الوعود الرئاسية .. من يمنعها ومن يطبقها؟

إحدى الملصقات الإنتخابية العملاقة للرئيس المصري حسني مبارك في أحد شوارع القاهرة (الصورة بتاريخ: 6 سبتمبر 2005) swissinfo.ch

فى الأروقة المصرية، وحسب تصريحات رسمية، هناك قانونان أحدهما لمكافحة الإرهاب ليحل محل قانون الطوارئ، والآخر لتعديل بعض بنود قانون النشر وبما يحول دون حبس الصحفيين مجددا.

هذا المحتوى تم نشره يوم 25 مارس 2006 - 18:00 يوليو,

ومن حيث التفاصيل لا يوجد شئ محدد، وهو ما يثير الشكوك، حول أهداف القوانين الجديدة أو المعدلة..

يتساءل المراقبون في مصر هذه الأيام هل للقانونين علاقة بوعود برنامج الرئيس مبارك الانتخابى، ام أنها مجرد حديث فى الفراغ المطلق، أم هى إشارة مؤكدة نحو التراجع عن الإصلاح الموعود، والاكتفاء بما تم؟

مجرد تقاعس أم تعمد؟

أهمية هذين القانونين وغيرهما (كالحديث عن تعديلات على الحبس الاحتياطى، وبما يقصر سلطتها على رؤساء النيابات ومنع حبس السيدات والشيوخ، وقصره على مدة محددة وجواز الطعن القانونى عليه)، هى أنها جزء من وعود رئاسية قيلت فى مناسبات مختلفة، ولكن لم يحدث شئ بعد بشأنها، حتى بعد مرور عامين كما فى حالة ما يعرف بالوعد الرئاسى لإلغاء حبس الصحفيين، أو مرور ستة اشهر كما فى حالة الإعلان عن إلغاء قانون الطوارئ كما ورد فى برنامج مبارك الرئاسى الانتخابى.

وإذا اعتبرنا أن هذين القانونين وغيرهما بمثابة شروط للإصلاح السياسى لا غنى عنهما، فبالتالى فإن التقاعس فى إصدارهما يعنى نتيجة واحدة وهى غياب الجدية فى الإصلاح، وربما ـ مع افتراض حسن النية طبعاـ الإبطاء المتعمد من وتيرته إلى الحد الذى يجعله أمرا افتراضيا غير قابل للتحقق إلا فى حالة تغيير قدرى شامل، لا يتحكم فيه أحد إلا الله تعالى.

الحق هنا أن المبررات الحكومية التى تقال عن مجرد بطء السرعة وليس التراجع عن مبدأ الإصلاح، توضح أن توازنات القوى السياسية والاجتماعية المتحكمة فى عملية صنع القرار المصرى، ليست مع الإصلاح بالمعنى الشامل والحر الذى تناضل من أجله القوى السياسية الأخرى فى الشارع وفى الأحزاب معا.

بل هى مع إصلاح محدود جدا، وبطئ جدا، وأيضا مُصاغ بطريقة محكمة لا تتيح المحاسبة لما فات، ولا تسمح بالتغيير السلمى المنظم من أجل المستقبل. أنه إصلاح يعنى باستمرار الأسس الحاكمة الراهنة، وفى اكثر الأحوال تفاؤلا تغيير محدود ومتدرج لشخصيات بعينها ليحل محلها أشخاص أخرون موثوق بهم. أما التوازنات وقواعد العمل فتبقى على حالها.

معركة حبس الصحفيين

ففى المعركة الجارية بشأن تعديل بعض المواد الخاصة بالحبس فى جرائم النشر، وبعد أن تصاعدت احتجاجات الصحفيين فى أعقاب إصدار حكمين، أحدهما بحبس الصحفى عبد الناصر الزهيرى من جريدة "المصرى اليوم" لصالح وزير الاسكان السابق (تنازل الوزير لاحقا عن الحكم بعد وساطات كثيرة)، والأخر بحبس الصحفية أميرة ملش فى جريدة "الفجر" لنشرها خبرا من واقع تحقيقات النيابة حول جريمة رشوة جاء فيها ذكر لأحد القضاة، (وهى الآن هاربة انتظارا للعرض على محكمة الاستئناف)، ذكر أن "هناك بالفعل قانون تعده الحكومة من أجل إلغاء حبس الصحفيين".

لكن نقابة الصحفيين المعنية بحقوقهم ومصالحهم والمخولة التحدث باسمهم تجاه المؤسسات المختلفة، لا تعلم شيئا عن مواد هذا القانون الذى قد يعرض بليل، كما حدث فى قوانين سابقة، وتم إصداره دون علم أصحاب المهنة. والخوف أن يحدث الامر نفسه مع التعديلات المقترحة من الحكومة، وبحيث يكون الحبس الراهن فى القانون المعمول به، اكثر رحمة من القانون المنتظر.

صنع بليل

طريقة صنع القانون فى غيبة عن أصحاب المهنة ليست جديدة، فهى تقليد حكومى مصرى أصيل، وفى كل المناسبات السابقة، كان التشريع يصاغ فى صمت ويصدر فى أسرع وقت، ليفاجئ الجميع بالمحنة التى عليهم معاناتها.

