"سيرن": 50 عاما من البحث والإبتكار

قدم مركز "سيرن" الكثير لفائدة الفيزياء والعلوم الطبيعية بصفة عامة، إلى جانب عدة تطبيقات دخلت الحياة العملية العادية لسكان المعمورة

(Keystone)

بدأ المركز الأوروبي للأبحاث النووية احتفالاته بمناسبة مرور 50 عاما على تأسيسه، والتي تتواصل إلى شهر أكتوبر المقبل.

وقد أصدرت هيئة البريد السويسري طابعا تذكاريا احتفالا بهذه المناسبة، خصوصا وأن هذا المركز العلمي ذو الشهرة الدولية يقع في مدينة جنيف.

تعود فكرة إنشاء المركز الاوروبي للأبحاث النووية "سيرن" إلى عام 1954، عندما رأي الأوروبيون أن أبحاث الطاقة النووية بحاجة إلى مركز ضخم يتناسب مع أهميتها. وتتجمع تحت سقفه خيرة العقول العاملة في هذا المجال. وتزامن تأسيس هذا الصرح العلمي الكبير مع خروج أوروبا من حربين عالميتين طاحنتين وبداية التعاون الأوربي على الصعيد الاقتصادي.

وكانت سويسرا من أول الدول التي وقعت اتفاقية تأسيس هذا المركز العلمي مع إحدى عشرة دولة أوروبية أخرى. ويقول روبرت أيمار، مدير المركز الأوربي للأبحاث النووية في حديثه مع سويس انفو، إن الدول الأعضاء أعطت الإشارة إلى المركز بأن يقوم بعمله مستخدما أعلى درجات الكفاءة في مجال فيزياء الجزيئات. وكان هذا علامة واضحة على أن الدول الأوروبية جادة في طريقها لنبذ الخلافات بينها وعازمة على مستقبل قوي للقارة.

وينتسب أغلب العاملين في "سيرن" إلى 20 دولة أوروبية بما في ذلك أيضا شرقي القارة، ومن بينها دول ستدخل الاتحاد الأوربي هذا العام، أو مرشحة للالتحاق به، وهو ما يعادل نصف المشتغلين بفيزياء الجزيئات في جميع أنحاء العالم.

وفي هذا الصدد يقول البروفيسور أيمار مدير سيرن في حديثه إلى سويس أنفو، بأنه ليس من قبيل المصادفة أن يكون هذا العدد الكبير من رعايا الدول الأوروبية من العاملين في المركز، فهذا يوضح بأن التعاون العلمي يمكن أن يشكل طريقا واحدا تتقارب فيه الأفكار، ومما ينعكس أيضا على التقارب السياسي.

آثاره في الفيزياء ... ومجالات أخرى

وقد بنى سيرن شهرته ليس فقط من خلال ضمه لنخبة من علماء الفيزياء من أوروبا ومختلف بقاع الأرض، بل أيضا بفضل إنجازاته التي استفاد العالم بأسره منها.

فمن المركز الأوربي للأبحاث "سيرن"، خرجت الشبكة العنكبوتية المعروفة الآن بالانترنت إلى الحياة، وهناك عرفت لغة HTML المستخدمة في تصميم وكتابة مواقع الإنترنت طريقها إلى النور.

كما انتقلت أبحاث العاملين في "سيرن" في مجال تطوير سرعة أجهزة الحاسبات الآلية (الكمبيوتر) إلى المواطن العادي. ولم يحتكر علماء سيرن معظم ما توصلوا إليه لحساباتهم فقط، بل نشرونه لتعم الفائدة على العالم أجمع.

وفي خضم احتفالات "سيرن" بمرور نصف قرن على تأسيسه، تتجه الأنظار إلى المعجل النووي العملاق Large Hardon Colloder LHC، الذي يشكل انطلاقة جديدة في فصل الجزيئات عن بعضها البعض، حيث سيكون أكبر وأسرع معجل في العالم بأسره وفي تاريخ علم الفيزياء بصفة عامة. ويعول العلماء على بدء تشغيله في عام 2007، ليشهد العالم تدشين أكثر الأجهزة العلمية تعقيدا على الإطلاق.

مشاريع طموحة

ومن أبرز الأسئلة التي ينتظر العلماء الخروج بإجابة عنها بعد تشغيل هذا المعجل النووي العملاق، هو الكشف عن طبيعة ومصدر أوزان الجزيئات، وهو اللغز الذي لا يزال محيرا حتى الآن ولم يجد له الباحثون إجابة شافية.

وفي أجندة علماء "سيرن" الكثير من الأبحاث التي من شأنها أن تلقي الضوء على جوانب غامضة في الكون وأسرار الحياة، مثل طاقة الكواكب والمجرات، أو الشكل الطبيعي للمادة التي نراها، أو كيف كانت الجزيئات والذرات قبل مليارات السنين.

كما ينكب علماء "سيرن" حاليا على تصميم أسرع حاسب آلي في العالم، والتوصل إلى جيل جديد من الحاسبات تحمل اسم غريد.

احتفالات متنوعة

ولا تقتصر احتفالات المركز الأوربي للأبحاث النووية على الناحية العلمية فقط، بل تشمل إقامة حفلات موسيقية ومعارض فنية، وأمسيات للنقاش والحوار، مع استقبال للجمهور في يوم مخصص لهم، يحاول العاملون فيه الإجابة ببساطة عن الأسئلة الفيزيائية المعقدة التي تشغل المواطن العادي، أو تفسير لظواهر فيزيائية يعيشها المرء في حياته اليومية.

وقد أصدر البريد السويسري بهذه المناسبة طابعا تذكاريا من تصميم الرسام كريستيان شتوكر، حاول من خلاله الربط بين غموض الفيزياء وأبحاثها، وبين الناحية الجمالية والشكل الهندسي. وضمانا لأن يلف الطابع الكرة الأرضية تكريما لمركز سيرن، حدد البريد السويسري سعره بفرنك وثمانين سنتيما (1.80)، وهي قيمة طابع البريد المستخدم في معظم الرسائل الدولية.

أخيرا لا مفر من الإشارة إلى أن الإنجازات التي حققها المركز الأوروبي للأبحاث النووية "سيرن" في جنيف تجاوزت المجال العلمي البحت، ووصلت إلى العامة من الناس في أرجاء المعمورة. وإذا كان المركز قد تحول إلى ملتقى لصفوة علماء الفيزياء من جميع أنحاء العالم، فقد تحول إلى محط آمال الكثيرين الذين يربطون بين الفيزياء وبقية فروع الحياة العامة.

سويس انفو



وصلات

×