Navigation

Skiplink navigation

الحكومة العراقية بوجه المعضلات الأمنية

لا زال الوضع الأمني محور الإنشغال الرئيسي لحكومة علاوي في العراق (الصورة التقطت يوم 26 يوليو 2004 في المدخل الشرقي لجسر في بغداد إثر تفجير سيارة معبأة بالمتفجرات قريبا منه) Keystone

يواصل رئيس الوزراء العراقي إياد علاوي أول جولة له إلى الخارج زار فيها إلى حد الآن عمان والقاهرة ودمشق وبيروت.

هذا المحتوى تم نشره يوم 26 يوليو 2004 - 15:36 يوليو,

وفيما طغى الهم الأمني على محادثاته في عواصم الجوار، لا زال العراقيون مترددين في الحكم لحكومته أو عليها بعد مرور أقل من شهر على نقل السلطة إليها.

قد يكون صحيحا الرأي القائل أن حكومة العراق المؤقتة الجديدة بزعامة إياد علاوي ما تزال في مرحلة الطفولة الأولى وأن الحكم على ادائها ولم يمض على اعلانها سوى قرابة الشهر مجرد حكم متعجل وخاطئ هذا اذا لم يتهم من قبل اخرين بأنه "متآمر ومغرض".

لكن هذا الادعاء يبدو فاقدا للقيمة حيث لن تتاح لهذه الحكومة فرصة بلوغ سن الرشد، فالأشهر الخمسة أو الستة التي ما تزال باقية من عمرها لن تكون كافية لاثبات جدارتها واعطاء انطباع حقيقي عن مدى قدرتها على اداء دور حقيقي في العراق الجديد.

لكن هذا وذاك لا يمنعان امكانية البحث في مستقبل هذه الحكومة الإنتقالية ومدى قدرتها على اداء ما هو موكول اليها من مهام.

بدءاً لابد من الاشارة الى ان الحديث عن مدى شرعية الحكومة الحالية لم ينته بعد، فما تزال قوى سياسية واجتماعية عراقية مهمة وكثيرة ترى فيها ادارة معينة من قبل الاحتلال، وما يزال قطاع عريض من الشارع العراقي غير المسيَّس يعتقد انها هشَّة وغير قادرة على الصمود وانها بدون صلاحيات وسلطات حقيقية تذكر.

وبرغم كل الادعاءات والضجيج الاعلامي فإن مما لا شك فيه ان حكومة علاوي لا تملك من السيادة الا ما يسمح لها بإسباغ الشرعية على وجود القوات المحتلة في العراق وانها لا تملك من السلطات ما يسمح لها بإنهاء الاحتلال الجاثم على صدور العراقيين منذ أبريل 2003.

الملف الأمني وسياسة خلط الأوراق

لعل المهمة الأساسية الأولى التي تضطلع بها حكومة السيد علاوي هي كيفية العمل على تحقيق اقصى قدر ممكن من الأمن والاستقرار في العراق، وبصرف النظر عن كون هذا الملف اكبر بكثير من قدرة هذه الحكومة وانه ما يزال في حقيقته بيد القوات الأمريكية التي تتولى تسيير البلاد والتحكم في العراقيين من وراء ستار أو من خلال دباباتها (الموجودة في الشارع بانتشار اكبر من ذي قبل)، يبدو ان الملف الأمني يحمل مزيدا من التعقيدات التي ستسفر عن بعضها الأيام المقبلة.

ومما يزيد الطين بلة في العراق تلك التصريحات التي تسهم في خلط الأوراق (حسب البعض) أو في توضيح الصورة بشكل اكبر (حسب البعض الآخر)، ومن بينها إعلان رئيس الوزراء المؤقت اياد علاوي ان الهجوم الامريكي على أحد المساكن في مدينة الفلوجة والذي أسفر عن مقتل 15 عراقيا كان بناء على معلومات استخبارية عراقية، وبرغم ان الفشل لا أب له مثلما يُقال، الا ان اللافت للنظر ان هذا الاعلان جاء بعد ان ثبت فشل الهجوم في اصابة اي من عناصر ابو مصعب الزرقاوي المفترض وجودهم في المكان لأنهم ببساطة شديدة لم يكونوا موجودين في محل القصف.