ما الذى يمكن أن يغير تلك الطريقة التقليدية العتيدة؟ سؤال مطروح بقوة، ومحاولات ومساعى الإصلاح تعنى بالفعل ضرورة تغيير ذلك الأسلوب الذى يصلح فقط فى النظم السلطوية والشمولية.

ولذا فإن الشعور بالتشاؤم لدى جموع الصحفيين هو السائد، والتأكيدات على ألسنة بعضهم الكبار بأن 80% من المسؤولين فى دوائر صنع القرار ومن الوزراء يعارضون تماما إلغاء عقوبة الحبس فى جرائم النشر، لان النتيجة ـ حسب توقعاتهم ـ أن يفتح الباب على مصراعيه لكشف وقائع فساد لا حصر لها، وستطول حتما الكثير منهم. ولذلك فأن يتأخر الإصلاح قليلا، أو يقل كثيرا، وأن يُردع الصحفيون عن كشف الحقائق خير بالتأكيد من نتائج ستمس النظام وتماسكه حسب رأيهم.

الطوارئ .. حالة أم قانون

ما يجرى بشأن إلغاء عقوبة الحبس وهى وعد رئاسى أعلن على الملأ فى فبراير 2004، وأعيد تكراره كثيرا كتعبير عن اقتناع النظام وتأييده لحالة الحرية المتزايدة فى مجال الرأى والكلمة، ولكن لم يحدث شئ، تعيد نفسها بشأن قانون الطوارئ والإعلان عن تغييره بقانون للإرهاب، ليحل محله.

ونظرا لطبيعة قانون الطوارئ الذى يحمل الرقم 162 ويعود إصداره إلى عام 1958، ويعرف بكونه القانون سيء السمعة، وكونه أحد أعمدة الاستقرار الذى استند إليها النظام طوال 24 عاما متتالية، فإن الجدل بشأنه يبدو عصيا على الفهم أحيانا.

ففى أثناء الحملة الرئاسية فى سبتمبر الماضى، قيل أن هناك فارقا بين حالة الطوارئ وبين قانون الطوارئ، الاولى تعلن لغرض معين لحماية الدولة وأمن مواطنيها من حدث أو أزمة أو حرب أو مكروه جماعى طارئ، ومن هنا إمكانية أن تلغى تلك الحالة، فى الوقت نفسه الذى يبقى القانون موجودا ولكنه معطل، إلى أن يتم اللجوء إليه عند الضرورة ولمدة معينة ويعطل بعدها حسب ما يحدث فى كل بلدان العالم.

وكان هذا المخرج القانونى منطقيا، ولا يترتب عليه تغييرات دستورية، وكل ما يراد له أن يأخذ البرلمان قرارا برفع حالة الطوارئ لانتفاء الأسباب. غير أن ما حدث انه أعلن تجديد حالة الطوارئ 3 أعوام أخرى، باعتبار أن البلد ما زالت مستهدفة من الإرهاب وأشياء أخرى (!)

الوجهة المعاكسة

ما جرى لاحقا سار فى وجهة معاكسة، إذ خرجت تصريحات مسؤولة تقول ان قانون الطوارئ لا يجوز رفعه لانه يتطلب تغييرا دستوريا، وقيل أيضا أن استبدال قانون الطوارئ إلى قانون لمكافحة الارهاب يتطلب تغييرا دستوريا جوهريا، ولكن هذا التغيير ليس وقته الآن.

المفارقة أن بعض الدوائر داخل الحكومة تتحدث عن وجود قانون لمكافحة الإرهاب قيد الصياغة، فى الوقت نفسه الذى يقول فيه قانونيون مخضرمون إن مصر لديها بالفعل قانون للإرهاب صدر فى 1992 إبان المواجهة مع الجماعات الإسلامية العنيفة، ولكن تم تضمينه فى قانون العقوبات العادى، ومنذ ذلك الوقت يتم العمل به فى تطور يحمل الكثير من أوجه الخطر على الحريات وعلى حقوق المواطنين.

مثل هذا اللغط القانونى لا يشير إلى اجتهادات قانونية معتادة، بقدر ما يشير إلى مماحكة تهدف إلى تضييع المطلوب، وهو هنا إلغاء الطوارئ وإعادة الحياة فى البلاد إلى وضعها الطبيعى، أى أن تحكم بقوانين عادية ذات طابع دستورى ولا غبار عليها، ومن ثم تتخذ خطوة مهمة على طريق الاصلاح.

فى الحالتين، هناك يد خفية تحول المطلوب إلى عكسه، وهناك مطالب تتصاعد، وهناك وعود تقال لكى يتم التراجع عنها، أو يتم تجاهلها. وفى كل الأحوال فإن النتيجة واحدة، ففجوة الثقة بين القاعدة والقمة فى تزايد، ونزعة التفاؤل المجتمعى لم تعد موجودة قط.

د. حسن ابوطالب - القاهرة

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة