تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

القرينة الفلسطينية

لم يبدأ أحمد قريع مهامه كرئيس للوزراء حتى أعلن استقالته بسبب خلافات مع ياسر عرفات

(Keystone)

هل وُلدت حكومة أحمد قريع ميّـتة؟ ما فتئ هذا السؤال يُـطرح بإلحاح منذ أن فاجأ أبو علاء العالم بإعلانه الاستقالة من منصبه.

سبق هذا الإعلان الذي تتضارب الأخبار بشأنه، انعقاد جلسة صاخبة للمجلس التشريعي الفلسطيني الذي لم يُـزكّ الحكومة.

لا تلبث القيادة الفلسطينية أن تُـغادر أزمة، حتى تلج أخرى، بل أن الدراما التي شهدتها الخطوات الأولى من تشكيل وإعلان حكومة رئيس الوزراء الجديد أحمد قريع (أبو علاء) تؤشر على موسم جديد من الصراع الداخلي الخاضع إلى مختلف المؤثرات الخارجية.

أما شعور الوحدة والوئام الذي أشاعه اختيار الرئيس ياسر عرفات لرئيس المجلس التشريعي ورفيق دربه قريع، وتأكيد الأخير المتكرر أنه لن يخرج عن عباءة القائد الفلسطيني، فإنهما تبخرا عند أول اختبار على أرض الواقع.

تجلّـى اختبار الحقيقة في جلسة صاخبة جمعت الرجلين في اجتماع للجنة المركزية لحركة فتح، خُـصّـص لمحاولة تخطي الخلاف حول أيهما أنفع: حكومة طوارئ ليس لها أساس قانوني، سوى المرسوم الرئاسي الذي أعلنها، أم حكومة عادية تذهب للمجلس التشريعي للحصول على ثقته.

انتهى اللقاء الذي سبقه تأجيل للجلسة بصورة درامية، وشهد خروجا غاضبا لقريع الذي أكّـد أنه لم يعد معنيا بمنصب رئيس الوزراء، وجدلا لم تتمكّـن اللجنة المركزية من حسمه.

ما أشبه الليلة بالبارجة. الخلافات التي شهدتها فترة تولّـي رئيس الوزراء المستقيل محمود عباس تعود للواجهة من جديد، والمفارقة هذه المرة، أن أحمد قريع الذي ظل يتوسط لتسوية الخلافات بين عرفات وعباس، بات يعيش الأزمة ذاتها، ولكن بسرعة أكبر وإثارة أقوى.

اللجنة المركزية لحركة فتح التي جنّـدت قواها بالأمس القريب للوقوف وراء الرئيس أمام زحف رئيس الوزراء الأول، لم تكن قادرة على حسم الخلاف الأول بين الرئيس ورئيس وزرائه الجديد.

وحركة فتح التي تقود الفلسطينيين منذ أربعة عقود، باتت مرة أخرى منقسمة على نفسها، غير قادرة على حسم أدق الأمور وتسيير دفة القيادة بطريقة تسمح بإخراج أفضل لمسألة تشكيل حكومة جديدة.

الخلاف الحقيقي

استنادا إلى مقربين، فإن الخلاف الذي حدا بأبي علاء الطلب إلى الرئيس عرفات إعفاءه من تكليفه برئاسة الوزراء، يتعلّـق مرة أخرى بمهمة وزير الداخلية، وليس بشكل الحكومة الجديدة فقط، حكومة طوارئ أم عادية.

منصب وزير الداخلية المثير للجدل أدّى لخلاف حوله إلى استقالة أول حكومة رئيس وزراء فلسطيني، خرج مرة أخرى للعيان في النقاش الحالي الدائر داخل فتح حول طبيعة الحكومة التي يعتزم أحمد قريع تشكيلها.

يطغى الأمن على كل شيء. هكذا أثار اللواء نصر يوسف، وزير الداخلية المُـعيّـن المسألة من جديد عندما رفض التوجّـه إلى مقر الرئيس عرفات لأداء اليمين الدستوري في حكومة أبو علاء.