وفيما يرى الكثير من العراقيين (على الصعيدين السياسي والشعبي) أن الواجب الأول لحكومة علاوي يتلخص في الحد من أعمال المقاومة المشروعة للاحتلال الأمريكي باعتبارها "أداة استخباراتية بيد القوات الامريكية" حسب رأيهم، يتهم عراقيون آخرون اياد علاوي بتحوله "من رئيس وزراء مؤقت للعراق الى مجرد أداة دلالة للقوات الامريكية لقتل العراقيين"؟!.

ويتساءل عراقيون كُـثـر: "إذا كان من الإنصاف والحق ادانة قتل الابرياء من العراقيين بالسيارات المفخخة والعبوات الناسفة، أليس من الحق والانصاف ايضا إدانة قتل هؤلاء الأبرياء بالصواريخ والقنابل الأمريكية وبرصاص القناصين الذين يصطادون العراقيين بدم بارد" على غرار ما حصل الأربعاء 21 تموز في مدينة الرمادي وأودى بحياة اكثر من عشرين عراقيا بينهم استاذ جامعي وزوجته تجاوزا الستين من العمر داخل الحرم الجامعي بالمدينة؟.

ويبدو ان مثل هذه الممارسات الاستفزازية بدأت تصيب بيت الحكومة الإنتقالية الواهي بمزيد من التصدعات، إذ طالبها الحزب الاسلامي العراقي - الممثل فيها - بالعمل على حماية أرواح وممتلكات العراقيين والحيلولة دون استمرار نزيف الدم المتواصل في البلاد على يد القوات المحتلة.

الموقف الكردي

وهناك قضية ملتبسة أخرى تتعلق بالدور الكردي ومدى المسؤولية التي تتقاسمها حكومة علاوي مع الحزبين الكرديين الرئيسيين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني بصدد الملف الأمني الداخلي.

إذ تشير التقارير والمعلومات المتوفرة الى ان عناصر البيشمركة وهي الميليشيات التابعة لهذين الحزبين تؤدي دورا بالغا في السياسة الأمنية المتبعة في الداخل العراقي حاليا. ويسعى علاوي للحصول على دعم كردي وخاصة في مجال الاستخبارات كما يسعى الى الاستفادة من خبرات البيشمركة في مجال السيطرة على الأوضاع الداخلية.

ونقل عن مصدر مهم في وزارة الدفاع العراقية ان قوات البيشمركة الكردية ما تزال تتدفق على العاصمة بغداد للمساهمة في تعزيز الحالة الأمنية في وجه العمليات الارهابية المتصاعدة.ويأتي هذا الاعلان في ظل نفي القيادات الكردية وجود قوات البيشمركة في بغداد.

ومع ان عددا دقيقا لقوات البيشمركة المتواجدة حاليا في بغداد وعلى أطرافها لم يمكن الحصول عليه، الا ان بعض المصادر الصحفية تشير الى انه يصل الى نحو 25 الف عنصر قابل للزيادة في ظل الاستراتيجية الأمنية التي أعلن عنها علاوي الا ان الرقم الذي يبدو انه الأقرب الى الدقة ربما يكون في حدود عشرة الاف مقاتل.

كما نقل عن مصدر في الاتحاد الوطني الكردستاني الذي يتزعمه جلال الطالباني القول: "ان القيادة الكردية تؤيد ارسال قوات البيشمركة الى بغداد اذا كان ذلك ضروريا لدعم سياسة علاوي الأمنية".

ويبدو ان الاكراد يسعون الى تثبيت وجود عسكري لهم في بغداد منعا لحدوث مفاجآت يمكن ان تلحق ضررا بأهدافهم، أي في حالة ظهور نظام حكم مركزي في بغداد على غرار الدولة العراقية السابقة التي جرى تفكيكها لصالح انشاء دولة ضعيفة في المركز وقوية في الأطراف.

وتقول المصادر ان نائب رئيس الوزراء العراقي لشؤون الأمن الوطني برهم صالح قدَّم تعهداته لرئيس حكومته بـ "أن تكون القوات الكردية المسلحة على أهبة الاستعداد لمساندة اي خطط لضرب مناطق تشكل بؤرا للعنف وعدم الاستقرار مثل الفلوجة وسامراء وابو غريب والرمادي وبعقوبة وتكريت" وأي مدن أخرى في اطار ما يسمى المثلث السني الذي يشهد مقاومة عنيفة للقوات الأجنبية والمتعاونين معه على نحو ملحوظ.

