خامنئي يدعو إلى “قصم ظهر مثيري الفتنة” في إيران
رأى المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي السبت أن على الجمهورية الإسلامية أن “تقصم ظهر مثيري الفتنة”، محمّلا الرئيس الأميركي دونالد ترامب مسؤولية سقوط قتلى في الاحتجاجات التي شهدتها إيران وقابلتها السلطات بقمع شديد.
بدأت التظاهرات في 28 كانون الأول/ديسمبر بإضراب لتجار بازار طهران على خلفية تدهور الأوضاع المعيشية، لكنها تحوّلت إلى حركة احتجاج واسعة النطاق رُفعت فيها شعارات سياسيّة من بينها إسقاط الحُكم الممسك بمقاليد البلاد منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979.
وبعد تحركات في مدن صغيرة ومتوسطة الحجم، بدأ المتظاهرون النزول بأعداد كبيرة الى شوارع المدن الكبرى اعتبارا من الثامن من كانون الثاني/يناير.
غير أن زخم حركة الاحتجاجات تراجع بعد حملة من القمع أسفرت عن مقتل الآلاف، بحسب منظمات حقوقية خارج إيران، ترافقت مع حجب متواصل لشبكة الإنترنت في مواجهة أحد أكبر التحدّيات للسلطات منذ نشأة الجمهورية الإسلامية.
وقرّرت السلطات الايرانية إعادة فتح المدارس في طهران ومدن أخرى الأحد، بعدما أُغلقت منذ العاشر من كانون الثاني/يناير على وقع موجة الاحتجاجات في البلاد، وإجراء امتحانات جامعية كانت أرجئت بسبب التظاهرات، اعتبارا من 24 كانون الثاني/يناير، وفق ما أوردت وكالة إسنا الايرانية للانباء.
وتؤكد طهران أن الاحتجاجات التي تتهم “مخربين” و”مثيري شغب” مدعومين من الخارج بتأجيجها، باتت تحت السيطرة، فيما أفادت وسائل إعلام محسوبة على السلطات بتوقيف الآلاف، وتعهّد مسؤولون بإنزال عقوبات سريعة بالمعتقلين.
وقال خامنئي في كلمة أمام جمع لمناسبة المبعث النبوي “بإذن الله، على الأمة الإيرانية أن تقصم ظهر مثيري الفتنة كما قصمت ظهر الفتنة”، بحسب كلمة بثها التلفزيون الرسمي الإيراني.
وتابع “لا نعتزم أن نقود البلاد إلى الحرب، لكننا لن نوفر المجرمين المحليين… وأسوأ من المجرمين المحليين، المجرمون الأجانب، لن نوفرهم كذلك”، وذلك على وقع هتاف المناصرين “الموت لأميركا” و”الموت لإسرائيل”.
وأضاف “إن عملاء (…) قتلوا بضعة آلاف من الأشخاص”، مندّدا بـ”وحشية خالصة”، في ما يبدو أول إقرار له بمقتل آلاف الأشخاص.
وكانت إيران شهدت في العام 2022 احتجاجات حاشدة ضد السلطات التي وصفتها بأنها تحريض على الفتنة، لتبرير القمع العنيف، وفق منظمات حقوقية.
واتهمت السلطات الإيرانية الولايات المتحدة بتأجيج ما تصفه بـ”العمليات الإرهابية”، معتبرة أنها حرفت مسار التظاهرات التي اندلعت للاحتجاج على الأوضاع الاقتصادية. وسبق لمسؤولين أن أكدوا تفهّمهم للمطالب الاقتصادية للمحتجين، لكنهم توعدوا بعدم التساهل مع “مثيري الشغب” و”المخربين”.
وكان ترامب الذي دعم حرب إسرائيل التي استمرت 12 يوما ضد إيران في حزيران/يونيو وتدخل فيها عبر قصف منشآت نووية إيرانية، قد أعرب في الآونة الأخيرة عن دعم المتظاهرين، مكرّرا تهديداته باتخاذ إجراءات عسكرية جديدة ضد طهران.
– “مؤامرة أميركية” –
وهاجم خامنئي ترامب السبت، محمّلا إياه مسؤولية قتلى الاحتجاجات.
وقال مرشد الجمهورية الإسلامية “نعدّ الرئيس الأميركي مذنبا بسبب الخسائر والأضرار والاتهام الذين وجّه الى الأمة الإيرانية”، مشيرا إلى أن الاحتجاجات كانت “مؤامرة أميركية”.
وأضاف “بعث الرئيس الأميركي برسالة إلى مثيري الفتنة قال فيها: نحن ندعمكم، وسنقدّم لكم دعما عسكريا… هذا يعني أن الرئيس الأميركي قد انخرط بنفسه في الفتنة، وهذا يُعدّ جريمة”.
