الحرب في أوكرانيا تفتح الباب مجددا أمام “مافيا الكهرمان”
وسط غابات الصنوبر الكثيفة في منطقة ريفني بشمال غرب أوكرانيا، تكشف جذوع الأشجار والشجيرات الصغيرة والبرك الموحلة عن آثار سنوات من التنقيب غير القانوني عن الكهرمان، فيما تهدد الحرب بتقويض الجهود المحدودة التي بدأت قبل الغزو الروسي لتنظيم هذه الصناعة المربحة وإعادتها إلى فوضى السوق السوداء.
وعلى مدى عقود، استخرجت مجموعات تعمل بأساليب المافيا كميات كبيرة من الكهرمان، من دون اكتراث يُذكر بالأضرار البيئية، ما أدى إلى ازدهار سوق سوداء وتدمير آلاف الهكتارات من الأراضي.
ويُستخدم الكهرمان في صناعة المجوهرات ومنتجات أخرى تلقى رواجا كبيرا في الصين. وبدأت أوكرانيا تنظيم هذا القطاع قبل سنوات قليلة فقط من الغزو الروسي الشامل في شباط/فبراير 2022.
لكن مع استنزاف موارد البلاد بفعل حرب باتت الأكبر في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، يحذر عاملون في القطاع من ضياع التقدم المحدود الذي أُحرز في تنظيم هذه الصناعة المربحة.
فالكهرمان غير المسجل، المعروف في القطاع باسم الكهرمان “الرمادي”، يغرق الأسواق، فيما عُلقت عمليات التفتيش البيئي، وباتت شركات تستعين بمجموعات أمنية خاصة مسلحة بأسلحة جرى تهريبها من جبهات القتال لحماية مواقعها.
وقال أوليغ بوغيلسكي، الشريك في ملكية مجموعة “أمبر غالبين” الأوكرانية العاملة في استخراج الكهرمان بمنطقة ريفني، لوكالة فرانس برس إن “القطاع يعج بالجهات غير النزيهة، وهناك نسبة مرتفعة جدا من الشركات التي تستغل الثروات الباطنية بطرق غير مشروعة”.
وقدّر أن ما بين 60 و70 في المئة من إجمالي الكهرمان المستخرج في أوكرانيا غير مسجل.
– “فوضى حقيقية” –
تمتلك أوكرانيا بعضا من أكبر احتياطات الكهرمان في العالم، وهو صمغية متحجرة يتميز بلونه الذهبي الداكن ويُعرف باسم “حجر الشمس”.
وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي في تسعينات القرن الماضي، اندفعت جهات تعمل خارج الأطر القانونية إلى استغلال الطلب الصيني المتزايد على الكهرمان.
وتسببت مجموعات تنقيب واسعة النطاق تسيطر عليها شبكات إجرامية في تدمير مساحات شاسعة من الأراضي، بعدما استخدمت مضخات آلية لاستخراج كميات هائلة من الكهرمان، حتى باتت تُعرف باسم “مافيا الكهرمان”.
ولم تكن هناك تشريعات أو ضوابط تنظيمية أو إجراءات كافية لإنفاذ القانون لردع هذه المجموعات.
– ألفا منقب غير قانوني –
لا يخفي أندري لوتوتسكي، مدير شركة التعدين “سونياتشني ريميسلو”، أنه دخل هذا القطاع “بطريقة غير شرعية”.
وقال لوكالة فرانس برس “لم يكن أحد يكترث للنباتات أو الأشجار. كانوا يجرفون كل ما يعترض طريقهم”.
واستذكر إيفان شفيريد، المسؤول في إدارة غابات فولوديميريتس الحكومية المعنية بحماية الغابات، وصوله إلى أحد مواقع التنقيب غير القانوني برفقة عدد قليل من عناصر الشرطة، ليجد أمامه “ألفي شخص يحفرون”.
وتساءل “عندما يتغيب طفل في الصف الخامس عن المدرسة ليذهب بدلا من ذلك للتنقيب عن الكهرمان… أليس هذا أمرا مخجلا؟”.
وفي العام 2019، أقرت أوكرانيا قانونا طال انتظاره لتنظيم استخراج الكهرمان، فرض اعتماد أساليب أقل ضررا بالبيئة، واستخدام الحفارات وفق خطط معتمدة مسبقا.
ومُنحت تصاريح التنقيب بصورة أساسية في المناطق التي تعرضت لأضرار جسيمة جراء عمليات الاستخراج غير القانونية، مع إلزام الشركات الخاصة بإعادة تأهيل الأراضي بعد انتهاء أعمالها.
وبدأ استخراج الكهرمان وتصديره عبر القنوات الرسمية ينمو بصورة مطردة.
وارتفعت الصادرات الرسمية من الكهرمان الخام من 0,61 طن في العام 2020 إلى 88,83 طنا في العام 2025، وفق بيانات حصلت عليها وكالة فرانس برس من هيئة الجمارك الأوكرانية.
لكن الأحكام العرفية التي فُرضت عقب الغزو الروسي في العام 2022 أدت إلى تعليق عمليات التفتيش الدورية والتدقيق البيئي، ما حدّ من قدرة الجهات الرقابية على معرفة ما يجري فعليا في مواقع التنقيب.
– ميزة تنافسية –
وقال رئيس النيابة العامة المتخصصة في القضايا البيئية بوريس إنديتشينكو لوكالة فرانس برس إن السلطات الأوكرانية فتحت 369 تحقيقا في قضايا استخراج الكهرمان وحيازته بصورة غير قانونية منذ العام 2024.
وتشمل هذه القضايا شبكة تنقيب غير قانونية كُشف عنها في حزيران/يونيو 2026، يُشتبه في أن مسؤولا محليا كان يديرها، وتُتهم بالتسبب بأضرار بيئية تُقدر بنحو ثمانية ملايين دولار.
وبحسب تقرير نشره موقع “إنتليجنس أونلاين”، تستعين شركات بمتعاقدين أمنيين خاصين مسلحين بأسلحة مسروقة من جبهات القتال ومتداولة في السوق السوداء، لحماية مواقعها من النهب.
وقال المدعي العام إنديتشينكو “تقيم الشركات أسوارا ونقاط تفتيش، وفي بعض الحالات تستعين بحراس أمن قد يكونون أعضاء في جماعات إجرامية منظمة”.
وفي مواجهة هذه الممارسات، تدعو الشركات الملتزمة بالقانون السلطات إلى استئناف عمليات التفتيش وتشديد الرقابة على القطاع، معتبرة أن الجهات التي تتحايل على القواعد تتمتع بميزة تنافسية على حسابها.
وقال بوغيلسكي “إذا تعاونت الدولة مع الشركات الملتزمة بالقانون وأجرينا بعض التعديلات على مسار القطاع، فسنصبح بالتأكيد في المرتبة الأولى عالميا”.
مز-جك-اسم/ع ش