تحليل-وحيدة تحت نيران العدو: إيران تحارب وروسيا والصين على الحياد
من سامية نخول
دبي 5 مارس آذار (رويترز) – بعد مقتل الزعيم الأعلى الإيراني وتعرض آلة الحرب لضغوط أمريكية رهيبة، أصبحت إيران الآن وحيدة إلى حد كبير، دون أن يقدم الشريكان القديمان، روسيا والصين، سوى الإدانات الدبلوماسية والتعبير عن القلق.
ردت طهران على الهجمات الأمريكية والإسرائيلية بتوسيع نطاق الصراع إلى ما وراء الشرق الأوسط، وإطلاق صواريخ وطائرات مسيرة، مما أثر على أسواق الطاقة العالمية، وأثار قلق العواصم من واشنطن إلى بكين، وأصاب حركة الشحن التي تنقل 20 بالمئة من إمدادات النفط العالمية عبر مضيق هرمز بالشلل.
وصلت الصواريخ الإيرانية إلى قبرص وأذربيجان وتركيا ودول الخليج، وحملت الحرب إلى عتبات الدول باستهداف الشركات الهامة والبنية التحتية للطاقة والقواعد الأمريكية. وتعرضت منشآت النفط والمصافي وطرق الإمداد الرئيسية للضرب، مما تسبب في اضطراب شديد في إمدادات النفط الخام والغاز الطبيعي.
* ضبط النفس انعكاس “لحسابات دقيقة”
مع إغلاق مضيق هرمز بالفعل، أدت الهجمات إلى ارتفاع أسعار الطاقة، واهتزت الأسواق العالمية واضطرت الاقتصادات الكبرى إلى التحرك بسرعة، مما يسلط الأضواء على مدى انكشاف العالم على تداعيات رد طهران على الحرب.
يقول المحللون إن ضبط النفس الذي تبديه روسيا والصين هو انعكاس لحسابات المكسب والخسارة دون تدخل للعواطف واعتبارات الصداقة. فالتدخل في وقت مواجهة بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى سيكون له ثمن باهظ ومكاسب محدودة ومخاطر لا يمكن التكهن بها، وهي أعباء لا تبدو أي من القوتين مستعدة لتحملها.
قالت آنا بورشيفسكايا خبيرة الشؤون الروسية في معهد واشنطن “لدى بوتين أولويات أخرى، وأهمها أوكرانيا.. وسيكون من الحماقة أن تدخل روسيا في مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة”.
وقال مصدر روسي رفيع المستوى “إن التصعيد في إيران والخليج وحولهما يحول الانتباه بالفعل عن الحرب في أوكرانيا. هذه حقيقة مجردة. كل شيء آخر هو مجرد عاطفة تجاه ‘حليف وَقَع'”.
ساعدت كل من بكين وموسكو إيران في بناء قدراتها العسكرية لمواجهة الضغوط الأمريكية والإسرائيلية، من خلال تزويدها بالصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي والتكنولوجيا التي تهدف إلى تعزيز الردع وتعقيد العمليات الأمريكية وزيادة تكاليف الهجوم. لكن يبدو أن هذا الدعم قد وصل إلى حده الأقصى الآن.
*مفارقة صارخة
أمضت الصين سنوات في ترسيخ مكانتها في الدبلوماسية بالشرق الأوسط، بينما جعلت روسيا من إيران ركيزة لتحالفها المناهض للغرب.
ومع ذلك، عندما اشتعل الصراع، وجدت القوتان نفسيهما مكبلتين بقيود، الصين بسبب اعتمادها على الطاقة والتجارة في الخليج وأولوياتها الأمنية في آسيا، وروسيا بسبب الحرب الطاحنة في أوكرانيا التي استنزفت قدرتها على حماية شركائها وزادت من حاجتها للحفاظ على العلاقات مع دول الخليج الغنية بالنفط.
والنتيجة مفارقة صارخة. إيران ما زالت مفيدة استراتيجيا لكلا الطرفين، ولكنها ليست مفيدة بما يكفي للقتال من أجلها.
مع استمرار استنزاف الحرب في أوكرانيا للقدرات العسكرية والدبلوماسية والموارد الاقتصادية الروسية، فإن أولوية الرئيس فلاديمير بوتين هي تجنب التصعيد مع واشنطن وحماية مصالح روسيا في الشرق الأوسط، بدلا من المراهنة على حظوظ إيران في ساحة المعركة.