رفض اللواء يوسف، وهو العسكري المجرب وعضو اللجنة المركزية لحركة فتح وأحد أركانها، مبدأ تشكيل حكومة طوارئ تكون مهمتها الأساسية أمنية، ويكون فيها بصفته وزير الداخلية، كبش الفداء لأي خطوات يتوجب على الحكومة اتخاذها ضد مجموعات المقاومة، وهي الإجراءات التي تشترط الإدارة الأمريكية وإسرائيل على أي حكومة فلسطينية تنفيذها.

مرة أخرى، يصطدم القرار الفلسطيني الوطني بمسألة الأمن الذي تعرفه إسرائيل والإدارة الأمريكية، وتضطر القيادة الفلسطينية إلى تحمّـل مختلف أصناف الضغوطات الدولية لترجمته إلى حقيقة على أرض الواقع.

لكن التناقض الذي تعيشه الحالة الفلسطينية من الضغوطات بتوفير الأمن لإسرائيل من جهة، واستحالة تطبيق ذلك وتقديمه من خلال حكومة وطنية، يُـعيد الأمور إلى مربّـعها الأول، ويُـرسل القيادة الفلسطينية إلى حالة لم تشهدها من قبل.

حيرة قريع أو براغماتيته؟

على وقع هذا التناقض، كان على أحمد قريع رئيس الوزراء المُـكلّـف، تشكيل حكومته الجديدة آخذا بعين الاعتبار مختلف التناقضات التي تعيشها القيادة الفلسطينية.

تمثّـل الرأي الأول لأحمد قريع في خيار حكومة طوارئ لا تقيّـده وتمنحه حرية الحركة على مختلف الأصعدة، دون أن يكون قد خرق الثوابت الوطنية. لكن حرية الحركة التي يريدها قريع تتمثل فيما يمكن أن يجلبه من إنجازات من خلال مفاوضة الإسرائيليين.

وعندما لم ينجح أبو علاء في إقناع الهيئات الرسمية للقيادة الفلسطينية بجدوى ومنافع حكومة طوارئ، توجّـه إلى جميع الفئات محاولا تشكيل حكومة واسعة تضم الجميع، لكن ذلك كان صعبا أيضا أمام استحالة إرضاء الجميع، لاسيما التيارات المتناقضة داخل حركة فتح.

ظل أحمد قريع يتطلّـع إلى حكومة صغيرة لا تُـقيّـده حتى حانت الفرصة بعد العملية الانتحارية الأخيرة في حيفا، فسارع إلى إقناع عرفات بضرورة إعلان حالة الطوارئ وتشكيل حكومة طوارئ.

سارع عرفات إلى قبول الفكرة متيقنا أن حكومة طوارئ تخرج عن مرسوم رئاسي تُـشكل فرصته الحيوية لاستعادة السيطرة على الحكومة، ولم يتأخر في إصدار المرسوم.

لكن حركة فتح المنقسمة على نفسها أثارت وأجبرت رئيس الوزراء الجديد على التراجع على فكرة حكومة الطوارئ وضرورة عودته، وهو رئيس المجلس التشريعي لسنوات، إلى المساءلة والمكاشفة وعرض حكومة عادية على المجلس.

لم يكن بمقدور أبو علاء "البراغماتي" رفض الدعوة بالتوجه إلى المجلس التشريعي معتقدا أن بإمكانه الفوز بثقة البرلمان الصغير على حكومة مصغرة يمكن له أن يوسعها على ذوقه واختياره لاحقا.

تضاعفت التناقضات الفلسطينية وتطورت وتقاطعت في اللقاء الأول الحاسم: الرئيس الفلسطيني يريد حكومة طوارئ استنادا إلى مرسومه، ويريد معاقبة وزير الداخلية لرفضه أداء اليمين، وأحمد قريع يريد حكومة تُـرضي المجلس وتنفعه لاحقا.

وعلى هذه الخلفية، نمت تعقيدات جديدة داخل القيادة الفلسطينية التي لا تنفك تضعف ذاتها وتخسر عند كل أزمة هامش مناورة إضافي. مرة أخرى سيدخل الجميع حلبة الحلول الوسطى وتتّـسع رُقعة الانقسام.

هشام عبد الله - رام الله


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×