حركة الاحتجاج في إيران تتراجع بعد حملة قمع عنيف
تراجع زخم حركة الاحتجاجات في إيران بعد حملة من القمع الشديد أسفرت عن مقتل الآلاف، وترافقت مع حجب متواصل لشبكة الإنترنت من جانب السلطات التي تواجه أحد أكبر التحدّيات منذ نشأة الجمهورية الإسلامية.
في موازاة ذلك، يبدو أن احتمالات تدخّل الولايات المتحدة عسكريّا قد تراجعت بدورها في الوقت الحالي، مع تأكيد مسؤول سعودي أن حلفاء واشنطن في الخليج طلبوا من الرئيس دونالد ترامب منح الحُكم الإيراني “فرصة”.
واعتبر رضا بهلوي، نجل الشاه محمد رضا الذي أطاحته الثورة في إيران، أن الجمهورية الإسلامية “ستسقط”، وذلك في مؤتمر صحافي عقده الجمعة في الولايات المتحدة حيث يقيم.
وقال رضا بهلوي “ستسقط الجمهورية الإسلامية”، معتبرا أن السؤال المطروح هو “متى، وليس إذا”. وأكد أنه “سيعود” الى البلاد التي غادرها قبل زهاء خمسة عقود.
بدأت التظاهرات في 28 كانون الأول/ديسمبر بإضراب لتجار بازار طهران على خلفية تدهور الأوضاع المعيشية، لكنها تحوّلت إلى حركة احتجاج واسعة النطاق رُفعت فيها شعارات سياسيّة من بينها إسقاط الحُكم الممسك بمقاليد البلاد منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979.
وبعد تحركات في مدن صغيرة ومتوسطة الحجم، بدأ المتظاهرون النزول بأعداد كبيرة الى شوارع المدن الكبرى اعتبارا من الثامن من كانون الثاني/يناير. وإزاء ذلك، سارعت السلطات إلى حجب شبكة الإنترنت ليل اليوم ذاته، في ما فسّره ناشطون ومعارضون بأنه لإخفاء ضراوة حملة القمع.
– عودة التظاهرات “أمر ممكن” –
ورجّح معهد دراسات الحرب في واشنطن أن تكون حملة القمع تمكّنت بالفعل من “كبح حركة الاحتجاج في الوقت الحالي”.
لكنه أضاف “الانتشار الواسع لقوات الأمن غير قابل للاستمرار على هذا النحو، ما يجعل عودة التظاهرات أمرا ممكنا”.
وبحسب الأرقام الصادرة عن منظمة “حقوق الإنسان في إيران” التي تتّخذ من النروج مقرا، قُتل ما لا يقلّ عن 3428 متظاهرا في الاحتجاجات. لكن المنظمة نبّهت لإمكان أن يكون عدد القتلى أكبر من ذلك بكثير.
وأفادت منظمات حقوقية بأن السلطات نفذت حملات اعتقال واسعة على خلفية التظاهرات، مع تقديرات بأن عدد الموقوفين قد يصل الى 20 ألفا.
ونقلت وكالة تسنيم عن مسؤولين أمنيين الجمعة قولهم إن السلطات الإيرانية أوقفت نحو ثلاثة آلاف شخص على خلفية الاحتجاجات.
وأشارت الوكالة الى أن من بين هؤلاء “أفرادا مسلحين ومثيري شغب”، إضافة الى “منتمين الى منظمات إرهابية”.
وسبق لمسؤولين إيرانيين أن أكدوا تفهّمهم للمطالب الاقتصادية للمحتجين، لكنهم توعدوا بعدم التساهل مع “مثيري الشغب” و”المخربين”. كما اتهموا أطرافا خارجية بدعم المحتجين.
وقال مدير منظمة “حقوق الانسان في إيران” محمود أميري مقدم إن السلطات، وعلى رأسها المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، “ارتكبت واحدة من أخطر الجرائم في عصرنا”.
وتحدّث عن “شهادات مروّعة” تلقتها منظمته عن “إطلاق نار على المتظاهرين وهم يهربون”، وعن “إعدام متظاهرين جرحى” في الشوارع.
وفي السياق نفسه، قالت مديرة برنامج منظمة “هيومن رايتس وواتش” في إيران لمى فقيه إن أعمال القتل منذ الأسبوع الماضي “لم يسبق لها مثيل في إيران”.
وقالت منظمة “نيتبلوكس” التي تراقب الاتصال الرقمي، إن “الحجب التام للإنترنت” مضت عليه 180 ساعة متواصلة.
وشهدت الجمهورية الإسلامية تحركات احتجاجية مختلفة على مدى الأعوام الماضية، كان من أبرزها في 2009 بعد الانتخابات الرئاسية، وفي أواخر العام 2022 بعد وفاة الشابة مهسا أميني أثناء توقيفها من قبل شرطة الأخلاق.
الجمعة، قال وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو، في تصريح لوكالة فرانس برس وإذاعة راديو فرانس إن فرنسية-إيرانية أُصيبت في إيران، بدون الخوض في مزيد من التفاصيل.
وأفادت قناة المعارضة “إيران إنترناشونال” التي تبث من الخارج، بمقتل 12 ألف شخص على الأقل، نقلا عن مصادر حكومية وأمنية رفيعة المستوى.
– بوتين ينشط “لخفض التوتر” –
أجرى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الجمعة مكالمة هاتفيّة مع كلّ من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، على ما أعلن الكرملين، عارضا التوسط من أجل خفض التوتر بين الطرفين.
وقال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف للصحافيّين إنّ “الوضع متوتّر جدّا في المنطقة والرئيس يواصل جهوده للتشجيع على خفض التوتر”.
وشكر بزشكيان بوتين “على الموقف الروسي” في مجلس الأمن الدولي أثناء جلسة عقدت الخميس اتّهم فيها سفير روسيا فاسيلي نيبينزيا الولايات المتحدة بـ”إثارة التوترات وتأجيج الهستيريا” في إيران، وفق بيان للرئاسة الإيرانية.
– “إعطاء إيران فرصة” –
وكان ترامب توعّد طهران بعمل عسكريّ على خلفيّة قمع الاحتجاجات، ثم هدّأ لهجته الأربعاء قائلا إنه سيراقب ما إن كانت السلطات ستُعدم متظاهرين.
وقال مسؤول سعودي رفيع لوكالة فرانس برس الخميس إن السعودية وقطر وعمان بذلت جهودا مكثفة في اللحظات الأخيرة لإقناع ترامب بـ”منح إيران فرصة لإظهار حسن النيّة”، وحذّرته من أن مهاجمتها ستؤدي إلى “ردات فعل خطيرة”.
وشدد البيت الأبيض شدد الخميس على أن “كل الخيارات ما زالت مطروحة أمام الرئيس”.
وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت للصحافيين الخميس “علم الرئيس اليوم أنّ 800 عملية إعدام كان من المقرّر تنفيذها أمس (الأربعاء)، قد عُلّقت”، مشيرة في الوقت ذاته إلى أنّ ترامب حذر طهران من “عواقب وخيمة” إن استمر قتل المحتجين.
ولم يصدر إعلان يتضمّن هذا العدد الكبير ممن قيل إنه كان مقررا إعدامهم في يوم واحد، لا من السلطات الإيرانيّة ولا من نشطاء حقوق الإنسان.
وكانت الأنظار اتّجهت خصوصا إلى مصير متظاهر هو عرفان سلطاني البالغ 26 عاما، والذي قال ناشطون حقوقيون إن إعدامه كان مقررا صباح الأربعاء.
وأكدت السلطات القضائية الإيرانيّة أنه موقوف، لكن التهم الموجهة إليه عقوبتها السجن ولا تشمل الإعدام.
وردا على سؤال حول تقرير نشرته “نيويورك تايمز” بشأن ما إذا كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو قد حذر ترامب من شن ضربات، قالت ليفيت “صحيح أن الرئيس تحدث معه، لكنني لن أقدم تفاصيل عن محادثتهما بدون موافقة من الرئيس”.
ورغم حجب الإنترنت، تحقّقت وكالة فرانس برس من صحة أشرطة فيديو إضافية نشرت على مواقع التواصل الاجتماعي وصوّرت في إيران. ويظهر أحدها صور جثث مكدّسة في مشرحة جنوب طهران.
والجمعة، دعت عدة دول مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إلى عقد جلسة عاجلة لمناقشة “العنف المثير للقلق” في إيران.
سجو/خلص-ود/ب ق