وقالت بورشيفسكايا “لو دعمت روسيا إيران بشكل مباشر، لأدى ذلك إلى تنفير دول الخليج وإسرائيل. وبوتين لا يريد هذا”.
يعكس رد بكين المتحفظ استراتيجية قائمة منذ أمد طويل، تتمثل في تجنب الالتزامات الأمنية البعيدة عن مصالحها الأساسية.
*تحالفات الصين تركز على التجارة والاستثمار
يقول إيفان إيه. فيجنباوم من مؤسسة كارنيجي للسلام إن الصين تفضل الشراكات القائمة على التجارة والاستثمار ومبيعات الأسلحة، وهي علاقات لا تدفعها إلى حد الدخول في صراعات مكلفة خارج شرق آسيا، على عكس الولايات المتحدة، التي تستند تحالفاتها إلى التزامات الدفاع المتبادل.
وفي الخليج، تحافظ بكين، إحدى أكبر القوى التجارية وضمن أكبر مشتري الطاقة في العالم، على علاقاتها مع إيران ومنافسيها السنة. وفي أمريكا اللاتينية، لم تضع قط كل رهاناتها على فنزويلا وحدها.
يقول هنري توجندهات من معهد واشنطن “إذا أرادت بكين أن تفعل المزيد، فلن تحول اهتمامها الاستراتيجي أو أصولها العسكرية عن (محاور) الأمن الأساسية.. إنها تهتم فقط بسمعتها في الخارج.. تهتم بتايوان وبحر الصين الجنوبي والتهديدات المتصورة من الولايات المتحدة واليابان”.
قد يكون للصراع مزايا بالنسبة لبكين. فمن بعيد، يمكن للصين أن تراقب القوات الأمريكية وهي عالقة بعيدا عن شرق آسيا ومخزوناتها العسكرية مستنفدة، بينما تحصل في الوقت نفسه على رؤية حقيقية لقدرات الولايات المتحدة وعملياتها، وهي رؤى يمكن أن تثري أفكارها بشأن سيناريو مستقبلي لتايوان.
لا تزال نقطة الضعف الرئيسية للصين هي تدفق الطاقة عبر مضيق هرمز، الذي ينقل حوالي 45 بالمئة من وارداتها النفطية. لكن بكين كدّست احتياطيات استراتيجية وكميات كبيرة من النفط الإيراني التي يقول خبراء إنها موجودة بالفعل في ناقلات أو مخازن.
ويضيف الخبراء أن الأزمة تسمح لموسكو وبكين بإعادة صياغة دوريهما كوسيطين. وقالت الصين إن وزير الخارجية وانغ يي تحدث مع وزراء أوروبيين وعرب للضغط من أجل إجراء حوار، بينما أجرى بوتين مكالمات مماثلة مع قادة الخليج ومسؤولين إيرانيين.
*ارتفاع أسعار النفط في مصلحة روسيا
تجد روسيا أيضا فوائد ملموسة في الصراع . فارتفاع أسعار النفط يعزز اقتصادها الحربي، وانشغال الإدارة الأمريكية بالشرق الأوسط يحد من قدرتها على التعامل مع قضية أوكرانيا.
وقالت بورشيفسكايا إن روسيا لا تستفيد من انهيار النظام الإيراني، لكنها لا تربط مصيرها ببقائه. فموسكو تتحوط وتحافظ على المرونة، بغض النظر عن نتيجة الصراع، وستبني علاقات مع أي حكومة جديدة، حتى لو كانت متحالفة مع واشنطن.
وأشار المصدر الروسي إلى سوريا كسابقة في هذا الشأن. فعلى الرغم من دعمها للرئيس المخلوع بشار الأسد لسنوات، احتفظت موسكو بقواعدها في البحر المتوسط وسرعان ما أقامت علاقات مع الزعيم السوري الجديد أحمد الشرع، مما يؤكد استعدادها للتضحية بالولاء مقابل النفوذ طويل الأمد.
(تغطية إضافية من جاي فولكونبريدج من موسكو وليز لي من هونج كونج – إعداد أيمن سعد مسلم للنشرة العربية)