في جنوب لبنان سكّان يخشون انسحاب قوة يونيفيل بعدما باتت جزءا من يومياتهم
من متجره في جنوب لبنان قرب الحدود الإسرائيلية، يتوقع مارك دياب أن يحدث انسحاب قوة الأمم المتحدة “يونيفيل”، التي أمضت عقودا في المنطقة، تغييرا جذريا في حياة أبناء بلدته، بعدما بات عناصرها جزءا لا يتجزأ من يومياتهم ومصدر رزقهم.
ويقول دياب (59 عاما) الذي تزوجت شقيقته عنصرا إسبانيا من قوات حفظ السلام وتقيم حاليا في إسبانيا، لوكالة فرانس برس، “اليونيفيل ليست مهمة لنا على صعيد العمل فحسب… بل بتنا عائلة”.
ويستعيد الرجل ذكرياته حين بدأ العمل عندما كان فتى مع قوة الأمم المتحدة الموقتة العاملة في جنوب البلاد، مؤكدا أنه ما كان ليفتتح متجره في بلدته إبل السقي حيث يعرض سلعا متنوعة بينها ثياب وكحول ودخان، لولا وجود عناصرها الذين يشكلون غالبية الزبائن.
وعلى وقع دوي قصف يُسمع من بعيد، يشير إلى أن انسحاب عناصرها سيضرّ بالاقتصاد المحلي “وسيؤثّر على علاقاتنا”، مضيفا “سنفقد الأمن والاستقرار… يزعجني كثيرا أنهم سيغادرون، عشنا عمرا معهم”.
منذ العام 1978، شكّل عناصر حفظ السلام قوّة فاصلة بين لبنان واسرإئيل، لكن انتشارهم لم يحل دون جولات قتالية عدة بين إسرائيل وحزب الله المدعوم من طهران، اللذين خاضا حربين متتاليتين منذ العام 2023.
ومن موقعها كقوّة ترصد الأعمال العدائية وتقدّم في الوقت نفسه خدمات إنسانية للسكان، باتت يونيفيل جزءا أساسيا من النسيج الاجتماعي في الجنوب على مدى عقود، كما هو الحال في إبل السقي.
لكن في ظل ضغط من الولايات المتحدة حليفة إسرائيل، قرر مجلس الأمن في آب/أغسطس 2025 إنهاء ولاية هذه القوة الدولية بحلول نهاية العام 2026.
في حديقة صغيرة في إبل السقي تُعرف باسم “ساحة النروج”، ترفرف أعلام نروجية ولبنانية قديمة قرب لوحات تذكارية تكريما لعناصر من الجنسية النروجية أرسى وصولهم قبل عقود روابط وثيقة مع السكان، لا تزال راسخة وتكلّلت بزيجات عدة مع فتيات من البلدة.
وفي حديقة تحمل اسم المهاتما غاندي، يعلو علم الهند قرب ملصقات ولوحات تذكارية وضعها عناصر من الكتيبة الهندية.
– “كيف سنعيش؟” –
تقع إبل السقي على مشارف منطقة حدودية تحتلها إسرائيل وتصنّفها “أمنية” منذ الحرب الأخيرة مع حزب الله، ويصل عمقها إلى عشرة كيلومترات من حدودها.
ونصح سكان صحافيي فرانس برس بتجنّب التوجّه الى الأطراف الجنوبية للقرية المحاذية لمنطقة انتشار القوات الإسرائيلية.
وبقيت القرية بمنأى إلى حدّ كبير عن تداعيات الحرب التي أودت بحياة أكثر من 4300 شخص في لبنان، بينهم سبعة عناصر من قوات حفظ السلام قضوا خلال تبادل إطلاق النيران بين إسرائيل وحزب الله.
من مكتبه في بلدية إبل السقي، يوضح رئيس البلدية جورج رحّال لفرانس برس أن قوات حفظ السلام أسهمت، على مدى سنوات من الصراع وحالة عدم اليقين، في ترسيخ الاستقرار وتعزيز شعور الأهالي بالأمان والطمأنينة.
