تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

 40 % من سكان سويسرا...شبه أميّين!

(swissinfo.ch)

تعاني سويسرا من ظاهرة "الأمية العضوية" وهو مصطلح جديد متداول منذ بضعة أعوام في البلدان المتقدمة التي لا تعاني من الأمية التقليدية (أي الجهل المطلق بالقراءة والكتابة) بل من ظاهرة عدم تمكن أعداد متزايدة من الأشخاص من القدرة على الكتابة والقراءة..

لا، ليست مزحة ثقيلة أو أكذوبة سمجة! نعم، أربعون في المائة من سكان سويسرا يعانون من الأمية – وإن بدرجات متفاوتة – طبقا لما جاء في تقرير أعده المركز السويسري لتنسيق الأبحاث في مجال التعليم بطلب من المكتب الفدرالي للثقافة نشرت نتائجه يوم الإثنين في العاصمة الفدرالية.

لكن لا بد أولا من تحديد المصطلحات بدقة. فالتقرير لا يتحدث عن الأمية بمعنى الجهل المطلق بالكتابة والقراءة بل عن ظاهرة "ضعف القدرات في القراءة والكتابة بعد انقضاء مرحلة التعليم الأساسي بالمقارنة مع متطلبات المجتمع المتزايدة " حسب قول الباحثة ستيفاني فانهويدونك التي اشتركت في إعداد التقرير.

ولا تشمل الظاهرة السويسريين والأجانب المقيمين في الكونفدرالية بنفس الحجم أو الكيفية. إذ تشير الأرقام إلى أن تسعة في المائة من السويسريين يواجهون صعوبات كبيرة في القراءة والكتابة فيما يتوفر 31% من المواطنين على ما يكفي من المعلومات في مجالي القراءة والكتابة للتصرف مع متطلبات الحياة اليومية لكنهم غير قادرين على التأقلم مع متطلبات سوق الشغل الجديدة.

لكن الأخطر في الظاهرة يتعلق بما يزيد عن مليون أجنبي يقيم في سويسرا. حيث يعاني 63% منهم من الجهل التام بالقراءة والكتابة (بإحدى اللغات الوطنية الثلاث أي الألمانية أو الفرنسية أو الإيطالية) مقابل 20% منهم يوجدون في وضع أفضل بقليل. ولعل توافد عشرات الآلاف من اللاجئين من البلقان أو سريلانكا أو الصومال أو تركيا على الكونفدرالية منذ موفى الثمانينات يشرح إلى حد ما سبب ارتفاع هذه النسبة في صفوف المهاجرين.

ظاهرة في ازدياد!

فالعيش وسط المجتمع السويسري، على غرار بقية المجتمعات المتطورة، يحتاج من كل الأشخاص استيعاب المزيد من المعارف والكفاءات التي تتيح لهم الحصول على المعلومات المكتوبة واستعمالها لقضاء أبسط شؤون حياته اليومية. ومع الانتشار السريع للأجهزة الأوتوماتيكية التي تقدم شتى الخدمات مثل سحب مبالغ مالية أو دفع معلوم توقيف السيارة أو الحصول على تذكرة السفر في الحافلة أو القطار، أصبح كل فرد محتاجا لـ "معرفة القراءة بسرعة وبشكل جيد" مثلما تذكر بريجيت بيتو منسقة جمعية القراءة والكتابة في سويسرا الروماندية.

وتأتي هذه الدراسة التي تبدو نتائجها مثيرة للإستغراب تتويجا لمرحلة التسعينات التي شهدت تنامي الوعي بالظاهرة من خلال نتائج عديد الدراسات لعل أهمها الأبحاث الدورية التي خصصتها منظمة التعاون الإقتصادي والتنمية (OCDE) للمقارنة بين أوضاع الدول الأكثر تصنيعا في العالم في مجالات التعليم والتكوين والتي توصلت في أكثر من مرة إلى وجود "تباينات بين المتطلبات الإجتماعية المتعلقة بالقراءة وبين القدرات الفعلية للسكان".

في نفس السياق لفتت الانتباه عريضة وجهت في عام تسعة وتسعين إلى الحكومة الفدرالية مذيلة بخمسة وعشرين ألف توقيع عبرت فيها منظمة "القراءة والكتابة" التي تخصصت منذ عام ثمانية وثمانين في مكافحة أمية الكهول عن مخاوفها من تطور الظاهرة وخاصة منذ التوسع الهائل في استعمال الحواسيب والمعلوماتية في مختلف أوجه الحياة اليومية.

