"لجنة تحقيق" بعد فوات الأوان!

الرئيس بوش مستقبلا ديفيد كاي، الرئيس السابق للجنة المفتشين الأمريكية في العراق يوم 2 فبراير 2004 في البيت الأبيض Keystone

تواجه الإدارة الأمريكية سيلا متزايدا من الانتقادات بعد أن أعلن رئيس المفتشين الأمريكيين ديفيد كاي أنه لم يعثر على أسلحة الدمار الشامل المزعومة في العراق.

هذا المحتوى تم نشره يوم 09 فبراير 2004 - 14:54 يوليو,

وعلى الرغم من إعلان الرئيس بوش عن تشكيل لجنة تحقيق مستقلة حول معلومات المخابرات التي بُـني عليها قرار الحرب، إلا أن ذلك قد لن يكون كافيا لاستعادة المصداقية.

ما أشبه الليلة بالبارحة. فقبل عام واحد، وبالتحديد في الخامس من فبراير 2003، وقف وزير الخارجية الأمريكي أمام المجتمع الدولي ممثلا في مجلس الأمن وبمصاحبة مدير المخابرات المركزية الأمريكية جورج تينيت ليستعرض أدلة دامغة وصورا التقطتها أقمار التجسس الأمريكية تُـظهر هول الخطر العراقي المحدق بالأمن الأمريكي من جراء احتمال تزويد الجماعات الإرهابية بكل ما لذ وطاب من أسلحة الدمار الشامل العراقية، واستنادا إلى معلومات استخباراتية تُـفيد بوجود علاقة بين تنظيم القاعدة والنظام العراقي.

وكان الغزو الذي أشاع الدمار والفوضى وعدم الاستقرار في العراق يستند إلى قرار من الكونغرس يُـخول الرئيس سلطة اللجوء إلى القوة ضد ما روجت له إدارة الرئيس بوش من أن العراق في حالة خرق مادي لقرار مجلس الأمن رقم 1441 لمواصلته محاولة حيازة وإنتاج أسلحة الدمار الشامل، استنادا إلى ما وصف آنذاك بمعلومات موثوق بها من أجهزة المخابرات.

وبعد شهور من التفتيش بجيش من المفتشين الأمريكيين بقيادة ديفيد كاي، لم يتم العثور على أي من تلك الأسلحة المزعومة، ولم يظهر دليل واحد على أن تنظيم القاعدة كانت له علاقة بالنظام العراقي.

وخرج ديفيد كاي على العالم ليؤكد أنه لم تكن بالعراق أي أسلحة دمار شامل، وأن أخطاء عديدة شابت معلومات المخابرات الأمريكية فيما يتعلق بأسلحة الدمار الشامل العراقية، وهي معلومات تم استخدامها في تبرير شن الحرب.

مكابرة و"نيات"!

وجاءت تصريحات ديفيد كاي في توقيت قاتل بالنسبة لجهود الرئيس بوش للفوز بفترة رئاسية ثانية، حيث أدت وبسرعة فائقة إلى زعزعة مصداقيته لدى الناخبين الأمريكيين، بحيث أظهرت استطلاعات الرأي أنه لو أجريت الانتخابات الرئاسية الآن، فإن المرشح الديمقراطي لانتخابات الرئاسة الأمريكية السناتور جون كيري سيهزم الرئيس بوش بفارق يصل إلى سبعة في المائة من الأصوات.

ومع ذلك، لم يكف صقور الحرب في إدارة الرئيس بوش ومن ساندهم عن المكابرة ومحاولة الالتفاف حول الفضيحة التي كشفت عورات الإدارة الأمريكية. فقد أصر دونالد رامسفيلد، وزير الدفاع الأمريكي في شهادته أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ الأمريكي على أن الرئيس بوش اتخذ القرار الصائب بغزو العراق، وأنه ربما لم يكن العراق يمتلك أسلحة محظورة لدى بداية الحرب، ولكن ذلك لا يعني أن النظام العراقي كان بريئا من تهمة حيازة أسلحة كيماوية وبيولوجية، حيث يعتقد رامسفيلد أنه ربما تم إخفاؤها أو نقلها إلى دول أخرى كليا أو جزئيا أو تم تدميرها.

وواصل نائب الرئيس ديك تشيني إصراره على أنه كانت للنظام العراقي المخلوع علاقات بتنظيم القاعدة الإرهابي، رغم عدم وجود دليل على ذلك، فيما دافع وزير الخارجية كولن باول عن قرار الغزو على أساس "أن الأعمال بالنيات"، فقد قال إن النظام العراقي السابق كان لديه فنيون قادرون على تطوير أسلحة ومختبرات لإنتاج أسلحة الدمار الشامل، وكان لدى النظام النية والقدرة على تطوير تلك الأسلحة!

البحث عن كبش الفداء

وأمام الضغوط المتواصلة من أعضاء الكونغرس، تراجع الرئيس بوش عن رفضه السابق تشكيل لجنة للتحقيق في معلومات المخابرات التي تم استخدامها في تبرير شن الحرب على العراق، وتعهد بتشكيل لجنة مستقلة من تسعة أعضاء من الديمقراطيين والجمهوريين على أن تقدم تقريرها النهائي العام القادم لكي لا تتحول قضية أسلحة الدمار الشامل العراقية المزعومة إلى قضية رئيسية في معركة انتخابات الرئاسة الأمريكية.

وفيما أكّـد المتحدث باسم البيت الأبيض سكوت ماكليلان أن اللجنة ستتشكل من أشخاص يتّـسمون بالنزاهة والاستقلالية لأداء تلك المهمة، أثار الديمقراطيون شكوكا عميقة في إمكانية تمتّـع لجنة التحقيق التي سيختار أعضاءها الرئيس بوش بالمصداقية والاستقلالية المطلوبة.

وقال السناتور توم داشل، زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ الأمريكي إن الطريقة التي اقترحها الرئيس بوش لاختيار اللجنة، تتناقض مع ما جرت عليه الممارسات السابقة، مثل تشكيل اللجنة التي تحقق في معلومات المخابرات قبل هجمات سبتمبر الإرهابية، حيث حصلت على تفويضها من الكونغرس وليس من البيت الأبيض، وتوقّـع ألا يكون تحقيق اللجنة التي سيختارها الرئيس بوش صريحا أو نزيها.

ولذلك، أرسل الأعضاء الديمقراطيون في الكونغرس رسالة إلى الرئيس بوش قالوا فيها، إن قيام البيت الأبيض بتعيين لجنة تحقيق حول معلومات المخابرات قبل شن الحرب على العراق، سيحرم اللجنة من استقلاليتها ومصداقيتها ويجعلها تحت سيطرة البيت الأبيض الذي سيصبح آنذاك الخصم والحكم في آن واحد.

وأعرب إدوارد كينيدي، السناتور الديمقراطي عن قلقه من محاولة حكومة الرئيس بوش جعل محللي المخابرات الأمريكية كبش الفداء للتهرب من مسؤوليتها عن المبالغة والتهويل، فيما زعمت الإدارة الأمريكية أنه خطر محدق بالأمن القومي الأمريكي تشكله أسلحة الدمار الشامل العراقية.

وقال السناتور توم داشل "لقد أصبح من الواضح الآن أن إدارة الرئيس بوش نقلت معلومات غير دقيقة إلى الكونغرس تم استغلالها في الحصول على موافقة المشرعين الأمريكيين على قرار شن الحرب حماية للأمن القومي الأمريكي".

ليست إلا الخطوة الأولى..

ولكن جورج تينيت، مدير المخابرات الأمريكية الذي تجنبت لجان الكونغرس دعوته للتعليق على شهادة ديفيد كاي، رئيس فريق مفتشي الأسلحة العراقية، أبدى رأيه فيما توصّـل إليه كاي من قصور معلومات المخابرات. وقال في خطاب ألقاه في جامعة جورج تاون يوم الخميس 5 فبراير 2004، إن المخابرات الأمريكية لم تبلغ إدارة الرئيس بوش بأن العراق يشكل خطرا آنيا محدقا بالولايات المتحدة ودافع عن موضوعية المعلومات التي قدمتها المخابرات الأمريكية عن برامج أسلحة الدمار الشامل العراقية المزعومة.

وإلى أن تسقط أوراق التوت الباقية وتظهر الحقيقة، إذا لم يتم التستر عليها، بدأت تتسرب معلومات عن أن وزارة الدفاع الأمريكية عمدت إلى تشكيل وحدة سرية في أعقاب هجمات سبتمبر الإرهابية لـ "فبركة" أدلة تفضي إلى إثبات وجود علاقة بين النظام العراقي وتنظيم القاعدة، رغم الاستحالة العقائدية لمثل تلك العلاقة، وذلك لتحقيق رغبة الرئيس بوش منذ الأيام الأولى لتوليه الرئاسة في إيجاد مبرر قوي لشن حرب يطيح خلالها بالرئيس العراقي صدام حسين.

ويعتقد بعض المحللين السياسيين الأمريكيين بأن تبرير غزو العراق وشن الحرب الفعلية ليس إلا الخطوة الأولى في مشروع القرن الأمريكي الجديد الذي روج له المحافظون الجدد بهدف إقامة إمبراطورية أمريكية تفرض إرادتها بالقوة المسلحة على العالم بدءا بإعادة رسم الخريطة السياسية للشرق الأوسط.

ويدلل هؤلاء المحللون على ذلك بأن الرئيس بوش عمد في خطابه عن حالة الاتحاد في الشهر الماضي، ثم في خطابه يوم الأربعاء الماضي في مكتبة الكونغرس إلى ترديد عبارة "منطقة الشرق الأوسط الكبرى"، وقال بالحرف الواحد: "إن أعظم تحد لنا هو دعم الحرية في الشرق الأوسط، وطالما ظل الشرق الأوسط مكانا للاستبداد واليأس والغضب، سيظل يفرز أفرادا وحركات تهدد أمن الأمريكيين وأمن أصدقائنا".

محمد ماضي - واشنطن

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة