تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

التصدي للهجرة أولوية قصوى!

الباحثون عن الأمل في رغد الحياة والعيش الأفضل ينتهون في غالب الحالات حثثا يرميها البحر

(Keystone)

عاد موضوع الهجرة السرية والمشروعة بين ضفتي المتوسط ليحتلّ صدارة اهتمامات دول الشراكة الأوروبية شمال وجنوب الحوض المتوسطي.

ويبدو أن هذا الموضوع سيتصدر أيضا جدول أعمال قمة تونس بين دول المجموعة المعروفة بـ 5 + 5 في ديسمبر.

التقدم حول التعاطي مع ظاهرة الهجرة الذي عرفه المؤتمر الوزاري لدول غرب البحر المتوسط، أو ما يُـعرف بمنتدى أو مجموعة 5 + 5، لم يكن كافيا لظهور بارقة أمل للوصول إلى مقاربة مُـوحّـدة شمولية بين دول شمال المتوسط وجنوبه لاستيعاب هذه الظاهرة التي تحمل أبعادا سياسية، وأمنية، واجتماعية، واقتصادية.

انعقد المؤتمر يومي 23 و24 أكتوبر في الرباط على مستوى وزراء الداخلية أو من يمثلهم في دول الشمال المتوسطي (فرنسا ومالطا وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال)، ودول الجنوب المتوسطي (ليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا) في إطار الاستعدادات لأول قمة للمجموعة في تونس في ديسمبر القادم.

وكـوّنت الهجرة السرية أو الشرعية طوال العقد والنصف الماضي ملفا ضخما تتبادل فيه الأطراف إلقاء المسؤوليات على مُسبِّـباته. وبالتالي، مسؤوليات معالجته في وقت تستفحل فيه الظاهرة وتزداد أعداد الذين يرمون بأنفسهم بين أمواج كيلومترات من البحر الفاصل بين قارتين وحضارتين.

فمنذ أن أصبحت الحدود بين الدول الأوروبية في إطار اتفاقية شينغن مفتوحة، ضاقت البوابة الأوروبية وأغلقت أمام الآلاف من مواطني دول الجنوب المتوسطي الذي توسّـع حُـلمهم للوصول إلى جنة لا يفصلهم عنها سوى ساعة من ركوب البحر، هادئا في الصيف أو هائجا في الشتاء، في زوارق كانت في الأول بدائية، ثم تطورت إلى زوارق حديثة، وانتقلت من محاولات فردية إلى شبكات منظمة ترتزق من بيع الشباب هذا الحلم.

كانت كاميرات التلفزة تنقل صورا مؤلمة عن جثث قذفها البحر المتوسط لشباب ثم شابات في عمر الزهور، حلموا فركبوا البحر، لكنهم لم يصلوا إلى "شاطئ الجنة".

اختلاف الأولويات بين ضفتي المتوسط

لم يكن الغرقى وصورهم المؤلمة ما يشغل دول الشمال، بل الأضعاف المضاعفة من رفاقهم الذين نجحوا وباتوا يتجولون في أوروبا من شمالها إلى جنوبها، يبحثون عن عمل مؤقت أو دائم، محرومون من أي حق من حقوق العمل أومن ضمانات المستقبل، اجتماعيا أو صحيا بانتظار مبادرة من هذه الدولة أو تلك لفتح الأبواب أمامهم لتسوية أوضاعهم وانتقالهم إلى الشرعية.

كانت دول الشمال المتوسطي، خاصة إسبانيا، بوابة الجنة الأوروبية تضع الهجرة السرية في جدول مباحثاتها مع دول الجنوب المتوسطي، وتصعد في كثير من الأحيان إلحاحها لمعالجة الظاهرة لدرجة خلق توتر، إذا ما ترافقت مع ملف سياسي أو أمنى أو اقتصادي.