ويقول بينما وضع على مكتبه صورا من أنشطة للقوة، “شخصيا، واكبت اليونيفيل منذ العام 1978، لقد تركت تأثيرا جيدا في قلوب الناس كلها، أولا في الشق الأمني، ثم الاقتصادي، فالطبابة ودعم المدارس، فتحوا أبوابهم دائما” للسكان.
ويضيف الرجل الذي عمل تاجرا لسنوات طويلة مع القوة الأممية ويحمل الجنسية النروجية ويتحدث لغتها، “بالتأكيد كان سيحين وقت مغادرتهم، لكن ليس في مثل هذا الظرف الصعب جدا”.
يطالب لبنان بتمديد تفويض القوة الدولية التي تضمّ نحو 7500 عنصر من قرابة خمسين دولة. وأبدى مسؤولون خشيتهم من حصول فراغ أمني بعد انسحابها، في وقت يحول التصعيد بين إسرائيل وحزب الله دون استكمال الجيش اللبناني، الذي يعاني من نقص في العديد والعتاد، انتشاره في جنوب البلاد.
وبحسب ما أفادت المتحدثة باسم القوة الدولية كانديس أرديل فرانس برس، يعمل “نحو 400 موظّف” لبناني مع اليونيفيل، التي تتعامل كذلك مع شركات محلية عديدة تقدم خدمات وفق عقود.
في إبل السقي، يعمل العديد من السكان كموظفين أو متعاقدين مع القوة الدولية، وفق رئيس البلدية الذي يقول “سيتأثر المجتمع بأكمله” اقتصاديا، بشكل مباشر أو غير مباشر.
ويقول “بإمكاننا أن نعيش بعد مغادرة القوات الدولية”، متسائلا “لكن كيف ومن سيكون مسؤولا عنا؟” في منطقة حرمتها النزاعات طيلة عقود من حضور فاعل لمؤسسات الدولة.
– “بقينا في قريتنا” –
رغم إعلان وقف لإطلاق النار في منذ حزيران/يونيو، تواصل إسرائيل شنّ غارات وتنفّذ عمليات نسف وتفجير في جنوب لبنان، حيث تبقي يونيفيل على مواقعها في مناطق واسعة تحتلها الدولة العبرية وتمنع سكانها من العودة إليها.
ويقول أندريا تيننتي الذي شغل منصب المتحدث باسم اليونيفيل لنحو عقدين، لفرانس برس، إنّ القوة الدولية “شكّلت لوقت طويل ثاني أكبر جهة توظيف ومساهم في النشاط الاقتصادي في جنوب لبنان بعد الدولة اللبنانية”.
ويوضح “يتجاوز أثرها الاقتصادي بكثير العاملين لديها”، إذ تسهم الأنشطة المرتبطة بها في “دعم شبكة أوسع بكثير من المؤسسات التجارية ومصادر الرزق”. من هنا، يُنذر انسحابها بخلق “فراغ كبير في وقت حرج للغاية”.
داخل مشغل في إبل السقي، ينهمك عمّال بتشغيل آلات لتطريز منتجات وفق الطلب، بينها رايات وشارات تعريف عسكرية. وتزدحم الرفوف بتذكارات وهدايا مخصّصة لعناصر يونيفيل، الذين يشكّلون الزبائن الرئيسيين.
ويقول أحد مالكي المشغل خالد نهرا (48 عاما) لفرانس برس، إنه لا مفرّ من إغلاق المؤسسة المفتوحة منذ نحو 25 عاما ويعمل فيها أكثر من عشرة موظفين بعد مغادرة يونيفيل.
ويشرح “بقينا مقيمين في قريتنا… وكان هذا أفضل ما في العمل مع يونيفيل”.
ويضيف “لدينا موظفون يعملون منذ 15 و20 عاما… هم أيضا مثلي. لا يعرفون ماذا سيفعلون”.
لغ/لو-لار/ناش