هل تنجح آلية أممية جديدة في مواجهة “الفصل العنصري” ضد النساء في أفغانستان؟
قرر مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إنشاء لجنة مستقلة للتحقيق وجمع الأدلة حول أخطر الجرائم الدولية المرتكبة في أفغانستان، بما فيها تلك التي تستهدف النساء.
وفي سبتمبر الماضي، بعد أكثر من أربع سنوات على استيلاء حركة طالبان على السلطة في أفغانستان، مضى مجلس حقوق الإنسان، ومقره مدينة جنيف السويسرية، في إنشاء “آلية” مُتخصِّصة للتحقيق في أخطر الجرائم الدولية. وتُنسب هذه الجرائم إلى النظام الحاليِّ، بالإضافة إلى أطراف أخرى منخرطة حاليًا أو في الماضي، في النزاع هناك.
وتهدف هذه الآلية إلى “جمع الأدلة المتعلقة بالجرائم الدولية والانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي التي وقعت في أفغانستان وحفظها وتحليلها، بالإضافة إلى إعداد ملفات تهدف إلى تسريع الإجراءات الجنائية العادلة والمستقلة”. وستعتمد في تنفيذ الملاحقات القضائية على محاكم مثل المحكمة الجنائية الدولية (ICC) أو على الدول التي تتبنى مبدأ الولاية القضائية العالمية، وهو المبدأ الذي يسمح للدول بمحاكمة مرتكبي أخطر الجرائم في أي مكان حول العالم.
وفي بيان صحفي صدر آنذاك، أعرب مجلس حقوق الإنسان عن أسفه بشكل خاص، لـ “نظام التمييز، والفصل العنصري، والإقصاء المستهدِف للنساء والفتيات”، الذي تمارسه حركة طالبان.
ولقيت هذه الخطوة ترحيبًا من الناشطين.ات من أفغانستان، ومحامين.ات دوليّين.ات. وتأتي في ظل دفع عالمي تقوده منظمات غير حكومية وخبراء وخبيرات في القانون، لإدراج مفهوم “الفصل العنصري على أساس النوع الاجتماعي” في القانون الدولي. ويجري هذا الجدل ضمن النقاشات الحالية بمقر الأمم المتحدة في مدينة نيويورك الأمريكية، حول صياغة اتفاقية أممية جديدة بشأن الجرائم ضدّ الإنسانيةرابط خارجي.
وقالت أزاده راز محمد، محامية أفغانية منفية تقيم حاليًا في مدينة ملبورن بأستراليا: “أعتقد أنّنا كنا في أمسّ الحاجة إلى هذا الأمر. فعلى مدى قرابة خمسة عقود من الصراع، لم يتم إجراء أي تحقيق في الجرائم الفظيعة التي ارتكبتها مختلف الأطراف. لدينا آمالٌ كبيرةٌ، أنا متفائلة على نحو حذرٍ”.
وقد شاركت المحامية الأفغانية في الحملة الرامية إلى إنشاء الهيئة الجديدة، التابعة للأمم المتحدة. وهي أيضًا مستشارة قانونية في حملة “إنهاءرابط خارجي رابط خارجيالفصلرابط خارجي رابط خارجيالعنصريرابط خارجي رابط خارجيبينرابط خارجي رابط خارجيالجنسينرابط خارجي“، بقيادة مدافعات.ين عن حقوق المرأة من أفغانستان وإيران، بالإضافة إلى فقهاء قانون وفقيهاته، وخبراء وخبيرات دوليّين.ات.
ويؤيد ريتشارد بينيترابط خارجي، المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحالة حقوق الإنسان في أفغانستان، هذه الآلية الجديدة، ويقول ستسدّ فجوة قائمة. ويرفع تقاريره وفق معايير حقوق الإنسان، فيما ستُعد هيئة التحقيق الجديدة الملفات وفقًا لمعايير المحكمة الجنائية.
وأوضح بينيت لموقع “سويس إنفو” (Swissinfo.ch)، تمتُّعَ الهيئة الجديدة بسلطة شاملة، ما يعني قدرتها على استعراض القضايا المتعلقة بأي طرف ارتكب جرائم دولية في الماضي. وبالتالي، لا تركز فقط على طالبان، بل يمكنها أيضًا التحقيق في مسؤوليات الحكومة السابقة ودول أخرى، بما فيها أعضاء حلف شمال الأطلسي (الناتو) والولايات المتحدة، إذا رغبت في ذلك.
