تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

إيقاع مدني جديد في تونس

محامون مضربون في العاصمة التونسية يوم الخميس 7 شباط فبراير

(Keystone)

تلاحقت الأحداث في الأيام الأخيرة على الساحة السياسية والإجتماعية التونسية وتراوحت بين خطوات انفراجية محدودة وبين تشدد أو تصعيد مفاجئ وبين توجه مزيد من القوى المدنية الفاعلة إلى ممارسة فعلية للديموقراطية مثلما حدث في مؤتمر اتحاد العمال الاستثنائي موفى الأسبوع في جزيرة جربة

عادت الحياة لأول مرة منذ سنوات طويلة إلى صندوق الاقتراع النقابي، بعد أن تم غلقه بالشمع الأحمر في مؤتمر سوسة (عام 1989). فقد شهد مؤتمر جربة للاتحاد العام التونسي للشغل الذي أسدل ستاره صباح الأحد، تنافسا ديمقراطيا حقيقيا بين ثلاث قوائم، لكل منها توجهه وتكتيكاته وحساباته، إلى جانب وجود نظرتين مختلفتين حول طبيعة معالجة ملفات الحركة النقابية خلال المرحلة القادمة. وهي حالة صحية لم يعرفها الاتحاد منذ أن وجد المرحوم الحبيب عاشور نفسه مضطرا لإلقاء المنديل، ومغادرة ساحة محمد علي بدون رجعة.

كانت كل المعطيات تؤكد بأن السيد عبد السلام جراد سيبقى الرجل القوي الرئيسي. فهو الماسك الفعلي بالجهاز، والوارث القديم لخبرات سنوات طويلة في تنظيم وإدارة مؤتمرات الاتحاد، والمحتفظ بمعظم الأوراق بعد التحكم في نتائج أغلبية انتخابات الاتحادات الجهوية التي نظمت خلال الأشهر الماضية. من هنا لم يشك أحد في نجاحه أو انتصار الأغلبية الواسعة من رفاقه الذين اختارهم بعناية ودافع عنهم إلى آخر لحظة.

كانت الأنظار في البداية مشدودة إلى ما يمكن أن تؤول إليه المشاورات الماراثونية التي دارت بصفة مباشرة أو غير مباشرة بين عبد السلام جراد وعلي رمضان. فهذا الأخير الذي يعتمد أساسا على رصيده الأخلاقي والنضالي، أدرك منذ أن طرحت مسألة التصحيح النقابي، أن أي تأثير فعلي ممكن على مجرى الأحداث لن يكتب له النجاح إلا من خلال موقع في داخل الجهاز النقابي وليس من خارجه. لهذا وجه رهانه نحو العودة إلى المكتب التنفيذي، وحاول طيلة المفاوضات أن يعزز حظوظه بمحاولة الحصول على أكثر من مقعد داخل قائمة الوفاق بقيادة جراد.

مشهد نقابي جديد

هذا التكتيك كاد أن يقطع جسوره مع حلفائه الطبيعيين ورفاقه من التيار النقابي المستقل، وهو ما جعله في آخر لحظة يلعب ورقته الأخيرة التي تتمثل في تشكيل قائمة مستقلة، تقف بين طرفي قائمة الأمين العام والقائمة المدعومة من اليسار النقابي، الذي نجح إلى حدٍ كبير في توحيد صفوفه وممارسة ضغوطه.

وقد نجح رهان على رمضان فعلا، ، حيث تم انتخابه مع شخصين من أنصاره وهما عبد النوري المداحي ومنصف اليعقوبي، وتحقق التحاقه بالمكتب التنفيذي عن طريق الانتخاب المباشر من القاعدة النقابية وليس بفضل تحالف أثار غبارا كثيفا خلال الفترة السابقة.

التحاق المعارضة النقابية بالمكتب التنفيذي للاتحاد عن طريق التفويض الديمقراطي خطوة على غاية من الأهمية بالنسبة للتحولات التي أخذت تشهدها سواء المنظمة الشغيلة منذ استقالة إسماعيل السحباني، أو العديد من فضاءات المجتمع المدني.

لكنها تبقى خطوة محدودة في سياق تحكمه عدة عوامل سياسية وهيكلية، وتضبطه موازين قوى معلومة الحدود والضوابط. فرواسب المراحل السابقة يصعب القفز عليها بين عشية وضحاها، كما أن مسألة العلاقة مع السلطة تبقى أساسية رغم الاختراق النوعي الذي حققته المعارضة الديمقراطية النقابية وتمسك النقابيين باستقلالية منظمتهم.

ومهما اختلفت التقييمات، فالأكيد أن المشهد النقابي الراهن أصبح مغايرا كثيرا عما كان عليه خلال ما أسماه بعضهم ب" العشرية السوداء ". ورغم أن محاولة جعل المؤتمر يطالب في لوائحه بالعفو التشريعي العام قد فشلت نظرا لحجم الضغوط التي مورست، إلا أن عبد السلام جراد والمدرك للأهمية الرمزية لهذا المطلب لدى الساحة الديمقراطية أكد في تدخله الختامي بأن الاتحاد متبن للشعار، ومتمسك بالدفاع عن الحريات الفردية والعامة.

وإذ انتقدت لوائح المؤتمر جوانب رئيسية في السياسة الاقتصادية الرسمية، غير أن ذلك لا يمنع القول بأن التحولات الاقتصادية والاجتماعية القاسية في بعض نتائجها ودلالاتها، والناتجة عن التزام الحكومة بسياسات الإصلاح الهيكلي حسب مقتضيات الاندماج في مسارات العولمة، ستبقى تشكل التحدي الرئيس للحركة النقابية التي تجد نفسها مطالبة بإدخال إصلاحات هيكلية على وسائل عملها وطرق تفكيرها وطبيعة تحالفاتها.

رب ضارة نافعة

المؤتمر الاستثنائي للعمال التونسيين انعقد بعد أيام قليلة من محاكمة السيد حمة الهمامي ورفاقه في حزب العمال الشيوعي التونسي المحظور. هذه المحاكمة التي لا يزال المراقبون والأوساط السياسية في حالة ذهول واستغراب من المنعرج الذي اتخذته، بعد أن كادت عملية الاعتراض على الأحكام التي صدرت في شأنهم غيابيا أن تنتهي بشكل طبيعي.

وبدل أن تكون السلطة في مقدمة المستفيدين، خّلف التدخل الأمني المفاجئ في اللحظة الأخيرة آثارا سلبية شديدة الضرر، مما خلق حالة واسعة من الاستياء، وولد ردود فعل على الصعيدين المحلي والدولي. ولا شك في أن إضراب المحامين، الذي حقق نسبة نجاح فاقت كل التوقعات، قد كشف في حد ذاته – حسب اعتقاد الكثيرين - عن خطورة المأزق الذي يمكن أن تؤدي إليه المعالجات الأمنية للملفات ذات الطابع السياسي.

لهذا حاول وزير العدل السيد بشير التكاري تدارك ما حصل عندما أكد بأن تنفيذ الحكم الذي صدر ضد الهمامي ومن معه قد "تم خارج قاعة الجلسة المعينة، في غياب هيئة المحكمة". غير أن تصريحات الوزير، التي تضمنت سردا للوقائع مخالفا لرواية المحامين، قد زادت من توتير الأجواء بين الوزارة و هياكل المهنة التي اتهمها السيد التكاري بأنه قد تم " توظيفها لغايات أخرى وللأهداف السياسية التي يؤمن بها السيد حمى الهمامي".

هذه التصريحات دفعت بعناصر مسؤولة في الهيئة الوطنية للمحامين تتوقع بأن العلاقة مع الحكومة قد تشهد مزيدا من الحدة والتوتر، خلال الأسابيع القادمة. أما أحد النشطاء فعلق على ما حصل من تطورات خلال الأيام الأخيرة بقوله "رب ضارة نافعة"، في إشارة منه إلى عودة أجواء التضامن داخل الأوساط الديمقراطية الاحتجاجية.

فهذه الأوساط التي شعرت بكونها فقدت المبادرة منذ أحداث 11 سبتمبر، مكنتها التطورات الأخيرة من استعادة جزء من موقعها السابق. فهي تعتقد بأن إطلاق سراح السيد محمد مواعدة – ولو بصيغة السراح الشرطي –، وحضور مختلف الفعاليات المستقلة للمجتمع المدني يوم محاكمة الهمامي ورفاقه، والحركة الاحتجاجية الجماعية التي قام بها المحامون ضد المساس بكرامة المحاماة وشرفها، وانعقاد المؤتمر الاستثنائي للاتحاد العام التونسي للشغل في ظروف انتخابية شفافية وفي جو ديمقراطي واعد بتحولات أكثر عمقا، كلها مؤشرات دالة على أن مرحلة التسعينات قد ولت بدون رجعة، وأنه بالرغم من النقائص الكثيرة التي يعاني منها المعارضون والنشطاء والنقابيون، إلا أنهم تمكنوا في أشهر قليلة من أن يفرضوا إيقاعا جديدا في البلاد.

صلاح الدين الجورشي - تونس


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×