ورأى المرشد الأعلى، صاحب الكلمة الفصل في السياسات العليا للدولة والذي يقود الجمهورية الإسلامية منذ العام 1989، أن هدف الولايات المتحدة “هو ابتلاع إيران… المسعى هو إخضاع إيران مجددا للهيمنة العسكرية والسياسية والاقتصادية المباشرة”.
ورغم أن واشنطن تبدو وكأنها تراجعت خطوة إلى الوراء، قال ترامب إنه لا يستبعد الخيار العسكري، وحرص على التأكيد أنه يراقب عن كثب ما إذا كان قد تم إعدام أي من المتظاهرين.
والجمعة كتب الرئيس الأميركي على منصته تروث سوشال “أقدر الى حد كبير قيام قادة إيران بإلغاء كل عمليات الاعدام التي كانت مقررة أمس (اكثر من 800). شكرا”.
ردا على سؤال بشأن منشور ترامب، قال المدعي العام في طهران علي صالحي في تصريح للتلفزيون الرسمي، إن الرئيس الأميركي “دائما ما يتفوّه بكثير من الكلام الفارغ وغير المبرّر”، مشدّدا على أن رد الحكومة الإيرانية “حاسم ورادع وسريع”.
وأشار إلى “إصدار لوائح اتّهام” في كثير من ملفات المحتجين و”إحالتها إلى المحاكم”.
وتفيد تقديرات منظمات حقوقية بتوقيف ما يصل إلى 20 ألف شخص. ونقلت وكالة تسنيم عن مسؤولين أمنيين الجمعة أن السلطات أوقفت نحو ثلاثة آلاف شخص على خلفية الاحتجاجات.
وأوردت وكالة تسنيم الإيرانية نقلا عن وزارة الاستخبارات إشارتها إلى أنه بفضل “إجراءات عملياتية واستخباراتية (…) تم تحديد شبكة تضم 32 عضوا من طائفة التجسّس البهائية، كانوا نشطين في أعمال الشغب وأعمال التخريب”.
وأفادت الوزارة باعتقال 12 “عنصرا رئيسيا”، في حين تم استدعاء 13 آخرين.
وتزايد القلق حيال حصيلة القتلى المعلنة خلال حملة القمع، إذ لا تزال عملية التحقق من الحالات صعبة بسبب القيود الشديدة على الإنترنت.
وتحدّث شاهد عيان غادر إيران بعد الاحتجاجات في تصريح لوكالة فرانس برس عن تعرّض متظاهرين لإطلاق نار وسماع طلقات نارية خلال التظاهرات.
واوضح كيارش الذي اشترط عدم كشف كامل هويته لأسباب أمنية، أنه تعرّض لإطلاق نار خلال احتجاجات نظّمت في العاشر من كانون الثاني/يناير، وقال إنه شاهد آلاف الجثث في مشرحة في طهران.
وقال لفرانس برس من ألمانيا “رأيت الدماء… آلاف الأشخاص وآلاف الجثث” لأشخاص “يطالبون بحقوقهم”.
– بهلوي يدعو إلى التظاهر –
وقالت منظمة “حقوق الإنسان في إيران” التي تتخذ من النروج مقرا، إنه تم التحقق من مقتل 3428 متظاهرا على يد قوات الأمن، لكنها حذرت من أن العدد الحقيقي قد يكون أعلى من ذلك بمرات.
وأضافت المنظمة أن تقديرات أخرى تشير إلى أن الحصيلة تخطّت خمسة آلاف قتيل، وربما تصل إلى نحو 20 ألفا.
من جهتها، أوردت قناة “إيران إنترناشونال” المعارضة التي تبث من خارج البلاد، أن 12 ألف شخص على الأقل قُتلوا خلال الاحتجاجات، قائلة إنها تستند في ذلك إلى مصادر حكومية وأمنية رفيعة المستوى.
وقالت منظمة “نتبلوكس” لمراقبة الإنترنت السبت إن حجب الخدمة متواصل على الرغم من عودة “طفيفة جدا” لنشاط الشبكة في إيران، بعد انقطاع تام دام أكثر من 200 ساعة.
وأفادت تقارير بتمكّن مقيمين في إيران من إرسال الرسائل النصية داخل البلاد وإلى أرقام خارجية، لكن خدمة تلقي الرسائل النصية ما زالت غالبا معطّلة.
وتقول منظمات حقوقية إنه لم ترد تقارير ذات صدقية تفيد بتنظيم احتجاجات في الأيام الأخيرة، وقد أظهرت مقاطع فيديو متداولة على منصات للتواصل الاجتماعي انتشارا أمنيا مكثّفا في بعض المناطق.
لكن رضا بهلوي، نجل الشاه الذي أطاحته الثورة الإيرانية في العام 1979، دعا الجمعة عبر منصات للتواصل الاجتماعي الإيرانيين إلى تنظيم تحركات احتجاجية جديدة مساء السبت والأحد.
وقد هتف محتجون باسم بهلوي الذي حضّ ترامب مجددا على التدخل في إيران.
سو/ع ش-ود/س ح