خطر جديد يهدد الصناعة الألمانية بعد تهديد ترامب برسوم جمركية إضافية
تسود حالة من الاضطراب مجدّدا أوساط الصناعة الألمانية الهشّة التي ظنّت أنها نجت من الأسوأ إثر التوصّل إلى اتفاق تجاري بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، قبل أن تطالها تهديدات جمركية أميركية جديدة على خلفية قضية غرينلاند.
ومع الصناعة، تهتزّ أركان اقتصاد الصادرات الألماني برمّته، وهو الأكبر في أوروبا، فيما شهد إجمالي الناتج المحلي تحسّنا طفيفا جدّا ليناهز 0,2 % سنة 2025 بعد سنتين من الركود.
واورد كارستن برتسيزكي الخبير الاقتصادي في “آي ان جي” (ING) أن “هذه الرسوم الجمركية الجديدة ستكون مثل السم بالنسبة إلى ألمانيا”، مع تقويضها “الانتعاش الهشّ القائم”.
وتعوّل برلين على تسارع النموّ هذه السنة إلى 1,3 % بدفع من النفقات العامة الكبيرة الموجّهة إلى البنى التحتية والدفاع.
لكن هذه التقديرات وضعت قبل أن يهدّد الرئيس الأميركي بفرض رسوم جمركية إضافية بنسبة 10 % على واردات ثمانية بلدان، منها ألمانيا، اعتبارا من الأوّل من شباط/فبراير قبل أن تبلغ 25 % في حزيران/يونيو، وذلك على خلفية مساعيه للسيطرة على جزيرة غرينلاند الدنماركية.
– “مؤشّر شديد الخطورة” –
وتساءل الإثنين رئيس الاتحاد الألماني لصانعي الأدوات الآلية (VDW) وهو قطاع يرزح أصلا تحت وطأة الرسوم الجمركية الأميركية بنسبة 50 % على الفولاذ والألمينيوم، “كيف لنا أن نستعدّ للأمر مع ماكينات تبلغ أصلا مهل تسليمها ستة أشهر؟”.
وتشكل التهديدات الأخيرة “مؤشّرا شديد الخطورة” بحسب اتحاد الشركات الصغيرة والمتوسطة (DMB) التي تشكّل العمود الفقري للصناعة في ألمانيا التي تعاني تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة نتيجة الغزو الروسي لأوكرانيا.
واعتبر تورستن باور المسؤول عن مبيعات أجهزة الليزر الصناعية في شركة “كزايتون فوتونيكس” (Xiton Photonics) التي توظّف حوالى 20 شخصا في كايزرزلاوترن (الغرب) أن “غرينلاند دفعت الجنون إلى ذروته”.
ولا شكّ في أن ارتفاع نسبة الرسوم الجمركية “سيكون له تأثير كبير على نشاطنا”، بحسب ما قال براين فورديرير مؤسس ومدير “مايكروكور ميديكل” (Microqore Medical) التي تصنّع معدّات جراحية في بادن-فورتمبرغ (جنوب) وكانت نصف مبيعاتها تتجه الى الولايات المتحدة.
ونبّه فورديرير من “التداعيات السلبية جدّا” على أوروبا في حال ردّ الاتحاد الأوروبي بفرض رسوم جمركية أعلى على المنتجات الأميركية.
وشدّد اتحاد الشركات الصغيرة والمتوسطة على أن المؤسسات بحاجة إلى بيئة مستقرّة وقابلة للاستشراف، “لكن عندما يصبح من الممكن إلغاء القواعد والاتفاقات أحاديا أو استخدامها سلاحا للتهديد، تصبح الاستثمارات شبه مستحيلة وسلاسل الإمداد خاضعة للضغوط ولا يعود ممكنا توقّع الأسعار”.
– إبرام “اتفاقات أخرى” –
قد تشهد الشركات الألمانية المصدّرة التي ترزح أيضا تحت وطأة قيمة اليورو المرتفعة والمنافسة الصينية تراجعا إضافيا في مبيعاتها إلى الولايات المتحدة التي تعدّ سوقا رئيسية لها في حال فرض زيادة جمركية جديدة.
وتراجعت صادراتها إلى الولايات المتحدة بنسبة 9 % خلال سنة بين كانون الثاني/يناير وتشرين الثاني/نوفمبر 2025 لتبلغ 135 مليار يورو. غير أن الولايات المتحدة تبقى أكبر زبون لألمانيا مع 9,4 % من السلع المصدّرة، بحسب “ديستاتيس”.
وكان التراجع أكثر حدّة خلال الربع الثالث من العام 2025 في قطاع السيّارات (-24,6 %) والأدوات الآلية (-12,8 %) والمنتجات الكيميائية (-21,9 %) المصنّعة في ألمانيا، بحسب مكتب الإحصاءات.
وباتت الزيادات الجمركية الأخيرة التي توعّد بها الرئيس الأميركي “أخطر” من تلك المعلنة في نيسان/أبريل، وفق ما لاحظ بال سكيرتا المحلّل لدى “ميتسلر” (Metzler).
وقال في تصريحات لوكالة فرانس برس “كأن الخبر هبط علينا من السماء، من دون أيّ مسوّغات على مستوى الاقتصاد الكلّي”.
وندّد الاتحاد الصناعي الألماني (BDI) بـ”تصعيد غير مناسب يضرّ بالأطراف كافة” و”يمارس ضغوطا شديدة على العلاقات العابرة للأطلسي”.
وقد تدفع هذه الظروف الصناعيين الألمان إلى البحث عن شركاء تجاريين آخرين غير الولايات المتحدة.
وقد يساعد الاتفاق بين الاتحاد الأوروبي وميركوسور الذي تعوّل ألمانيا عليه لتعزيز صادرات السيّارات والآلات في “التعويض جزئيا عن تداعيات الرسوم الجمركية الأميركية”، بحسب ليزاندرا فلاخ من معهد “آي اف او” (IFO) التي تدعو إلى إبرام “اتفاقات أخرى على وجه السرعة”.
أما المستشار الألماني فريدريش ميرتس فيأمل بتفادي مزيد من التصعيد فيما يحضّر الاتحاد الأوروبي ردّه.
ولفت الإثنين إلى أن من مصلحة الإدارة الأميركية أيضا تفادي حرب تجارية لأن “المستهلكين الأميركيين هم الذين يدفعون الرسوم الجمركية”، في إشارة إلى غلاء المعيشة في الولايات المتحدة، وهي مسألة تثير استياء متناميا في البلد.
فبو-جبل/م ن/ب ق