التمويل “عنصر رئيسي”
وأشادت سريتا أشرف، المحامية الجنائية الدولية المتخصّصة في الجرائم على أساس النوع الاجتماعي وعضوة في هيئة التدريس بأكاديمية جنيف للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، بالخطوة. واعتبرتها تطورًا مشجِّعًا، قائلةً: “آمل فقط أن يتم تمويل هذه الآلية بشكل كافٍ لتكون ذات أهميةٍ كبيرةٍ”. ويأتي التصويت على إنشائها في وقت تُواجه فيه الأمم المتحدة انخفاضًا حادًّا في التمويل. وتشاطرها محمد في القلق بشأن الموارد التي ستتوفر للهيئة. وقالت لـسويس إنفو: “التمويل عنصر رئيسي، ونحتاج إلى إرادة سياسية لتوفيره”.
ومن المنتظر أن تكون آلية الأمم المتحدة الجديدة لأفغانستان، على غرار الآليات الخاصة بسوريارابط خارجي وميانماررابط خارجي. وقد يستغرق إنشاؤها عدة أشهر أخرى؛ إذ يتعين التوصل إلى “بنود الاختصاص” لها، وإقرار الميزانية، وتعيين موظفيها وموظفاتها.
استمع إلى أحدث حلقة من بودكاست “من داخل جنيف” (باللغة الإنجليزية):
+ هل نحن بصدد التخلّي عن القانون الدولي؟
واقترح مجلس حقوق الإنسان إدراج ميزانية “عادية” للآلية ضمن ميزانية الأمم المتحدة، شرط إقرارها في نيويورك. ومن المتوقع حدوث ذلك خلال الأسابيع المقبلة، لكنه وقت كتابة هذا التقرير، كان لا يزال معلّقًا. وبالنظر إلى أزمة تمويل الأمم المتحدة، اقترح مجلس حقوق الإنسان إنشاءها على مدى ثلاث سنوات.
وقال بينيت، وفقًا لمقترح الميزانية الخاصة بالهيئة الجديدة، يفترض أن تضم 15 موظفًا.ةً في السنة الأولى، و15 آخرين.ات في السنة الثانية، لتصل إلى ما مجموعه 43 موظفًا.ةً بنهاية السنة الثالثة. كما ستحتاج كذلك إلى بنية تحتية. وإلى جانب ميزانية الأمم المتحدة، دعا مجلس حقوق الإنسان إلى إنشاء صندوق ائتماني لتلقّي المساهمات الطوعية، من الدول الأعضاء فيها.
“أسوأ مكان في العالم بالنسبة للنساء”
ومنذ عودتها إلى السلطة في أفغانستان، أغسطس عام 2021، فرضت حركة طالبان قيودًا تزداد قسوة على جميع النساء والفتيات الأفغانيات. ووصفت محمد الوضع بنظام الفصل العنصري على أساس النوع الاجتماعي. فقالت: “هو مصطلح ورثناه عن أسلافنا من المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان، والمحامين والمحاميات ممن اضطرّوا إلى مواجهة حركة طالبان للمرة الأولى في أواخرِ التسعينات”.
وقالت أشرف: “تُعرف أفغانستان بأسوأ مكان في العالم لتكون فيه امرأة”، ووصفتها بالمنظومة القائمة على التمييز على أساس النوع الاجتماعي، والفصل العنصري، وانتهاك الكرامة، والإقصاء، بما فيه حرمان الفتيات من التعليم بعد الصف السادس.
وفي حديثها إلى سويس إنفو، أضافت: “النساء ممنوعات من الحياة العامة، ولا يُسمح لهن بالذهاب إلى المتنزهات الوطنية، وممنوعات من المشاركة في البرامج الإذاعية والتلفزيونية، ولا يمكنهن الذهاب إلى أي مكان دون ولي ذكر. ويُجبرن بشكل أساسي على القيام بأدوار ضيقة للغاية، إنجاب الأطفال والطفلات وتربيتهم.نّ بالأساس، بالإضافة إلى أنّهن أجسامٌ مُستباحة للاستغلال الجنسي، وللعمل غير مدفوع الأجر أو متدنيه”.
وقال بينيت، في تقرير قدّمه إلى مجلس حقوق الإنسان في يونيو 2024، يرقى وضع النساء في أفغانستان تحت حكم طالبان، إلى جريمة ضد الإنسانية. وأضاف: “المعيار المستخدم هو نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وما أتحدث عنه تحديدًا هو جريمة الاضطهاد على أساس النوع الاجتماعي، الجريمة ضد الإنسانية وفق هذا النظام”. كما يؤيد الحملة الهادفة إلى الاعتراف بالفصل العنصري على أساس النوع الاجتماعي، كجريمة دولية.
ولم يتم الاعتراف بالفصل العنصري على أساس النوع الاجتماعيرابط خارجي كجريمة حتى الآن. فيعترف القانون الجنائي الدولي بالفصل العنصري على أساس العرق، كما كان الحال في جنوب أفريقيا، والاضطهاد على أساس النوع الاجتماعي كجريمة ضد الإنسانية. وبالفعل، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرتي توقيف بحق اثنين من كبار قادة حركة طالبانرابط خارجي بتهمة الاضطهاد على أساس النوع الاجتماعي.
ورحبت أشرف بهذه الخطوة، لكنها أكدت عدم تماثل الجريمتين. فقد يشارك الفصل العنصري على أساس النوع الاجتماعي، وقائع مع الاضطهاد على هذا الأساس (كما يتشارك الفصل العنصري على أساس العرق وقائع مع الاضطهاد العرقي). غير أنّ جريمة الفصل العنصري تنطوي على عناصر فريدة لا نظير لها في مواضع أخرى من القانون الجنائي الدولي.
ومن شأن الاعتراف بالفصل العنصري على أساس النوع الاجتماعي، الإقرار بنطاق جرائم الدولة القمعية المرتكَبة. وبحسب بينيت، سيضع أيضًا توقعات أكبر على عاتق الدول الأخرى، والجهات الفاعلة غير الحكومية مثل الشركات، “بعدم دعم نظام توجد فيه مزاعم بالفصل العنصري على أساس النوع الاجتماعي”.
المزيد
لا أحد يرغب في الاعتراف بطالبان لكنّ سويسرا ستعود إلى أفغانستان مجدّدًا
آلية الأمم المتحدة والفصل العنصري على أساس النوع الاجتماعي
وتحظى الحملة الرامية إلى الاعتراف بالفصل العنصري على أساس النوع الاجتماعي كجريمة دولية، بدعم عديد المنظمات غير الحكومية، وفي مقدمتها حملة “إنهاء الفصل العنصري بين الجنسينرابط خارجي“. كما تحظى بدعم بعض الدول، ومن داخل منظومة الأمم المتحدة. بيد أنّ الخبراء والخبيرات يترددون.ن في القول بإمكانية تأثير الآلية الجديدة بشكل مباشر في القانون الدولي.
وقالت أزاده راز محمد: “أعتقد أنّ لهذه الآلية القدرة على التوثيق، وعلى القول إنّ ما تفعله حركة طالبان هو شكل من أشكال الفصل العنصري على أساس النوع الاجتماعي، ومن ثم التحقيق في الأمر لبيان الأثر الذي يتركه ذلك في حياة النساء، والقول إن هذه الحالة لا مثيل لها في العالم؛ إذ يتم حظر حقوق المرأة من قبل مؤسسة حكومية، وبموجب مراسم وقوانين”.
وعمل الآلية الجديدة، وفقًا لبينيت، “لن يكون له علاقة كبيرة بالفصل العنصري على أساس النوع الاجتماعي، على الأقل حتى تقنينه”. وسوف يستغرق هذا وقتًا. وأضاف، يركز عملها على التحقيق وتحديد الجناة، وإعداد ملفات القضايا للملاحقات الجنائية المحتملة، والممكن للمحكمة الجنائية الدولية أو الدول الممارِسة للولاية القضائية العالمية، توليها.
ويبقى أن نرى ما إذا كانت هذه الآلية الجديدة ستحصل على تمويل يكفي لتكون “ذات أهمية بالغة”، كما قالت سريتا أشرف. فهل ستتحرك الدول الأعضاء؟ قال ريتشارد بينيت: “نريد فعلًا إقرار اللجنة المالية في الأمم المتحدة للميزانية، ودعمها ماليًّا من الدول الأعضاء، مؤيديها سياسيًّا”.
تحرير: فيرجيني مانجان / دي أس.
ترجمة: أحمد محمد.
مراجعة: عبد الحفيظ العبدلي
التدقيق اللغوي: لمياء الواد
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة
المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"
يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!
إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.