِفقا لطبيعة الحياة السياسية الأمريكية نفسها، فإن تشكيل قوة ضغط مؤسسية وراء فِـكرة معيّـنة يُـعد سببا مهمّـا من أسباب تحوّلها من مجرّد فكرة إلى سياسة ملزمة.

وليس بخافٍ أن مسألة تقسيم العراق مطروحة على بِـساط البحث المؤسسي والسياسي الأمريكي منذ ما قبل غزو العراق نفسه، وأخذت تحصُـل على مزيد من الزّخم واتِّـساع رُقعة المؤيِّـدين لها مع فشل السياسات التي طبقتها إدارة الرئيس بوش في العراق بعد احتلاله.

هدفان مركزيان للتقسيم

ووفقا للعديد من الدّراسات والمقالات والنّـدوات التي عالجت مستقبل العراق، اعتبر كثيرون أن العراق ليس أكثر من كِـيان مصطنع، وهو التعبير الذي روّج المؤرِّخ اليهودي الشهير برنارد لويس وأعِـيد استخدامه أكثر من مرّة في الأعوام الثلاثة الأخيرة، باعتبار أن الغزو واحتلال العراق من شأنه أن يصلح مثل هذا الخطأ التاريخي الكبير، الذي اقترفته الإمبراطورية البريطانية والتي خلقت هذا الكِـيان في عام 1923.

وفى هذه الدراسات الداعية لتقسيم العراق، والتي تشكِّـل أرضية فِـكرية مهمّـة لتحرّكات ومواقف العديد من أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب الأمريكيين، يتّـضح أن هناك هدفين مركزيّـين، أولهما إعادة صِـياغة الخريطة السياسية للمِـنطقة ككل وبما يضمن أمن إسرائيل، التي ستُـصبح في حال تعدّد الدول القائمة على أسُـس طائفية وعرقية، بمثابة القوة الإقليمية الأولى ذات الشرعية، باعتبارها أيضا مشكلة وِفق أسُـس دينية، شأن الدول والكيانات التي ستنشأ نتيجة عمليات التقسيم والتمزيق للعراق ولجيرانه.

ولا يرى هؤلاء غضاضة في تشكيل أكثر من دولة جديدة في المنطقة، فهذا ما حدث بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في وسط آسيا وفي شرق أوروبا وفي البلقان، وكلّـها صبّـت في المصلحة الأمريكية، وليس العكس.

أما الهدف الثاني، فيتعلق بضمان السيطرة الأمريكية على النفط العراقي، والذي يُـعد ركنا أساسيا في الحفاظ على قوة أمريكا في مواجهة المنافسين الدوليين المحتملين في غضون العقدين المقبلين، ويرى دعاة التقسيم أن كِـيانين ضعيفين في الشمال العراقي وفي الجنوب، يتمتّـعان بالثروة النفطية، ولكنهما يشعران بالتهديد دائما، سواء من السُـنة في الوسط أو من الجيران الإقليميين الكبار، سيجعلهما دائما بحاجة إلى حماية أمريكية دائمة غير قابلة للنقاش.

الثقة الغائبة

والحق، أن الثقة في الموقف الرسمي الأمريكي الرّافض تقسيم العراق، كما عبّـر عنه الرئيس بوش، تبدو غائبة تماما، ولذلك أسباب عدّة، منها أن إدارة الرئيس بوش ذاته هي التي ورّطت نفسها وورّطت العراق والمِـنطقة بأسرها في عملية احتلالٍ بغيضة لبلد كبير، أنتجت العديد من الظواهر الخطيرة ومارست عدّة استراتيجيات سياسية وعسكرية لم يكُـن لها حظّ من النجاح، إلا بصورة محدودة للغاية، وهي الورطة التي يبحث الأمريكيون عن مخرج لها يحفظ ماء الوجه من ناحية، ويحقق الأهداف البعيدة بثمن أقلن مما يتم دفعه الآن، ماديا وبشريا ومعنويان، من ناحية أخرى.

وإذا كان الرئيس بوش يرى في الخروج المشرّف أمرا جوهريا لا يقل أهمية عن تحقيق الأهداف الإستراتيجية التي دفعته لاحتلال العراق، فإن الديمقراطيين، ومعهم نفر من الجمهوريين، يروْن أن الأمر أبعد من مجرّد الخروج المشرّف.

وكما جاء في مشروع السيناتور الديمقراطي بايدن، الذي تحوّل إلى قرار غير مُـلزم من الكونغرس، فالمطلوب أولا إثبات فشل إستراتيجية بوش في العراق، وثانيا، عودة الجنود الأمريكيين إلى الديار، وثالثا تخفيض تكلفة الحرب، التي تناهز الآن حوالي بليون دولار شهريا، ووصلت تكلفتها الإجمالية إلى نحو 460 بليون دولار منذ الإعداد للغزو وحتى الآن، ورابعا إعادة هيكلة دور من يتبقّـى من القوات الأمريكية في العراق، وبأعداد محدودة، إلى مهامّ التدريب وملاحقة أعضاء القاعدة وحِـماية الحدود الأمريكية وردع إيران، وهي المبرِّرات التي يعتبرها بايدن كفيلة بتحويل العراق إلى كيانات ثلاثة تخضع لحكومة مركزية ضعيفة، تكون بدورها خاضِـعة للحماية الأمريكية على المدى البعيد.

نحو وصاية أمريكية بعيدة المدى

وبعيدا عن المناكفات السياسية التي تشكِّـل العلاقة بين الجمهوريين والديمقراطيين لدوافع انتخابية وأيديولوجية، فإن الخلاف بين أهداف الرئيس بوش وأهداف بايدن ومَـن ناصروا طرحه التقسيمي، يبدو مجرّد خلاف ظاهري، فباعتبار أن هدف الغزو هو إخضاع العراق للوصاية الأمريكية بعيدة الأمد، فلا يهم هنا أن يكون العراق مركزيا أو فدراليا، موحّـدا أم مقسّـما.

فتحت الوصاية الأمريكية، سيكون هناك ضمان بأن العراق الجديد لن يكون قادِرا على تشكيل أي تهديد بالنِّـسبة لإسرائيل أو لجيرانه الآخرين وثيقي الصِّـلة بواشنطن، والذين يشكِّـلون أعمِـدة رئيسية في الإستراتيجية الأمريكية في المنطقة ككل.

وبما أن هذه الوصاية تتضمّـن ضمان السّـيطرة على النّـفط العراقي، فإن صيغة النظام السياسي العراقي لن تشكِّـل عقبة كبرى، سواء في صورة الفدرالية المصحُـوبة بقانون لتوزيع الثروات، بعيدا عن سيطرة الحكومة المركزية، كما هو وارد في الدستور العراقي، وهو ما يؤيِّـده الرئيس بوش ويعمل على تحقيقه أو في صورة كِـيانات مستقلّـة أو شِـبه مستقلّـة، كما هو وارد في قرار الكونغرس.

خلاف محدود وفرصة محتملة

ربّـما جاء الخلاف المُـهم بين طرح البيت الأبيض وطرح بايدن في مسألة التوازن الاستراتيجي في المنطقة، فالرئيس بوش، والذي يُـدرك أن العراق المقسّـم سيكون في صالح الحليفة المدللة إٍسرائيل على المدى البعيد، فإنه يخشى أن يؤدّي التقسيم إلى منح فرصة إضافية لإيران لكي تمد نفوذها في الكيان الشيعي، أكثر مما هو عليه الآن، وأن يؤدي الكيان الكردي المستقِـل إلى الإضرار بمصالح تركيا الحليفة، وأن يتضرر الحلفاء العرب بوجه عام.

أما بايدن فيعتبِـر أن الأمر لن يصِـل إلى هذه الدرجة، خاصة إذا بقي جنود أمريكيون في العراق المقسّـم لحماية حدوده وملاحقة القاعدة والمتطرّفين المسلمين.

هذه الخلافات، وإن شكّـلت جزءا مهمّـا من صورة الحياة السياسية الأمريكية في اللحظة الجارية، فقد لا تكون كذلك إذا فاز الديمقراطيون بمنصِـب الرئيس في الانتخابات المقبلة في شهر نوفمبر 2008.

ففي هذه الحالة، من المرجّـح أن يتحوّل قرار الكونغرس غير الملزم إلى إستراتيجية أمريكية قابلة للتنفيذ الفوري، وذلك شرط أن يستمر التعثر السياسي والتراجع الأمني في العراق، كما هو حاصل الآن، وهو ما يعني أن هناك فرصة أمام العراقيين للردّ على مشروع التقسيم، ليس بالكلمات والتصريحات النارية الرافضة والمنددة بقرار الكونغرس، وإنما بالفعل المادي، الذي يجعل من المصالحة الوطنية الكبرى وإعادة النظر في الدستور وإصلاح عُـيوبه الخطيرة، أسلوب المواجهة الفعال لمواجهة دعاة التقسيم الأمريكيين وحلفائهم المحليين من جهة، ولإعادة بناء عراق جديد، أكثر أمنا وتماسُـكا من جهة أخرى.

د. حسن أبوطالب - القاهرة

تصويت الكونغرس بتقسيم العراق يجعل العراقيين في حالة اضطراب

بغداد (رويترز) - أدان عراقيون غاضبون تصويت الكونغرس الأمريكي بإقامة مناطق فدرالية في العراق كمؤامرة لتقسيم بلدهم، غير أن حالة السخط تحير البعض ممّـن يقولون إن الفدرالية موجودة بالفعل في الدستور العراقي.

وأثار قرار مجلس الشيوخ غير الملزم في الأسبوع الماضي، الذي يدعو إلى حكومة فدرالية وإقامة مناطق فدرالية عاصفة من الاحتجاج من سياسيين، بينهم رئيس الوزراء نوري المالكي، الذي قال إنه سيكون كارثة بالنسبة للعراق.

ولم يرحب بالقرار علنا سوى الأكراد، الذين يتمتعون بالفعل بالحكم الذاتي في شمال البلاد.

وقال بعض المسؤولين والسياسيين إن الغضب في بغداد هو بالأحرى ردّ فعل لما يشعر به على أنه تدخل خارجي في شؤون العراق أكثر منه غضب من محتوى القرار غير الملزم. وقالوا إن رافضي الفدرالية يستخدمون تصويت الكونغرس لتصوير المفهوم على أنه جدول أعمال أجنبي.

وقال سياسي شيعي، رفض أن يتحدث علنا، "بعض الناس الذين لا يريدون الفدرالية ويريدون نظاما مركزيا استفادوا من هذا بالقيام بحملة ضدّها وجعلها تبدو كما لو كانت حملة لتقسيم العراق"، وأضاف "قرأت القرار جيِّـدا، وهو لا يذكر تقسيم العراق على الإطلاق. أنا واثق من أن الناس الذين يرفضونه لم يقرؤوه حتى، وربما فقط سمعوا ما تقوله وسائل الإعلام".

وقال علي الدبّـاغ، المتحدث باسم الحكومة، إن رفض الحكومة القوي لتصويت الكونغرس نابع من معارضتها للتدخل الأجنبي في مصير العراق، وليس الصياغة التي تشير إلى الفدرالية، وأضاف أن الحكومة ترفض التصويت لأنه تدخّـل في موضوع يتعين إقراره فقط عن طريق استفتاء شعبي، وأضاف أنه يبدو أن الذين يعترِضون، ينصب اعتراضهم على مبدإ الفدرالية.

ويصف الدستور العراقي الدولة بأنها جمهورية برلمانية ديمقراطية وفدرالية، ولكنه لم يحدّد درجة أو طبيعة الفدرالية التي يسعى إليها بعض الشيعة والأكراد في أجزاء من البلاد.

ويعارض السُـنة الفدرالية بشدّة ويخشون أن تؤدي إلى تقسيم البلاد، مما يترك ثالث أكبر احتياطي نفطي في العالم، الذي يتركز بصفة أساسية في الجنوب والشمال في أيدي الشيعة والأكراد.

ولم توافق الكُـتل السُـنية في البرلمان على الدستور، إلا بعد الاتفاق مع الشيعة والأكراد على تعديل بعض مواده.

ويقول مقتدى الصدر، رجل الدين الشيعي المناوئ للولايات المتحدة، والذي يخالف كثيرا من الشيعة في معارضة الفدرالية، إنه لا يجب خلق أي مناطق فدرالية إلى أن تغادر القوات التي تقودها الولايات المتحدة العراق.

ولا يذكر القرار، الذي أقره مجلس الشيوخ الأمريكي عدد المناطق وما إذا كانت سترتكز على الخطوط الجغرافية الفاصلة بين الأعراق أو الطوائف.

وفي واشنطن، قال جو بايدن، الذي وضع قرار الكونغرس، وهو ديمقراطي من ديلاوير، إن القرار أسيء تقديمه.

وقال "إدارة بوش تتابع سياسة معيّبة على نحو مُميت في محاولتها لإقامة حكومة مركزية قوية في العراق، والغرض من هذا التعديل هو إنهاء إراقة الدّماء والمعاناة من خلال تعزيز تقاسم السلطة".

وقال السياسي السُـني أسامة النجيفي من كتلة القائمة العراقية الوطنية في البرلمان لرويترز، إنه يرفض أي تدخل من قبل الأجانب في تحديد مصير العراقيين.

(المصدر: وكالة رويترز بتاريخ 1 أكتوبر 2007)

End of insertion

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.