البنى الأساسية .. والإنتخابات

تقف قضية توفير الخدمات الأساسية من بين اهم القضايا المطلوب تأمينها في هذا الظرف، وبرغم ان المواطن العراقي يعلم جيدا ان كثيرا من بناه التحتية تعرض للتدمير والسرقة والتخريب المتعمد الا انه لا يأبه كثيرا لمحاولات إلقاء اللوم في هذا الصدد على المخربين والارهابيين وحدهم أو لعدم توفر التغطيات المالية الكافية.

وعادة ما يستعيد العراقيون في تصريحاتهم أو حواراتهم أن حكومة العراق السابقة تمكنت بامكانياتها المحدودة وفي ظل الحصار الخانق من اعادة الحياة للبنى التحتية التي دمرت عام 1991 خلال أشهر قليلة، كما انهم لا يأبهون بعشرات التصريحات الصادرة عن كبار المسؤولين عن تدفق اموال المانحين والمساعدات القادمة من هنا وهناك والتي تلوكها وسائل الاعلام من باب ملء الفراغ ويتندر عليها العامة ليقينهم القاطع بأنها لن تصل اليهم.

وما يزال المواطن العراقي يتطلع الى اليوم الذي تستطيع فيه حكومة علاوي توفير الماء الصالح للشرب والكهرباء والوقود وتنظيف الشوارع والازقة التي بات تراكم النفايات فيها مروعا.

صحيح جدا ان كثيرا من المؤسسات تباشر أعمالها وان الموظفين يذهبون صباحا الى مقرات عملهم الا ان الصحيح من جانب اخر ان كثيرا من المهام الحكومية ما تزال معلقة وكثيرا من المصالح ما تزال معطلة وان كثيرا من الموظفين لا يزاولون سوى مهمة شرب الشاي والنميمة في ساعات الدوام الرسمي ويقبضون على ذلك أجورا وبعلم الحكومة وربما مباركتها أحيانا.

وتبقى المهمة الأساسية الأخرى المطلوبة من حكومة علاوي وهي التهيئة لانتخابات عامة مطلع العام المقبل، ومع ان موعد اجراء تلك الانتخابات يمكن ان تعصف به قوانين الطوارئ التي تم الاعلان عنها الا ان ذلك لم يتغير حتى الان على ما يبدو.

ويترافق مع ذلك الجهد المكثف لعقد مؤتمر وطني موسع نهاية هذا الشهر، لكن الخطوات العملية لعقد هذا المؤتمر تبدو غامضة وغير شفافة ومشكوك فيها الى حد كبير حتى الان خاصة مع الأخذ بنظر الاعتبار ان قوى عديدة رفضت الانضمام اليه برغم اهميتها وثقل دورها.

ثمة أمل .. ولكن !

برغم كل الصعوبات القائمة يبقى ثمة أمل مع تحقق بعض الانجازات. فعلى الصعيد الأمني تحقق قدر من التحسن لكنه ما يزال ضئيلا للغاية وخاصة في مجال الجريمة الفردية، والمقصود بها حوادث السرقة والسلب والسطو المسلح، حيث باشرت قوات الشرطة العراقية بعض مهامها ونفذت - اخيرا – حملات مداهمات طالت عددا من أوكار الجريمة المعروفة وألقت القبض على على مئات من المشبوهين في سياسة تطهير المجتمع التي يؤيدها العراقيون بشدة، كما حقق المسؤولون عن قوات الأمن حضورا أوسع في الشارع، وساهموا في إنجاز بعض الانسيابية في نظام المرور الذي ضاع مع أشياء أخرى في العراق الجديد طيلة الأشهر الفائتة.

غير ان تحقيق الأمن والاستقرار سيبقى بعيد المنال ولن يتحقق كما ينبغي الا عندما يشعر العراقيون جميعا ان الحكومة التي تتولى المسؤولية في البلاد ذات سيادة وسلطة حقيقيتين بلا وصاية ولا أوامر وليس مجرد حكومة تصريف أعمال، وانهم جميعا ممثلون فيها، حينها سيعود الهدوء الى بلاد الرافدين وسينصرف العراقي لبناء وطنه والتطلع لمستقبل أفضل بدل أن ينشغل بمهام أخرى كان يتمنى ان لا يزاولها في يوم من الأيام.

مصطفى كامل - بغداد

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة