Navigation

"الصدريون".. من المواجهة إلى العمل السياسي

مقاتلون من "جيش المهدي" مؤيدون لمقتدى الصدر يصطفون لتسليم أسلحتهم مقابل مبالغ مالية إلى مركز للشرطة يقع في مدينة الصدر (تاريخ الصورة: 12 أكتوبر 2004) Keystone

إن قرار التيار الصدري تسليم الأسلحة والإنخراط في العملية السياسية يجعل شيعة العراق جميعا جزءا منها، كما هو الحال بالنسبة للأكراد في شمال البلاد.

هذا المحتوى تم نشره يوم 18 أكتوبر 2004 - 15:48 يوليو,

ومن ثم، يبقى سُـنة العراق هم الوحيدون المنقسمون على أنفسهم بشأن حدود التمسك بالعملية السياسية والمشاركة بجدية في الانتخابات المقبلة.

لم يكن كثير من الذين تابعوا تطور الخطاب السياسي للزعيم الشيعي الشاب مقتدى الصدر، والمواجهات العسكرية الشرسة التي دخلها أنصاره مع قوات الاحتلال وقوات الأمن العراقية في النجف الأشرف في أغسطس الماضي، ثم في مدينة الصدر القريبة من بغداد، يظنون أن مقاتليه قد يقدِموا على تسليم أسلحتهم الخفيفة والمتوسطة للحكومة العراقية المؤقتة، مقابل بعض الدولارات للقطعة الواحدة.

فجل "الخطاب الصدري"، إذا جاز التعبير، كان منصبا على مبدأ مواجهة الاحتلال ورفض المهادنة أو الاعتراف بالحكومة المؤقتة أو الدخول في لعبة الانتخابات المقررة في يناير المقبل، وهي التي ستعد، حال إجرائها، في نظر المناصرين لها قمة التحول السياسي في العراق من جهة، والدليل الساطع على نجاح بناء الديمقراطية بدعم من الخارج من جهة أخرى.

ومع حدوث الاتفاق مع الحكومة المؤقتة على تسليم الأسلحة ووقف المواجهات العسكرية، ووقف الملاحقات القضائية بحق المسلحين، والإفراج عن المعتقلين التابعين للتيار الصدري، نكون أمام خطوة رئيسية في التحول نحو العمل السياسي، ولكن دون التهوين من المشكلات والعقبات المنتظرة، سواء على صعيد تبرير هذا التحول أو إقناع المناصرين بعناصر التوجهات الجديدة.

والأمر الذي لا يجب إغفاله هنا، أن هذا التحول في موقف الزعيم الشاب مقتدى الصدر يُـمثل إضافة إلى كل من الحكومة المؤقتة ورئيسها أياد علاوي من جهة، والزعيم الشيعي الأكبر آية الله علي السيستاني من جهة أخرى.

إضافة من شقين

فبالنسبة للحكومة العراقية، يبدو عنصر الإضافة بارزا في شقين متلازمين. أولهما، وقف القتال والمواجهات العسكرية مع قطاع مهم من الشيعة العراقيين الذين يتمركزون في مدن بعينها في الجنوب، وفي مناطق واسعة بالقرب من بغداد، وهو تطور له انعكاساته الأمنية الإيجابية على الأقل في هذه المناطق الشيعية.

كما أنه يتيح للقوات العراقية، حديثة التشكيل وقليلة العدد، أن تركّـز أعمالها القتالية في المناطق التي تشهد تصاعدا في أعمال المقاومة والعنف، وتفجير السيارات وخطف الأجانب، والتي تتركّـز عمليا في مدن سُـنية في وسط العراق كسامراء، والرمادي، والأنبار، والفلوجة.

أما الشق الثاني، فمرتبط بمصير العملية السياسية التي يُـرجى منها وضع العراق على أولى خطوات الهدوء العام، وبالطبع كلما كان عدد المشاركين في هذه العملية أكبر، كلما كان نصيبها من إدعاء تمثيل توجهات ومطالبات وتيارات الشعب العراقي أكبر، والعكس صحيح.

لذلك، فإن انخراط التيار الصدري في مجمل هذه العملية، وقبوله المشاركة في الانتخابات المقبلة هو انتصار سياسي ومعنوي للداعمين لهذه العملية، وتدليل على أن البدائل لها تفقد مؤيدين سابقين.

ويذكر هنا أن أياد علاوي ذكر في مناسبات سابقة أن تصوره للخروج من الكبوات التي يعيشها العراق مرتبط بانخراط أكبر عدد ممكن من القوى العراقية في الانتخابات المقبلة، لأن الأمر ببساطة يتعلّـق بالشرعية، وهو ما لا يمكن ادعاؤه إذا ظلّـت قطاعات مهمة من الشعب العراقي رافضة المشاركة، أو ممنوع عنها مثل هذه المشاركة.

معادلة شيعية جديدة

على صعيد التوازنات والمعادلات السياسية والمرجعية بين الشيعة العراقيين، فإن تحول التيار الصدري إلى العمل السياسي له أكثر من معنى ومغزى، تتّـضح جميعها في ضوء التصور السابق الذي ساد حول انقسام الشيعة إلى تيارين عريضين: الأول، يمثله آية الله العظمى علي السيستاني، والثاني، يمثله مقتدى الصدر.

ولقد كانت ولا زالت أبرز ملامح التيار الأول، التمسك بالأساليب السلمية في مواجهة الاحتلال الأمريكي، والرهان الكبير على أن يستحوذ الشيعة العراقيون على نصيب كبير من السلطة بعد الانتخابات المقررة في يناير المقبل، ليعوضوا بذلك سنوات الحرمان الطويلة التي عانوها بعيدا عن السلطة وصنع القرار. ومن هنا، لم يدْعُ السيستاني اتباعه الذين يمثلون الغالبية بين الشيعة العراقيين إلى حمل السلاح.

وكانت دعوته قائمة على الترتيب جيدا لانتخابات نزيهة وغير مشكوك في شرعيتها، وأن تُـشرف عليها الأمم المتحدة لضمان سلامتها. وما زالت كلمات السيستاني موجّـهة إلى تابعيه بأن يسجّـلوا أنفسهم كناخبين، وألا يتخلّـوا عن القيام بواجب اختيار عناصر تتّـسم بالكفاءة والنزاهة، وأن يحرصوا على المشاركة في العملية الانتخابية.

وفي آخر توجيهاته لوُكلائه أن ينظموا ما يُـشبه اللّـجان الشعبية لمساعدة العراقيين على استكمال أوراقهم التي تُـقر لهم بحق التسجيل والانتخاب. ويُـعد موقف السيستاني على هذا النحو حاسما في اجتياز عقبة الانتخابات، التي تبدو غير مؤكّـدة، على الأقل في المناطق التي تسود فيها فوضى أمنية كبيرة، لاسيما في وسط العراق.

تيار الرهان الفاشل

أما التيار الثاني بقيادة مقتدى الصدر، والذي وصَف نفسه بالحوزة الناطقة، فقد ركّـز على المواجهة المسلحة، واعتبر أن أي انخراط في العملية السياسية هو "خيانة للدين والمذهب والوطن"، وهو ما نظر إليه باعتباره نوعا من التشكيك في وطنية وجدارة موقف آية الله علي السيستاني.

ومن هنا، كانت محاولات التيار الصدري السيطرة المباشرة على المدن المقدسة لدى الشيعة، لاسيما النجف الأشرف وكربلاء، وهو ما واجه فشلا ذريعا. وكان الرهان الأكبر للصدر الصغير أن تتسع حركته وتشمل غالبية أبناء المذهب الشيعي، وأن يحدث بعدها لقاء وتنسيق مع جماعات المقاومة المحسوبة على السُـنة العراقيين في وسط البلاد، وبذلك يصبح زعيما وطنيا على المستوى العراقي ككل.

ولذلك، جاءت المواجهات التي جرت وقائعها في أغسطس الماضي بين المسلحين الصدريين والقوات العراقية المدعومة بالقوات الأمريكية بمثابة اختبار جدي لمدى قدرة الزعيم مقتدى الصدر على تعبئة أبناء المذهب وراءه أو إتمام السيطرة المنفردة على النجف الأشرف، وهو ما لم يحدث، نظرا لفارق القوة بين هؤلاء المسلحين وبين القوات العراقية والقوات الأمريكية من جانب، وكذلك لأن جزءا كبيرا من أبناء المذهب الشيعي لم ينخرطوا في هذه المواجهة، نظرا لأن مرجعية السيستاني أنكرت عليهم الانخراط في مثل هذه المواجهات اليائسة، والتي انتهت عمليا بتدخل مباشر من آية الله السيستاني بعد عودته للبلاد فى 26 أغسطس الماضي من العلاج في لندن، ودعوته إلى وقف القتال في النجف الأشرف، وأن يزحف الشيعة معه إليها على أن يؤمّـن هذا الزحف الشعبي خروج المقاتلين منها.

كانت نهاية القتال في النجف الأشرف على هذا النحو دليلا على سيادة نهج السيستاني بين شيعة العراق، وقلّـة الحيلة لدى التيار الصدري، ودليلا أكبر على أن الزعيم الروحي الفعلي بين شيعة العراق هو السيستاني وليس أحدا آخر.

وكما كانت نهاية القتال وهزيمة المقاتلين الصدريين في النجف، كانت نهايتهم أيضا في مدينة الصدر على النحو الذي اقنع قيادة التيار الصدري بأن استخدام القوة المسلحة في ظل بيئة محلية معاكسة لن تفيد، وأن الفرصة في الانخراط في العملية السياسية، ربما تجعل التيار موجودا في أي نظام سياسي جديد يتم تشكيله بعد الانتخابات المقبلة.

لكن التحول إلى تيار سياسي خالص لا يخلو من بعض مشكلات عملية، وهو ما يبدو في التردد الذي يُـبديه بعض المناصرين للزعيم مقتدى، بمن فيهم بعض وكلائه، للانخراط كليا في العملية السياسية، ومحاولة الاحتفاظ ببعض أنواع من الأسلحة، لعلّـها تُـفيد من وجهة نظرهم في المستقبل، وكذلك عدم وضوح الرؤية بالنسبة لنوع الإطار السياسي الذي سيشكله الصدريون مستقبلا، هل هو حزب سياسي جديد أم الدخول في حزب شيعي معين، أم التوزع على عدة أحزاب قائمة؟

وبالرغم من هذه المشكلات المتصورة، فإن انخراط التيار الصدري في العملية السياسية يجعل شيعة العراق جميعا جزءا منها، كما هو الحال بالنسبة للأكراد في شمال البلاد. ومن ثم، يبقى سُـنة العراق هم الوحيدون المنقسمون على أنفسهم بشأن حدود التمسك بالعملية السياسية والمشاركة بجدية في الانتخابات المقبلة.

الانقسام السُـني

هذا الانقسام السُـني له أسبابه الجوهرية. فهناك من يرى أن المقاومة المسلحة، سواء كانت عراقية محضة أم تقوم بها عناصر خارجية جاءت لنصرة العراق في محنته، هي الطريق الوحيد لإخراج الاحتلال وإعادة الاعتبار مرة أخرى لسنة العراق.

وحتى الذين يميلون إلى التعامل مع الواقع بكل فرصه وتحدياته، يسود شعور بالظلم بينهم، ويرون أن القانون العراقي المؤقت الذي ستجرى الانتخابات وفقا له، مصمم بحيث يجعل السنة أقلية في الحكم لا تأثير لهم.

في الوقت نفسه، لا يوجد حزب سياسي أو جماعة أو قيادة محسوبة على سنة العراق يمكنها أن تؤثر في مواقف الغالبية العظمى منهم. وبالرغم من الدور الذي تقوم به هيئة علماء المسلمين في العراق من محاولة التحدث بصوت موحّـد لسنة العراق، فالظاهر أنها تميل إلى أساليب المواجهة، وتوفر حسبما يبدو غطاء معنويا ودينيا للجماعات التي تستخدم العنف في المثلث السُـني، كما أنها لا تمثل صوتا واحدا أو مؤثرا كما هو الحال بين الشيعة العراقيين.

كما أن نظرتها للحكومة العراقية المؤقتة تمتلئ بالشك العميق، وتأتى العمليات العسكرية الكثيفة ضد مدن سُـنية كالأنبار وسامراء والفلوجة وغيرها، وما يترتّـب عليها من مآسي إنسانية جمّـة، لتضيف أسبابا أخرى للتباعد بين هيئة علماء السُـنة وبين حكومة أياد علاوي، التي يُـنظر إليها كامتداد للاحتلال الأمريكي.

والمتصور أن التطورات التي تحدث بين شيعة العراق، وتحولهم جميعا للانخراط في العملية السياسية الجارية، سيكون لها تأثير سلبي على موقف السنة العراقيين، وعلى قلة حصتهم من السلطة مستقبلا، وهو وضع ينذر بالخطر للعراق ككل.

د. حسن أبوطالب - القاهرة

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.