وتقول السيدة برتو في تصريحات لسويس إنفو : "إن التفاوت القائم بين المتطلبات المتنامية للمجتمع والأشخاص المعنيين بهذه الظاهرة يزداد خطورة. يضاف إلى ذلك أن هذا الواقع "يسبب الكثير من المعاناة لأنه لا يسمح لعدد لا بأس به من السكان المشاركة في جملة من الأنشطة البسيطة مثل مساعدة أطفالهم في مراجعة الدروس أو تعمير بعض الأوراق الرسمية أو استعمال غرفة اتصال هاتفي معلوماتية" على حد قولها.


من جهة أخرى تأتي نتائج هذه الأبحاث لتؤكد ما توصلت إليه دراسة "بيزا" (PISA) الشهيرة التي نشرتها منظمة التعاون والتنمية الإقتصادية في شهر ديسمبر الماضي حول النظام التربوي في البلدان الأعضاء في المنظمة، والتي كشفت أن عشرين في المائة من الطلبة الذين أتموا سنوات الدراسة الإجبارية في سويسرا لا يتمكنون من فهم معاني نص بسيط!

وفيما يؤكد تواتر هذه المعلومات أن الوضع في سويسرا لا يختلف كثيرا عمّا تشهده كل البلدان المصنعة، تثير هذه الأرقام مشكلة حقيقية للمسؤولين عن مناهج التعليم في الكونفدرالية. فاتساع الظاهرة يعني أن "نسبة لا بأس بها من الأشخاص الذين أتموا سنوات الدراسة الإجبارية التسع لا يتوفرون على الخبرات الضرورية للتعامل مع المعطيات المكتوبة" وهو ما يمثل تحديا جديدا بل غير مألوف لمجتمعات متقدمة لم يعد بالإمكان التمتع فيها بحقوق المواطنة كاملة أو العيش فيها بشكل "طبيعي" دون معرفة جيدة بالقراءة والكتابة.

 البحث عن التمويل!

وعلى الرغم من تعدد الدراسات التي أجريت في سويسرا حول الظاهرة إلا أن الإحاطة بأسبابها العميقة -التي ترتبط حسبما يبدو بعوامل شخصية أو عائلية أو اجتماعية متشابكة- لا زالت متعذرة وهو ما يعقد جهود مكافحتها.

لكن الحلول التي يقترحها الخبراء لا زالت مشتتة مثل المطالبة بالقيام بالمزيد من الدراسات أو تحسين الإجراءات الوقائية الموجهة للكهول أو في المدارس بالإضافة إلى التوجه إلى الجمهور مباشرة وتوسيع الإعلام حول الظاهرة التي لا زالت مخفية لأنها مثيرة للخجل بل يكاد الحديث عنها يصل إلى درجة المحرمات في بعض الأوساط.

من جهة أخرى، تنعكس هذه الأمية الجديدة سلبا على التوازن النفسي والإجتماعي للأشخاص الذين يعانون منه. فمع ارتفاع مستوى وحجم الكفاءات المطلوبة في سوق الشغل الذي يضيق يوما بعد يوم، تتقلص فرص حصول أفراد هذه الشريحة على مواطن عمل وتتعسّر بالتالي إمكانية عثورهم على موطئ قدم لائق في سوق العمل وفي المجتمع عموما.

لذا يبدو أن الجهات المسؤولة المعنية بهذا الملف تتجه الآن إلى تجاوز مرحلة الإجتهادات المتفرقة والمحاولات المحدودة لمكافحة الظاهرة. ويقول كريستوف رايشونو، نائب مدير المكتب الفدرالي للثقافة "إن نتائج هذه الدراسة تمثل أداة عمل لتحقيق الهدف المتمثل في نسج علاقات بين المجالات الإقتصادية والمعنية بإدماج الأجانب والمشرفة على التكوين المدرسي والتأهيل المستمر" وهو ما يعني بالضرورة إقناع جميع الأطراف بتوفير تمويلات إضافية..

في انتظار ذلك، دعت السيدة روت درايفوس، (التي قالت إنها منشغلة جدا كوزيرة الشؤون الداخلية وكمواطنة) السلطات محلية والكونفدرالية والأوساط الإقتصادية والمنظمات غير الحكومية إلى بلورة استراتيجية شاملة لمواجهة الموقف قد تبدأ بحملة تحسيسية واسعة عبر مختلف وسائل الإعلام تطلق مباشرة بعد اتخاذ إجراءات عملية ملموسة لمساعدة عشرات الالاف من سكان سويسرا على تجنب التحول إلى مجرد مهمشين في مجتمع المعلومات!

سويس إنفو


وصلات

Neuer Inhalt

Horizontal Line


subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

swissinfo en arabic en Facebook

دعوة للإشتراك في صفحتنا بالعربية على فايسبوك

تفضّلوا بالإنضمام إلى صفحتنا العربية على فايسبوك

×