قبل هجمات 11 سبتمبر في الولايات المتحدة، كان التعاطي مع ظاهرة الهجرة السرية يتم من زاوية اقتصادية واجتماعية تأخذ في الاعتبار الآثار التي تنتجها من وجهة نظر جنائية، وبعد الهجمات، احتل البعد الأمني المساحة الأوسع من الاهتمام. فالمهاجرون قادمون من جغرافيات "حاقدة ومولدة للإرهاب".

وترى دول الشمال أن إجراءات أمنية متشددة في الدول المصدرة للهجرة، من شأنها أن تحد وتقلص هذه الظاهرة، ولذا، فإنها تُـبدي استعدادها للمساهمة في هذه الإجراءات إلى جانب الإسهام في تنمية اجتماعية واقتصادية. فيما ترى دول الجنوب أن الاقتصار على التعاطي الأمني مع الظاهرة أمر مُجحف وغير مقبول، وأن المسألة تحتاج إلى مقاربة شمولية ومندمجة تضع العنصر البشري في صلب الاهتمام، وتعتمد على روح شراكة متوازنة ومفيدة للجميع.

وللتقريب بين وجهتي النظر، احتضنت تونس في أكتوبر الماضي اجتماعا لنفس المجموعة لم يستطع الخروج من دائرة الأمور النظرية والأماني الخاوية، بعد التأكد من أن دول الجنوب المتوسطي ليست فقط مُـصدرة للهجرة السرية، بل هي أيضا مستقبل للحالمين بالجنة الأوروبية من دول إفريقيا جنوب الصحراء. وبالتالي، زيادة الأعباء على أجهزتها العاجزة أصلا عن محاربة الظاهرة المبسطة.

البحث عن الأمل المفقود!

عبرت السيدة نزهة الشقروني، الوزيرة المغربية المكلفة بالجالية المغربية في الخارج، ورئيسة مؤتمر الرباط، عن رؤية دول الجنوب ومطالبها، ورأت أن الأسباب العميقة للهجرة تعود أساسا إلى تباين مستويات التنمية بين ضفتي المتوسط لصالح دول الشمال التي شكل ازدهارها إغراء للمهاجرين من دول الجنوب، ودون أن تنفي مسؤولية هذه الدول، دعت بلدان الشمال لدعم دول الجنوب في مواجهة العوامل الداخلية المنتجة للهجرة غير الشرعية عبر المساهمة في التنمية وإعادة الإدماج الاجتماعي والاقتصادي.

تقنين دول الشمال للهجرة الشرعية وتسهيلها باعتماد نظام المحاصصة والحفاظ على حقوق المهاجرين، يلعب دورا أساسيا في الحد من الهجرة السرية، وأن خطورة ظاهرة الهجرة السرية يجب ألا تنعكس سلبا على المهاجرين الشرعيين وحقوقهم.

مقاربات متباينة، لكنها اقتربت كثيرا من بعضها لأن دول الشمال الأوروبي بدأت تُـدرك أن زيادة حجم الهجرة الشرعية يقلِّـص من الهجرة السرية، وإذا كان يُـحمّـل هذه الدول أعباءً مالية، فإنه يُـقلِّـص من مخاطرها الأمنية.

وفي تونس خلال شهر ديسمبر القادم، يلتقي قادة مجموعة 5 + 5 وستكون الهجرة السرية ملفا ثقيلا تزداد أوراقه ولا تنقص، لأن مقاربات التعاطي معها لازالت مقتصرة على الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والأمنية، وتقترب من التعاطي السياسي الداخلي للدول المصدرة للهجرة.

فكرامة الإنسان وحقوقه وحريته لازالت من العوامل الأساسية التي تدفع بشاب لركوب عباب بحر هائج، يصل أو لا يصل إلى الجنة الأوروبية، تكون بالنسبة إليه مسألة ثانوية ما دام سينجو من وطن لم ينتج فيه مدبروه سوى الفقر والبطالة واليأس والقهر.

محمود معروف - الرباط


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×