ستة استنتاجات من رفض مبادرة الحياد
أيّد الناخبون والناخبات في سويسرا النهج الذي تتبعه البلاد في تطبيق الحياد منذ الهجوم الروسي على أوكرانيا. ووفق تحليل لسويس إنفو، فإن محاولة تكريس صيغة أكثر صرامة للحياد في الدستور أخفقت أيضًا بسبب الشكوك التي أحاطت بدوافع الجهات التي تقف وراء المبادرة.
1. الحرب في أوكرانيا شكّلت نقطة تحوّل في النظرة إلى الحياد
في ما يتعلق بالحياد السويسري، شكّلت الحرب في أوكرانيا نقطة تحوّل واضحة. فقبل عام 2022، نادرًا ما كان هذا الموضوع يثير انفعالات قوية. وكان الحياد يبدو مفهومًا جامدًا وقديمًا إلى حدّ ما، لا يكاد يثير الاهتمام إلا لدى حفنة من المؤرخين والمؤرخات المولعين بالكتب.
ولكن عودة الحرب إلى الأراضي الأوروبية غيّرت المعادلة. فبعد فترة وجيزة من التردد، تبنّت الحكومة السويسرية، تحت ضغط دولي، عقوبات الاتحاد الأوروبي على روسيا.
ومع هذا القرار، خرج الحياد من الأرشيف، وعاد إلى صلب النقاش السياسي. وتردّد السؤال؛ هل أحسنت برن حين حذت حذو جيرانها الأوروبيين؟ أم كان ينبغي لها أن تمتنع عن ذلك التزامًا بتفسير أكثر صرامة لحيادها؟
واليوم، أعطى المواطنون والمواطنات جوابهم. فهم يقبلون تصورًا للحياد بوصفه أداة قابلة للتطور، يمكن للحكومة تكييفها في مواجهة التحولات الجيوسياسية.
ومن اللافت أن الناخبين والناخبات ممن تجاوزوا 65 عامًا كانوا أكثر انتقادًا للمبادرة من غيرهم. ويمكن فهم ذلك في ضوء تجربة هذا الجيل خلال الحرب الباردة، حين كان خطر اندلاع نزاع واسع النطاق يخيّم على الأجواء.
في تلك الفترة، التزمت سويسرا حيادًا صارمًا من الناحيتين العسكرية والقانونية، مع بقائها بوضوح ضمن المعسكر الغربي. واليوم، في عام 2026، ومع اقتراب الحرب مجددًا من أوروبا، يبدو أن هذا الجيل يفضّل نهجًا مشابهًا: الحفاظ على الحياد دون عزلة سياسية عن الغرب، ولذلك رفض تشديد تعريف الحياد في الدستور.
2. في نظر الناخبين والناخبات، يمكن الجمع بين حياد مرن ومصداقية دبلوماسية
في دعوتها إلى مفهوم شامل للحياد، قالت الجبهة المؤيدة للمبادرة إنها تسعى إلى الحفاظ على مصداقية سويسرا بوصفها بلدًا يقدّم المساعي الحميدة ويوفّر ساحة مستقلة للوساطة.
ولم يقتصر الدفاع عن هذا الموقف على اليمين الشعبوي، بل تبنّته أيضًا حركة قُدّمت على أنها غير سياسية، وأُنشئت خصيصًا لهذه المناسبة تحت اسم “لجنة جنيف الدولية وحيادها”. وحذّرت اللجنة من أن سمعة سويسرا الدولية بوصفها طرفًا غير منحاز كانت على المحك. ولخّصت موقفها بالقول: “إذا كان الحياد جزئيًا، فهو لم يعد حيادًا”.
لكن غالبية الناخبين والناخبات مالت إلى رأي مختلف، طرحته خصوصًا أوساط دبلوماسية وإنسانية، ومفاده أن الخطر الأكبر قد يكمن في الاتجاه المعاكس. فإذا طُبّق الحياد بصيغة مطلقة، قد تبدو سويسرا، بصفتها الدولة الوديعة لاتفاقيات جنيف، وكأنها تساوي دون تمييز بين المعتدى عليهم والمعتدين، بل وقد توحي عمليًا بأنها تمنح الأفضلية للطرف الأخير.
وفي نظر الكثير، تستند المصداقية الدبلوماسية لسويسرا جزئيًا إلى حيادها، لكنها تقوم قبل كل شيء على ثبات التزامها بالسلام والقانون الدولي وحقوق الإنسان.
ومن وجهة نظر الناخبين والناخبات، لا يتعارض الحياد السويسري مع منح الحكومة مساحة للتحرك سياسيًا، عند انتهاك هذه المبادئ.
3. في عالم تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية، لا تريد سويسرا الانكفاء على نفسها
تعكس نتيجة الأحد أيضًا رغبة في ألا تنعزل سويسرا عن بقية أوروبا في ظل مشهد جيوسياسي يزداد اضطرابًا. فقد أثار قرار تبنّي عقوبات الاتحاد الأوروبي على روسيا في عام 2022 جدلًا واسعًا، وكان في نهاية المطاف من العوامل التي أفضت إلى إطلاق مبادرة الحياد.
لكن شريحة واسعة من السكان تبدو اليوم أكثر تفهّمًا للحسابات الاستراتيجية التي استندت إليها الحكومة. فالغالبية لا تريد إلزام سويسرا بالنأي بنفسها دائمًا عن العقوبات الأوروبية، بما قد يثير استغراب جيرانها أو يدفع بها إلى مزيد من العزلة.
وبالمثل، لم ترغب الغالبية في إغلاق الباب أمام أي تعاون مستقبلي مع تحالفات عسكرية، خشية ألا تتمكن سويسرا من التعويل على مساعدتها إذا احتاجت إليها.
وكان قائد الجيش السويسري قد حذّر مؤخرًا من أن البلاد لم تعد بمنأى عن التهديدات التي تواجه أوروبا، وأنها ستعتمد، في حال اندلاع نزاع، على دعم جيرانها للدفاع عن نفسها. وفي ظل هذه المعطيات، بدت المبادرة لكثير من المواطنين والمواطنات رهانًا شديد الخطورة على المستقبل.
المزيد
هكذا تدفع روسيا الدول المحايدة إلى أحضان حلف الناتو
4. الانطباع بأن المبادرة موالية لروسيا رجّح كفة الرفض
حاولت الجبهة المؤيدة للمبادرة التقليل من الانطباع بأنها تميل إلى روسيا، لكن دون جدوى. فقد رأى الناخبون والناخبات في شعار الحملة “لا للحرب” ورموز السلام المصاحبة له دعاية تفتقر إلى الصدق الكامل. وكان من الواضح إلى حد بعيد أن المبادرة تستهدف أساسًا العقوبات السويسرية المفروضة على روسيا.
ومنذ بداية الحملة، أشادت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، بالمبادرة، وهو ما حدّد إلى حد بعيد نبرة النقاش الذي تلا ذلك.
ثم اصطفّت أصوات موالية لروسيا في سويسرا خلف حملة “حمامة السلام”. وبذلك، بدا أن بعض الأوساط التي تقف وراء مبادرة حزب الشعب السويسري، والتي قدّمت نفسها على أنها سويسرية خالصة، كانت تعبّر أيضًا عن مصالح أجنبية.
وفي الوقت نفسه، أثارت روسيا المخاوف في أوروبا بسلسلة من الأعمال العدائية، من بينها هجوم بطائرات مسيّرة أُحبط في ألمانيا، وعمليات تخريب في بحر البلطيق، واستهداف سياسيين أوروبيين في بولندا.
وفي سبتمبر، قال قائد الجيش السويسري بينيديكت روس بوضوح: “نعم، سويسرا هدف لموسكو”. وبذلك، لا يُفهم الرفض الواضح الذي عبّر عنه الناخبون والناخبات للمبادرة على أنه رفض لها فحسب، بل أيضًا على أنه رفض للهجمات الروسية على الغرب.
المزيد
العقوبات على روسيا في صميم النقاش بشأن مبادرة الحياد السويسرية
5. الناخبون والناخبات عاقبوا كريستوف بلوخر بسبب الانطباع بأنه كان يدافع عن مصالحه الخاصة
تمثّل النتيجة انتكاسة كبيرة للعضو السابق في الحكومة الفدرالية وأحد أبرز وجوه حزب الشعب السويسري، كريستوف بلوخر. ففي الخامسة والثمانين من عمره، أراد خوض حملة اقتراع جديدة. لكنه تعرّض هو الآخر لانتقادات حادة. فهل كان يدافع فعلًا عن مفهوم صارم للحياد، كما كان يؤكد؟ أم عن مصالحه التجارية الخاصة، كما اتهمه معارضو المبادرة، ومعارضاتها؟
وفي نهاية المطاف، تغلّبت الشكوك بشأن نزاهة دوافعه. ففي مرحلة بناء شركة EMS التي كوّن منها ثروته، واصل بلوخر التعامل التجاري مع نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، رغم خضوعه آنذاك لعقوبات دولية.
وبعد سنوات طويلة وبإدارة ابنة بلوخر، واصلت EMS أنشطتها في روسيا حتى بعد غزو أوكرانيا. وحاول بلوخر التقليل من أهمية ذلك. لكن هذا لم يفعل سوى تعزيز الانطباع بأن ميله إلى روسيا يفتقر إلى مبرر واضح.
لكن الصين أهم بالنسبة إلى مجموعة EMS من روسيا. وإذا أقدمت بكين يومًا على مهاجمة تايوان، فقد تتعرض هي الأخرى لعقوبات، وهو ما سينعكس مباشرة على أعمال EMS في الصين.
وبفضل هذه الشركة، أصبح بلوخر مليارديرًا. كما جعلته قدرته على قراءة المزاج الشعبي واحدًا من أبرز الشخصيات السياسية في سويسرا خلال العقود الأخيرة. غير أن مسيرته لم تخلُ من انتكاسات كبرى؛ فقد احتاج إلى سنوات كي يتقبل إقصاءه من الحكومة الفدرالية عام 2007، وكانت تلك أول هزيمة كبيرة له. واليوم، في أواخر مسيرته السياسية، تأتي الهزيمة الثانية.
6. النقاش حول الحياد لم ينتهِ بعد
رغم نتيجة اقتراع الأحد، لن يعود الحياد إلى رفوف كتب التاريخ في الوقت الراهن. فمع تصويت جديد مقرر في 29 نوفمبر على تعديل قواعد تصدير الأسلحة السويسرية، سيظل الموضوع في صدارة النقاش.
ويحظر القانون الحالي تصدير الأسلحة إلى الدول المنخرطة في نزاعات. أما التعديل المقترح، فسيسمح بالتصدير إلى بعض الدول التي تُعد شريكة مقرّبة لسويسرا، دون أن تشمل القائمة أوكرانيا. وهذه المرة، تؤيد أحزاب يمين الوسط التعديل بهدف دعم صناعة الأسلحة السويسرية. أما اليسار، فيخشى أن يؤدي إلى وصول مزيد من الأسلحة السويسرية إلى مناطق النزاع. في الوقت نفسه، ينتقد اليسار استمرار عدم السماح بدعم أوكرانيا بموجب القواعد الجديدة.
في حد ذاته، لا يحظر قانون الحياد على سويسرا تصدير الأسلحة. ومع ذلك، فإن القضية ستبقى في قلب النقاش خلال الأشهر المقبلة: هل تستطيع دولة أن تزيد صادراتها من الأسلحة وتظل في الوقت نفسه محايدة؟ وأين ينتهي الحياد العسكري ويبدأ التضامن السياسي؟
المزيد
إلى أي اتجاه يتطوّر الحياد السويسري؟
تحرير: ريتو غيزي فون فارتبوغ
ترجمة عن الإنجليزية. مراجعة وتدقيق: ريم حسونة
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة
المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"
يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!
إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.